#adsense

دبابة T54/55 في “القوات اللبنانية”: “زكية وميشلين وبشير حي فينا”

حجم الخط

كتب سامر قسيس في مجلة “المسيرة” -العدد 1604

بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية بدأ سباق التسلح بين الكتلتين الشرقية والغربية ، بما عرف فيما بعد بحلف وارسو وحلف شمال الأطلسي ، في سباق مستميت لانتاج أفضل أنواع الأسلحة لخلق نوع من توازن الرعب بين الكتلتين . ومن الطبيعي أن يتم تطوير الدبابات ، فكانت الدبابة T54 ثمرة دراسات طويلة قام بها الاتحاد السوفياتي بعد تجربة مرة في مواجهة الدبابات الألمانية في الحرب العالمية الثانية ، والتي تفوقت عليه تكنولوجياً ، فسعى إلى إنتاج دبابة وضع فيها كل الدروس التي تعلمها في المعارك السابقة.

بدأ إنتاج الدبابة T54 في العام 1947 ، وتم انتاجها حتى السبعينات في نماذج عدة ، وكانت كل مدة تخضع الدبابات الاقدم  لعمليات تطوير يضاف إليها ما تم زيادته على النماذج الأجدد ، وهكذا تعددت النماذج لتصبح بالعشرات ، كما بدأ تصنيع ال-T54 ومن بعدها  ال-T55 في بولندا وتشيكوسلوفاكيا، إضافة إلى النسختين الصينيتين Type 59 و Type 69 ومتفرعاتهم.

تم تصنيع حوالي مئة ألف  دبابة T54/55  بمختلف انواعها لتكون الدبابة الأكثر إنتاج في العالم .

في الستينات دخلت الخدمة في الجيش المصري ثم السوري وتبعتهم دول عربية أخرى كالعراق واليمن والجزائر وليبيا والمغرب . ظهرت لاول مرة على ساحة المعارك في الشرق الأوسط في حرب الأيام الستة (أو نكسة 1967 ) ، حيث ظهرت عشرات الدبابات من نوع T54/55 مصرية وسورية مدمرة على جبهات عدة بعد الهجوم الفجائي الذي شنه الاسرائيليون .

وسرعان ما دخلت هذه الدبابة الخدمة في الجيش الاسرائيلي بعدما تم السيطرة على عدد منها ، وتم تسميتها Tiran (نسبة إلى مضيق تيران الذي اقفله جمال عبد النصر على الملاحة الاسرائيلية ما أدى إلى اندلاع الحرب) ، واضيفت بعض التعديلات عليها ، واستعملت عدد منها لاول مرة  في إحدى الاغارات السرية غرب قناة السويس قرب منطقة الغردقة ، في عملية إنزال بحري حيث ظن الجنود المصريون أنها دبابات صديقة ، ما أدى إلى نجاح العملية وتحقيق اهدافها .

عام 1973 ، اندلعت حرب العبور (أو حرب تشرين ) وشوهدت ال-Tiran الاسرائيلية تواجه شقيقاتها في الجيش المصري من T54/55 ، كذلك  غنمت إسرائيل في هذه الحرب عدداً أكبر منها وزادتها على اسطولها.

قد يكون العام 1973 وما تبعه ، السنين التي بدأت تمر ال T54/55 على الأراضي اللبنانية ، وان بشكل غير رسمي ، حيث قامت سورية بالحصول على دعم سوفياتي للتعويض عن خسائرها عبر مرفأ بيروت مرورا بطريق الشام ، حيث أن البحرية السورية تعرضت لهزيمة نكراء وحصار بحري اسرائلي ، فتم نقل هذه الدبابات عبر الأراضي اللبنانية .

رسميا ، وطأت أول دبابة T54/55 الأراضي اللبنانية في حزيران 1976 ، حيث دخلت القوات السورية إلى لبنان “دون إذن من أحد ” ، ثم ضمن قوات الردع العربية في تشرين الأول 1976 . واشتبكت هذه القوات مع الحركة الوطنية والتنظيمات الفلسطينية خاصةً في صوفر وصيدا ، فتم تدمير عدد من هذه الدبابات . وسرعان ما ساءت العلاقة مع “الجبهة اللبنانية ” ، وبدأ الصراع مع الأحزاب المسيحية التي اشتبكت مع القوات السورية أولا في حرب المئة يوم ، وبعدها القوات اللبنانية في معركة قنات وحرب زحله ، واصبحت ال-T54/55 عدوة القوات اللبنانية الاولى ، يتم اصطيادها على مختلف الجبهات ، وبوسائل عديدة .

عام 1982 ، اشترت القوات اللبنانية عشر دبابات Tiran 4 (أي T54 معدلة ) ، اضيف إليها عدد من دبابات T54/55 التي تم السيطرة عليها من الجيش السوري في مناطق عدة أبان الاشتياح الاسرائلي عام 1982 ، إضافة إلى عدد من الدبابات المدمرة أو المعطوبة التي شكلت مصدر لقطع الغيار ، كما تم تعديل هذه الدبابات السورية في مشاغل القوات اللبنانية لتصبح شبيهة بسابقتها في القوات ، أي Tiran ، وأصبحت هذه الدبابات تحل تدريجيا مكان دبابات M50 شرمن التي أصبحت قديمة .

من بين الدبابات التي غنمتها القوات اللبنانية ، دبابة T55 سورية مزودة بقائس مسافات ليزري (يعمل على ال-Lazer)  ، وكانت أكثر تطورا من غيرها فتلك عليها إسم “زكيه ” Zakyeh ، وكان لها دور كبير في تدمير أهداف عدة نسبة إلى دقة مدفعها ، إضافة إلى دبابة أخرى دعيت “ميشلين ” .

في نهاية صيف 1983 بدأت الدورات التدريبية تتوالى على هذه الدبابات ، خاصة بعد تصاعد حدة التوتر في الجبل ، إستعدادا إلى الأسوأ . وجأت حرب الجبل في أيلول 1983 ، حيث تم توزيع دبابات T54/55 و-Tiran على الجبهات ، فكان لها الدور الأكبر في صد الهجمات المتكررة خاصة على جبهة سوق الغرب . أما في بحمدون فقد منع الاسرائيليون القوات من استقدام دبابات ومدرعات لهذه الجبهة، ما أضعفها وعرضها للسقوط .

في الوقت نفسه، تم نقل حوالي سرية دبابات بحرا بواسطة “زحافات ” بحرية القوات اللبنانية إلى منطقة الدامور ، حيث انطلقت من هناك صعودا إلى منطقة قبرشمون في أشرس معركة خاضتها القوات اللبنانية ، وكانت الدبابات مدعومة بفرق مشاة مؤللة ، أدى التنسيق في ما بينها إلى خوض معركة بمستوى أرقى الجيوش في ذلك الوقت ، واالافت للنظر أن سلاح المدرعات لم يخسر أي دبابة في تلك المعركة، فقط واحدة أصيبت بقذيفة RPG أدت إلى تعطيل مدفعها ، وأخرى أصيبت بصاروخ Sagger أصاب خزان الوقود من الجانب الأيمن دون تعطيلها . كما كان في الهجوم الية من نوع VT55 ، وهي الية هندسة / إخلاء  تعتمد على شاسي دبابة T55 قادرة على إخلاء أو إصلاح الدبابات المعطوبة ، أيضا غنمتها القوات من الجيش السوري عام 1982 . وقد تم كتابة شعار “بشير حي فينا ” باللون الأبيض  على مقدمة ومؤخرة الدبابات التي خاضت حرب الجبل .

لقد برهنت الدبابة T54/55 بانها دبابة جيدة ويمكن أن تؤدي مهمتها بنجاح شرط أن يتم التدرب عليها جيدا ، والمحافظة على صيانتها الدائمة . وان بدت ضعيفة في جيوش أخرى فلسوء استعمالها وضعف صيانتها .

إستمر إستعمال هذه الدبابات في مختلف المعارك وعلى معظم الجبهات الخارجية والداخلية ، واصبح عنصر سلاح   المدرعات أكثر خبرة وحرفية ، وسرعان ما حصل الحزب التقدمي الاشتراكي على عدد  منها، أولا من سوريا ثم بأعداد أكبر من ليبيا ، وتبعته  حركة أمل التي حصلت على 50 دبابة T55  عام 1985 من سوريا  ، فأصبح على دبابة T54/55 القواتية أن تواجه على الجبهات شقيقاتها السورية والاشتراكية والاملية ، مع فارق أساسي أن عدد دبابات القوات كان محدوداً، وبالتالي أي دبابة يتم تدميرها لا يمكن تعويضها ، وكذلك كمية الذخيرة كانت محدودة جداً، بينما في الطرف الأخر كان عدد الدبابات والذخائر غير محدود .

في نهاية الثمانينات ، ونتيجة لسياسة الانفتاح على المحيط التي انتهجتها “القوات اللبنانية”، ونتيجة للخلاف الكبير بين نظامي سوريا والعراق ، قام الرئيس العراقي صدام حسين بدعم “القوات اللبنانية” عبر إرسال كمية كبيرة من الأسلحة ، منها عدد كبير من دبابات T54/55 ، لكن بمعظمها كانت (T54 III (Model 1951 أي النسخة الأقدم ، مع ذلك تم ادخالها الخدمة في “القوات”، وسمح هذا العدد  من الدبابات بتطوير سلاح الدبابات في القوات وزيادة السرايا التي توزعت على مختلف الثكنات والجبهات ، واصبحت تؤمن الدعم الناري اللازم عند حصول أي طارئ .

لقد استطاعت هذه الدبابات خوض مختلف المعارك ، من دعم للمشاة ، أو دفاع عن الجبهات ، أو كسلاح إقتحام قادر على سحق العدو ، إضافة إلى مواجهة الدبابات العدوة .

العام 1990 ، بدأت حرب الالغاء ، هذه الحرب التي حاولت “القوات” تفاديها جاهدة دون نتيجة .  لكنها كانت معمودية النار لسرايا المدرعات الجديدة التي تم تأسيسها إبتداء من العام 1988 ، فخاضت دبابات ال-T54/55 المعارك الضارية ، في شوارع عين الرمانة والاشرفية وسن الفيل ، إضافة إلى ضبية وادما والقليعات وجبهات جبيل ، كانت فيه هذه الدبابة اللاعب الأساسي ، إن دفاعا أو هجوما ، واستطاعت مواجهة دبابة M48 A5 الأكثر تتطورا منها ، واستطاعت تدمير بعضها في مواجهات مباشرة على مختلف الجبهات .

في نهاية الثمانينات ، بدت دبابة T54/55 القواتية مختلفة عن غيرها  في جيوش أخرى ، فقد تم تعديلها، وأضيف إليها علب ورفوف وسلل معدنية على أبراجها ، لاحتواء عتاد طاقمها وبعض ذخيرة الرشاشات  ، وتمّت زيادة الحماية وزُوِّدت بعدد من الرشاشات المتوسطة والثقيلة، ومن عيارات مختلفة كانت تؤمن الدعم الناري للدبابة والمشاة المواكبة لها ، كما كانت تستهدف الأخطار المواجهة  من طواقم مزودة بصواريخ مضادة للدروع .

وفي نهاية العام 1990 ، قامت الكتيبة 61 باضافة تدريع جديد على دبابات T54/55 قادر على حمايتها من أسلحة مختلفة ، فبدت هذه الدبابات وكأنها تابعة لأحد أحدث جيوش العالم ، وبرهنت مشاغل القوات أنها قادرة على خوض تجربة التطوير والتحديث بنجاح باهر وضمن إمكانيات قليلة جدا .

بعد إنتهاء الحرب اللبنانية ، جرى تسليم قسم من هذه الدبابات إلى الجيش اللبناني ، وترحيل القسم الباقي إلى خارج لبنان . فدخلت الخدمة في الجيش اللبناني ، الذي سرعان ما استعملها بنجاح في معركة صيدا ، صيف 1991 ، وبقية المعارك مرورا بنهر البارد ومعركة عبرا ، وهي جنبا إلى جنب مع شقيقاتها من دبابات T54/55 من مصادر أخرى.

يذكر أن الدبابة T54/55 استعملت في لبنان من قبل الجيش السوري ، والمنظمات الفلسطينية المدعومة من سوريا خاصةً في معركة طرابلس عام 1983 ، ومن قبل الجيش الاسرائلي في إجتياح لبنان عام 1982 ، وجيش لبنان الحر وبعده جيش لبنان الجنوبي من العام 1980 وحتى العام 2000 . كما قامت إسرائيل بتحويل بعض دبابات T55 إلى ناقلة جند / عربة قتال سميت Achzarit واستعملت في لبنان من العام 1991 حتى العام 2000 ، كذلك في حرب تموز 2006 .

لقد برهنت هذه الدبابة التي مضى حوالي 70 عاما على تصنيعها أنها ما زالت قادرة على خوض أشرس المعارك ، فهي تشاهد اليوم على الجبهات المشتعلة في سوريا والعراق واليمن وليبيا ، وموزعة على مختلف الدول خاصة العالم الثالث حيث يبدو أنها ستحتفل بعيدها المئة وهي في كامل هيبتها وقدرتها على القتال .

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل