
كتب د. فادي الأحمر في المسيرة العدد 1604:
إنها واحدة من أكثر الصور السياسية تعبيراً. لقد درجت العادة ان يصافح الرئيس الأميركي ضيفه أثناء جلوسهما في المكتب البيضاوي أمام الموقدة الأشهر في العالم. ولكن دونالد ترامب رفض مصافحة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أمام عدسات الكاميرا. ضم يديه بين رِجليه. تجاهل دعوات الصحافيين لمصافحة ضيفته. وعلى رغم ذلك حافظت المستشارة الألمانية على ابتسامتها أمام العدسات. موقف أنجيلا ميركل جسّد برودة الألمان ورباطة جأشهم وصلابتهم في الظروف الصعبة. لم ترتبك. في حين ان ترامب كان هو المرتبك. جسّد تصرّفه “الصبياني” الطبع الأميركي المتميّز بالإثارة. ولكن بعيداً عن طباع ترامب غير الدبلوماسية والاستفزازية، لا شك ان الرجل أراد إيصال رسالة سياسية من خلال تصرّفه هذا غير اللائق. وقد عبّرت الصورة عن عمق أزمة العلاقات بين البلدين. ما هي أبعاد هذه الأزمة؟
تشهد العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا تدهوراً منذ ما قبل وصول دونالد ترامب. برزت بشكل خاص في فضائح تنصّت المخابرات الأميركية على مسؤولين ألمان. أولى هذه الفضائح التي تحوّلت أزمة كانت في العام 2013. فقد كشفت صحيفة “دير شبيغل” الألمانية عن احتمال ان يكون الجهاز الخليوي للمستشارة الألمانية مراقبًا من قبل المخابرات الأميركية. واشنطن اكتفت بنفي الخبر. لم تقدّم براهين عن عدم حصوله. فهي فعلت الشيء ذاته مع الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند. وعندما سُئل باراك أوباما عن المسألة اكتفى بالنفي!
في العام 2014 اكتشفت المخابرات الألمانية عميلين أميركيين يعملان لحساب المخابرات الأميركية. في 11 تموز اتخذت برلين القرار بترحيلهما. فكانت سابقة في تاريخ العلاقات بين البلدين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. في اليوم التالي كتبت الصحف الألمانية عن “شرخ” في العلاقة بين البلدين، وعن “سابقة في الاعتراض على الكبرياء الأميركي”. وعنونت صحيفة “لو موند” الفرنسية بأن البلدين على “عتبة حرب دبلوماسية”.
في تموز 2015 كشفت وثائق ويكيليكس أن ألمانيا تأتي في رأس اهتمامات المخابرات الأميركية! في حين أنها حليف، وعضو مؤسّس للاتحاد الأوروبي، الحليف الاستراتيجي لواشنطن، وعضو في حلف الناتو.
بعيداً عن الشق الأمني في الخلاف بين البلدين يبدو أن هناك خلافاً جذرياً في النظرة الى العلاقة مع العالم والتطرّف الإسلامي إضافة الى صراع اقتصادي.
أولاً، في النظرة الى العلاقة مع العالم الخارجي أصبح مؤكداً أن دونالد ترامب يعيد النظر في العولمة التي قادتها الولايات المتحدة الأميركية نفسها منذ أكثر من نصف قرن. فهو اتّخذ شعارًا لحملته الانتخابية “صنع أميركا عظيمة من جديد”. ولتحقيقه يعتمد سياسة وطنية متشدّدة لا بل “انطوائية” ربما أدت الى تراجع ظاهرة العولمة. فهو جاد في بناء الجدار مع المكسيك، ما يشكّل تهديداً جدّيا للاتحاد الإقليمي في أميركا الشمالية “نافتا”. ورحّب بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وصرّح بأنه سيعمل لعقد اتفاقات اقتصادية “سريعاً” معها.
في المقابل تتمسّك أنجيلا ميركل بالاتحاد الأوروبي، وتحرص على تدعيمه بعد “الزلزال” الذي ضربه جراء تصويت البريطانيين على الخروج منه، وبنتيجة البلبلة التي أحدثها دخول اللاجئين السوريين الى دوله. هذه السياسة شهدناها سابقاً بقرار برلين دعم الاقتصاد اليوناني الذي كان شارف على الانهيار وهدّد اليونان بالخروج من الاتحاد أو أقلّه الخروج من منطقة اليورو.
ثانياً، ينسحب الاختلاف بين واشنطن وبرلين على مواجهة الزلزال الذي يضرب منطقة الشرق الأوسط. ألمانيا، وانطلاقاً من واقعها الجيوسياسي، تعمل للحفاظ على أفضل العلاقات مع العالم العربي. فهو عالم قريب من الحدود الشرقية والجنوبية للاتحاد الأوروبي. ولها علاقات تاريخية معه منذ مرحلة السلطنة العثمانية. ولم تكن لها سياسات استعمارية فيه على غرار بريطانيا وفرنسا، ولم تتورط مثل الولايات المتحدة الأميركية في قضايا الشرق الأوسط. بالتالي الموقف العربي – الإسلامي من تلك الدول ليس هو ذاته تجاه ألمانيا. لهذا السبب ربما لم تكن عرضة لإرهاب التطرّف الإسلامي مثل الولايات المتحدة الأميركية وباقي الدول الأوروبية. انطلاقاً من هذا الواقع الجيوسياسي، قرّرت برلين استقبال حوالى مليون لاجئ سوري إضافة الى لاجئين عراقيين. بالتالي ليست فقط الحاجة الى اليد العاملة هي التي كانت خلف هذا القرار. إضافة الى سياستها تجاه الشرق الأوسط العربي، وانطلاقاً من الواقع الجيوسياسي عينه، تحاول ألمانيا الحفاظ على العلاقات التاريخية مع تركيا على رغم الأزمة الحالية ومواقف أردوغان المتطرّفة.
هذه السياسة كانت موضوع انتقاد شديد اللهجة من قبل دونالد ترامب. إذ وصفها بـ”الخطأ الكارثي”. فهو اختار التطرّف في المواقف في مواجهة التطرّف الإسلامي. لقد وضع في سلّم أولوياته القضاء على الإرهاب. وكان قد أعطى فريق عمله مهلة شهر واحد لوضع خطّة للقضاء على هذا التنظيم. وقد بدأ العمل بها في الموصل والرقّة بالتنسيق مع موسكو. كما اتّخذ قراراً بمنع إعطاء تأشيرات دخول لرعايا سبع دول ذات غالبية مسلمة. وكان هذا القرار موضوع انتقاد من قبل المستشارة الألمانية وزعماء أوروبيين آخرين. صحيح أن شخصية ترامب الشعبوية والمتطرّفة هي وراء هذه السياسة وهذا القرار، ولكن للواقع الجيوسياسي للولايات المتحدة الأميركية دوره أيضاً. فهي أشبه بجزيرة، يفصلها عن باقي دول العالم (باستثناء كندا والمكسيك) محيطات وبحار. وحجمها الجغرافي والديموغرافي وقوتها الاقتصادية وانتشارها العسكري في العالم، كل هذا يسمح لها باعتماد مثل هذه السياسات من دون أن تشكّل خطراً مباشراً على أمنها القومي.
بعيداً عن المنطقة وصراعاتها، هناك صراع اقتصادي كبير بين البلدين. وقد ألمحت العديد من الصحف الأميركية والأوروبية الى “حرب تجارية” بينهما. لماذا؟
في الواقع ان حجم الاقتصاد الألماني ليس هو الذي يمكن أن يشكّل تهديداً لاقتصاد الولايات المتحدة الأميركية. الفارق كبير في الدخل القومي لكلا البلدين. الدخل القومي الأميركي بلغ 18.698 مليار دولار عام 2016، بينما بلغ الدخل القومي الألماني 3.473 مليار دولار. ولكن الميزان التجاري بين البلدين هو ما يقلق الأميركيين. فهو لصالح ألمانيا. وقد بلغ 54 مليار دولار في العام 2015 (وهي جزء من الأرباح التي حققتها ألمانيا في ذاك العام وبلغت 274 مليار دولار). ولتجارة السيارات الدور الأكبر. لذلك طلب دونالد ترامب من ميركل نقل شركة السيارات ب.م.ف مصنعها، الذي سيبدأ العمل في العام 2019، من المكسيك الى الولايات المتحدة الأميركية. ولوّح بفرض ضريبة 35 في المئة على دخول السيارات الألمانية الى بلاده. في المقابل لوّحت ألمانيا بسحب استثماراتها من الولايات المتحدة الأميركية.
يبدو أن “الحرب التجارية” بين البلدين في بدايتها. وهي ستكون حرباً بين ضفتي الأطلسي. لقد وعدت المستشارة الألمانية مضيفها “غير اللبق” بزيادة نسبة ميزانيتها العسكرية الى 2 في المئة من دخلها القومي لدعم حلف الناتو. ولكنها لن تستسلم له اقتصادياً. فهي بدأت حشد دعم الاتحاد الأوروبي في هذه “الحرب”. وأولى الخطوات ستكون تطوير التبادل التجاري مع الشركاء في أميركا الجنوبية واليابان والصين.
منذ أكثر من عقد من الزمن وصف وزير الدفاع الأميركي الأسبق أوروبا بـ”القارة العجوز”. بعد أشهر أدرك رئيسه حجم الخطر الجيوستراتيجي جراء تدهور العلاقات مع ألمانيا وفرنسا إثر اجتياح العراق، وعمل على ترميمها. ربما أعاد قراءة النظريات الجيوسياسية الأنكلوساكسونية الناجحة التي اتّبعها أسلافه وأوصلت أميركا لأن تكون القوة العظمى في العالم. فأدرك أهمية الجغرافيا الأوروبية في مواجهة طموحات “قيصر” روسيا الجديد كما في الحرب على الإرهاب. ربما لم تتسنَّ لرجل الأعمال الذي أصبح رئيساً للولايات المتحدة قراءة التاريخ ولا تلك النظريات الجيوسياسية. فهل مصلحته هي فقط مع بريطانيا أم مع الاتحاد الأوروبي الموحّد؟ وهل إذا ما انفرط عقد هذا الأخير وعادت أوروبا دولاً صغيرة سيتمكن “الدب الروسي” من بسط نفوذه من جديد وإلارهاب من تجاوز الأطلسي؟
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
