
قال نائب رئيس الوزراء وزير الصحّة غسان حاصباني أن لبنان لم يعد يحتمل “إلا التعاون” لافتاً إلى وجود نية شاملة لدى جميع الأطراف للمحافظة على الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي. وأضاف أن الأحداث التي تعصف بالشرق الأوسط تشكل تحديا لكنها تمثّل أيضا فرصة. ورأى أن لبنان يواجه تحديات خطيرة أهمها النزوح السوري وما يشكله من أعباء وأن هذا النزوح رفع الطلب بشكل خطير على البنية التحتية للدولة اللبنانية وعلى قطاعات مختلفة كالتعليم والخدمات الاستشفائية ولا يمكن للبنان منفرداً تحمّل هذه المسؤوليات الكبيرة. كلام حاصباني جاء في حديث مع مجلة الاقتصاد والأعمال اللبنانية تناول فيه عددا من القضايا من بينها التحديات التي تواجه لبنان وملف وزارة الصحة المتشعّب.
وقال حاصباني أن التغيّرات العالمية والإقليمية تتيح للبنان الاستفادة من الفرص الناشئة وهي عديدة، وقد نتجت عن تبدل مواقع الدول والأدوار سواء على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أو على مستوى أوروبا وباقي بلدان العالم. ويقولها بصراحة “الأزمات فتحت ثغرات في النظام الدولي”.
وكأنّ بالوزير حاصباني يريد القول إن الأحداث والاضطرابات أغلقت باباً أمام لبنان ولكنها فتحت أبواباً أخرى، وعملياً شهدت العلاقات الدولية خلال الأعوام القليلة الماضية تغيّرات تكاد تكون “سوريالية” وغير متوقعة؛ فمن الملف الأوكراني – الروسي ومعاناة دول أوروبية على الصعيد الاقتصادي مروراً بمتاعب الاتحاد الأوروبي وخروج بريطانيا منه وصولاً إلى حروب واضطرابات البلدان العربية وكارثة اللجوء وفوز الرئيس دونالد ترامب بسدة رئاسة الولايات المتحدة الأميركية والتغيرات المتوقّعة في السياسة الأميركية العالمية وتبدّل موقع دول لطالما ظننا أنها تتمتع بمناعة تجاه الأزمات، كل هذه التغيّرات تفتح أبواباً وفرصاً أمام لبنان تماماً كما تلقي عليه ظلال الشك والقلق، وهذا كله يعني أنه علينا المسارعة للجلوس على طاولة المتغيرات لننتزع دوراً وقيمة مضافة.
الوزير حاصباني لم يدخل عالم السياسة من بوابتها اللبنانية التقليدية، سواء الحزبية منها أو العائلية والخدماتية والمالية، وهذه بوابات راسخة في تاريخ لبنان الحديث، لكنه عرف منذ تسعينات القرن الماضي كيف يدخل ميادين الشأن العام من خلال متابعاته الدؤوبة حتى لا نقول مؤلّفاته ومحاضراته التي تناولت مختلف المواضيع الماكرو اقتصادية، وتحوّل في لحظة مؤاتية، إلى أحد أبرز مرشّحي حزب القوات اللبنانية لتولّي المسؤوليات الوزارية. لقد استحق حاصباني وبجدارة ثقة “القوات اللبنانية” خصوصاً لقدرته على التعامل مع “الملفات الصعبة”. ومع أنه ليس الشخصية اللبنانية الأولى التي تدخل السياسة من بوابة القطاع الخاص، لكنه شخصية من نوع آخر؛ ومن مدرسة جديدة كلياً على مجلس الوزراء، وهو “يشرب” من مذهب اقتصادي فكري لديه خصوصياته وطريقته.
لا لــ “حصرية الدولة“
يرى حاصباني أن الأولوية بالنسبة الى الحكومة الحالية هي في تحقيق “التحوّل نحو المأسسة”، وهذه الخطوة الاستراتيجية برأيه يجب أن تسلك طريق الحداثة التي تتمثّل في إدخال التكنولوجيا بكافة حلولها وخدماتها إلى مؤسسات الدولة وتفعيلها. ويعقّب قائلاً إن هذا لا يعني في أي حال من الأحوال اعتماد “حصرية الدولة” في إنجاز الأعمال، إذ ثمة دور كبير للقطاع الخاص وللمجتمع المدني وللمنظّمات المعنية والخبراء والمتخصصين في تحقيق التحوّل نحو المأسسة.
ويشرح قائلاً إن الدولة الحديثة التي تواكب المتغيّرات العالمية هي الدولة القادرة على بناء اقتصاد قادر على منافسة الاقتصادات العالمية، والدول التي بنت نفسها وحققت تقدماً كبيراً سواء في آسيا أو في أوروبا وبلدان عديدة في الشرق الأوسط، هي تلك التي حدّثت مؤسساتها ووضعت نصب أعينها أهدافاً تليق بقدراتها.
فرص وتحديات “زمن النفط“
يتابع حاصباني فيقول إن الفرص المتوفرة أمام لبنان ليست خارجية فحسب بل داخلية أيضا، وأن الموارد الطبيعية اللبنانية المتعددة كلها تشكل فرصاً ومن بينها قطاع النفط الذي ينبغي المحافظة على قيمته للأجيال المقبلة. والأهم برأيه في هذا القطاع هو إنجاز كافة المراحل المطلوبة للاستفادة مما تبقى من “الزمن النفطي” خلال العقود الأربعة المقبلة. وهو يرمي بذلك إلى أن زمن النفط سينتهي عاجلاً أم آجلاً، نظراً الى التطوّرات والاكتشافات العلمية والتكنولوجية الكُبرى في مجال الطاقة الجديد منها والمُتجدّدNew and Renewable Energy.
ويضيف أن لدى لبنان قدرات استثمارية هائلة لكنها تحتاج إلى تعزيز الجاذبية للمستثمر الأجنبي والمحلّي على السواء، وهذه الجاذبية تتحقّق من خلال خلق ظروف ومناخ استثماري ملائم واستقرار أمني واقتصادي وسط سياسات اقتصادية حكومية رصينة. والفرص برأيه تشمل أيضاً التكنولوجيا التي يمكنها جعل لبنان الصغير لاعباً على الساحة الاقتصادية الدولية، لكن تعزيز الاستثمارات التكنولوجية برأيه يحتاج أيضا إلى استغلال جيّد لمقدرات لبنان المبنية على نظام تعليمي قوي وكوادر وطاقات مؤهلة، وهذه الطاقة قادرة برأيه على فتح الأسواق العالمية ولكنها تحتاج الى قليل من التضحيات على المستوى المحلّي.
القطاع الصحّي
أما عن ملف وزارته فيقول أنه يسعى إلى تنفيذ عملية تحديث شاملة ومواصلة تحقيق المشاريع القائمة وإطلاق أفكار جديدة لتأتي من ضمن روحية بناء الدولة الحديثة التنافسية والاقتصاد والتنافسي. وأن هذا الأمر يتطلّب أولاً مواطناً يتمتع بصحّة جيدة وتغطية صحية ونظام صحي شامل. ويضيف أنه لتحقيق هذه الأهداف يعمل على توفير الخدمات الصحية لكافة الشرائح الاجتماعية. ويقول إن الشريحة التي لا تتوفر لها جهة ضامنة تغطيها وزارة الصحة بشكل كبير وبنسبة تصل إلى 85 و100 في المئة في حالة المسنين فوق عمر الـ 64 عاماً، وإن الوزارة ستستمر بتغطية هذه الشريحة. لكن هذه التغطية تتطلّب ميزانية مالية مستمرة ونظام حوكمة ينظّم ويدير الاستشفاء الخاص بهم أي قبولهم في المستشفيات كي لا يحصل خطأ في التطبيق.
وعن ملف الدواء يقول حاصباني أن سياسة الوزارة تتمثّل في الالتزام بأصول وصف الأدوية، والعمل على ضبط هذه العملية لتحديد الحالات التي يتم فيها وصف الأدوية للمرضى بغية تخفيف التكاليف والتأكد من حُسن تأثير الدواء على المريض، كذلك يتم العمل على وضع حد لأية تجاوزات قد تحصل من جانب الأطباء وبهذه الطريقة يتسنّى لأكبر عدد من المرضى الاستفادة من العلاجات.
من جهة أخرى متصلة بالدواء، يذكّر حاصباني بالقرار الذي اتخذه مؤخراً والقاضي بالسماح للصيادلة باستبدال الدواء الجنيسي المستورد بدواء جنيسي محلي وهو الأمر الذي لم يكن ممكناً في السابق، ويؤكد على أهمية العمل على إعطاء الأولوية للصناعة الدوائية المحلّية في عملية شراء الأدوية على اختلاف أنواعها والعمل أيضاً على تطوير نظام الوصفة الطبية ليعطي فرصاً إضافية للصناعة الدوائية المحلية. ويضيف أن صناعة الأدوية اللبنانية تشكّل ركناً أساسياً من أركان النظامين الصحي والاقتصادي، وأنه اذا أردنا تحقيق النمو والتوازن في كلا القطاعين، علينا تطوير السياسة الدوائية بشكل يخفّض الاستيراد ويحفّز التصنيع والتصدير. ويتابع أن وزارة الصحة اتخذت في هذا الاطار بعض التدابير والإجراءات لرفع مستوى صناعة الدواء وتأكيد جودتها وفق المعايير العالمية، كذلك وضعت آلية مراقبة شديدة عبر لجنة المصانع التابعة للوزارة والتي تضم مختصين في الصناعة الدوائية من كليات الصيدلة والوزارة معاً. كما إن الوزارة تعمل على تفعيل آلية تسعير وإعادة تسعير واضحة متكاملة تشمل الصناعة الدوائية اللبنانية وهي عمدت الى تحديث آلية التسجيل وجعلها صارمة في مجال الصناعة الدوائية المحلية.
أزمة الاستشفاء
وعن المستشفيات الحكومية يقول أن هاجسه الأكبر في هذا المجال هو أن لا يُترك مريض على باب مستشفى من دون الحصول على الرعاية الصحية اللازمة وأن هذا الأمر يتطلب تعزيز وحدات العناية الفائقة ICUs لدى كل المستشفيات الحكومية. كذلك ثمة ضرورة لزيادة عدد الأسرّة في بعض المستشفيات في المناطق، وهناك نقص في عدد الأطباء خصوصاً منهم الاختصاصيون كما يوجد نقص حاد في وحدات العناية الفائقة الخاصة بالأطفال. وتم العمل أيضاً على تعزيز العلاقة وآليات التعاون بين المستشفيات الحكومية والخاصة من جهة والصليب الأحمر من جهة أخرى.
تحدي التغطية الصحيّة
ويضيف قائلاً أن الوزارة تغطّي نحو 2.121 مليون مواطن وسنوياً يتم تغطية علاج نحو 169 ألف مريض. أما عدد مرات الدخول فقد يصل إلى 254 ألفاً، وهذا الرقم يتضمن دخول ذات الشخص مرات عدة. وبحسب مسودة الخطة الاستراتيجية لوزارة الصحة فإن تقديرات عدد السكان في لبنان لعام 2015 بلغت 4.292 ملايين فيما بلغ عدد المواليد الجدد المسجّلين 85.4 ألف ووصلت نسبة النمو السكاني إلى 1.4 في المئة. ويختم قائلا أنه إذا لم تتم تغطية الفاتورة الصحية للمواطنين من خلال زيادة الضرائب، علينا أن نكون خلاّقين ومبتكرين لكي نرفع من مستوى الخدمات. ويجزم أن لديه خطة تتيح تأمين التغطية الصحيّة السليمة من دون الاضطرار إلى زيادة الأعباء على الموازنة أو زيادة الضرائب على المواطنين.