
كل ما إرجع من السفر، من الغربة، بقعد مع أمي وبيّ:
– “عم تكبر يا بيّ… زادو التجاعيد…يا إمّي عيونك عم بينوسو”
طلّعت إمّي ب بيّ وابتسمو لبعضن… وابتسمولي…كمّل بييّ يخيّط شباك البحر… كملت إمّي سقاية الحبقة ع شباك الصبحيّة.
بعد سنين رجعت من الغربة… الحبقة يبست، والحشيش ع درج البيت، بطّل الموج يفقش ع حيطان بيتنا… دفنت التجاعيد بييّ… وانطفو عيون إمي… صقعة قد ما بدكن بحيطان البيت. فتحت الخزانة وبابها زيزق، ووقع ألبوم الصور… صُوَر صفرا ما عرفت حدا من هالوجوه… ضريبة الغربة بتوجّع… سرقت منّي كل الصبحيات مع بيّ وإمي… جيراني فكرتن ما بيكبرو بينطروني لأرجع أمشي معُن بزورايب الضيعة… جيراني سألوني: أنت أبن مين؟
تاري الغربة جزيرة سياجها من دهب وبيوتها قفاص… سرقت الغربة من عيوني ياسمين الضيعة…جرس الكنيسة…صوت ستّي يغني بحقلة التين… سرقت منّي ولاد عم يلعبو “سبع طوابق” تحت شباك جدّي لي بدّو ينام، وجدّي يقوم يعيّط، ويهدد بالعصا ويهربو الولاد متل رف عصافير… سرقت منّي الغربة غمرة أمّي ونصيحة بيّ…
راحو كلّن… ما بعمري فكرتن بيروحو وبرجع بلاقي صقعة بالحيّ، صقعة بالبيت، صقعة بركوة القهوة… تخت أمّي مغبّر وصورتي حد التخت، وحد الصورة وبالسرّ دمعة بيّ.
طبشت الباب وهربت… هربت للغربة لي سرقتني من حالي… انا وراكض وهربان عيّطولي الحفافي لي لعبت علين من عشرين سنة… عيّطلي نبع الميّ… عيّطلي تراب الزيتون… ركضت وما بدي اسمع ولا بدي رد… لأنو لي بدي يعيطولي راحو وسرقن العمر منّي وتغطّو بالعتمة، لا قادر شوفن ولا يشوفوني…
ركضت للغربة لي سرقتني من حالي…
تاري الغربة عطيتني مزهريّة من كريستال وأخدت كل ورود جنينتي!
بعد عشر سنين… انا وعم امشي مع كلبي عالكازون الاخضر باميركا… دق تلفوني… دق تلفوني وسألني حدا أذا بدّي بيع البيت المتروك؟ سألني إذا البيت المسكّر للبيع؟
سكتت… تنهدت…
– “نعم هالبيت للبيع… أنا بعت وانت اشتريت… بس دخيلك بعتلي بالبريد من خزانة الخشب لي بابها بزيزق ألبوم الصُوَر المغبّر ومصفرّة ألوانو”…
بعد سنة دق باب بيتي: هيدا البريد…ألبوم الصُور… وُصل الالبوم!
فتحت ألبوم ما عرفت حدا من هالوجوه… صورة وحدة عرفتها: صورة أمي عم تسقي الحبقة وبييّ عم يخيّط شباك البحر… وبخار طالع من ركوة القهوة… وأمّي وبيّ عم يطّلعو فيّ ويبتسمو… سكّرت ألبوم الصُوَر… وشفت دمعتي ع خدّي وشعر شايب وتجاعيد. شفت عيون عم بينوسو…وأمي وبيّ يبتسمو ورايي.