
لا يختلف اثنان حول دقّة المرحلة في منطقة الشّرق الأوسط اليوم. وهذا ما ينعكس حتمًا على الوضع في لبنان نتيجة موقعه الجيوبوليتيكي على كتف البركان السّوري الذي لا يكاد يهمد في مكان حتّى يشتعل في آخر، والأكثر، يكون اشتعاله أكثر ضراوةً. وتبقى الإشكاليّة المطروحة وسط قرقعة طبول الحرب، فهل سيتمكّن لبنان من النّأي بنفسه؟ وهل سيخرج ممّا ورّطه فيه “حزب الله” طيلة ثلاثة عقود من الزّمن؟
لتبيان حقيقة الوضع الإقليمي يكفي أن ننظر إلى مقاربة الدّول المعنيّة بالصّراع. فإسرائيل والولايات المتّحدة متّفقتان حيال الأولويّات في سوريا. فالأولى لا تمانع ببقاء الأسد ريثما يتمّ القضاء على التّنظيمات الإرهابيّة. وممّا يبدو أنّ عمليّة القضاء على هذه التّنظيمات لن تكون سهلة أبدًا. فهذه مسألة بحاجة وإلى جنب الطّريقة العسكريّة، إلى طريقة ثقافيّة قوامها نشر تربية جديدة تنشّأ على أساسها الأجيال الصّاعدة.
أمّا تخوّف إسرائيل من “حزب الله” في لبنان فيتصاعد منسوبه يومًا بعد يوم، وذلك بحسب ما يرفع الأخير من سقف تهديداته وتحرّكاته في الدّاخل اللبناني، إن كان بشكلها السياسي، أو حتّى العسكري الإستعراضي وليس آخرها مشهد مخيّم برج البراجنة الذي خرق دويّه الحدود الإسرائيليّة الشّماليّة أو حتّى قوافل الصّواريخ المنتقلة من سوريا إلى لبنان والتي تقصف إسرائيل ما تيسّر لها منها. من هنا، لا تنفكّ تطلق التّهديدات والوعود بأنّها باتت مستعدّة لقتال “حزب الله”. لكن من سيدفع فاتورة هذا القتال في حال وقوعه؟
أمّا بالإنتقال إلى أوروبا، فكلّ يومٍ يمرّ من دون أيّ عمل إرهابي يكون يومًا إضافيًّا من مرحلة السلام المؤقّت الذي باتت تعيشه القارّة العجوز. وما وقع البارحة في مدينة سانت بطرسبرغ لن يكون النّهاية. والملفت بأنّ موقّع هذه الإعتداءات الإرهابيّة هو واحد، في كلّ زمان وفي كلّ مكان، من أحداث ذلك الحادي عشر من أيلول وحتّى أمس الذي لم يعبر بعد.
وما يؤسف في هذا السّياق أنّ بعض الدّول الأوروبيّة قد وضعت لبنان على اللائحة السّوداء بسبب وجود “حزب الله” وسلاحه، بالإضافة إلى السلاح المتفلّت الذي يرعاه في بعض الأمكنة والمحميّات الخارجة على سلطة الدّولة والقانون التي تسبّب كلّ يوم المزيد من شهداء القوى الامنيّة التي تحاول جاهدة فرض سلطة القانون في مناطق خرجت عنه بقوّة السلاح ووهجه. وآخر هذه القرارات اتّخذتها بريطانيا التي شملت لبنان بقرار منع إدخال الأجهزة الإلكترونيّة مع المسافرين.
كلّ هذه التّوصيفات تأتي وفي لبنان لا زال “حزب الله” يستعمل وهج سلاحه في الحياة السياسيّة وآخر مواقفه حول قانون الإنتخاب الذي صرّح علنًا بأنّ اللبنانيّين سيرضخون للنّسبيّة المطلقة التي يفرضها. وليس من الضّروريّ أن نذكّرهم بأنّنا نموت اليوم واقفين كما مات رفاقنا بالأمس القريب وأجدادنا بالأمس البعيد وما رضخوا، هكذا نحن أحفادهم ورفاقهم لن نرضخ. فالنّسبيّة المطلقة على أساساتها المختلفة مرفوضة رفضًا مطلقًا. ولن تكون انتخابات في لبنان إلا بقانون مختلط يضمن وجود واستمرار كلّ الفسيفساء اللبنانيّة، شاء من شاء وأبى من أبى. ولن نسمح بأيّ تأجيل يكون تمديدًا مبطّنًا، كما لن نسمح باستنهاض أي قانون يؤتي بالنّتيجة نفسها.
سيولد لنا لبنان الجديد، ستقوم السّلطة السياسيّة فيه على أساس احترام الآخر والحوار مع المختلف، للبناء على ما هو مشترك، وليكن التّنافس في الوصول إلى ما هو خير للجميع من خلال المختلف. وما الدّور الذي أطلقه معالي وزير الإعلام الأستاذ ملحم الرياشي لوزارته إلا الوجه الحقيقي للبنان. ولن يستطيع لبنان أن يقوم بصورته الجديدة إلا بتخلّي جميع الأطراف عن كلّ ما يجعلهم أقوى من الدّولة، وبالتّالي تحقيق عمليّة النّأي بالذات، بالفعل وليس بالقول، عن كلّ الصراعات الإقليميّة التي امتدّت من اليمن شرقًا وحتّى فنزويللا غربًا.
ولن يخرج لبنان من كلّ ما تورّط فيه إلا باقتناع كلّ اللبنانيّين بالحقيقة الوجوديّة الكيانيّة لجوهر وجوده القائم على الحريّة، والعيش مع الآخر المختلف من خلال التّواصل والحوار معه، ماذا وإلا فنحن ذاهبون إلى المزيد من تفكيك للدّولة اللبنانيّة؛ وكما يطالب البعض بمؤتمر تأسيسيّ لإقرار صيغة جديدة تكون المثالثة عمادها، كذلك سيطالب البعض الآخر بالفدراليّة كحلّ لكلّ الأزمات.