
رأى نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة العامة غسان حاصباني أن مواطني المنطقة هم ضحايا حروب عسكرية ونفسية: حروب عسكرية بلغ فيها الإجرام حداً لا يوصف ما يحتم علينا العمل للحد من إنعكاساتها النفسية السلبية والتي سنستمر بحصد مفاعيلها في السنوات المقبلة، وحروب نفسية اذ يعيش المواطن في منطقتنا هاجس الغد وتأمين لقمة العيش والعلم والطبابة وهاجس الامن وعدم الاستقرار والقلق.
كلام حاصباني جاء خلال تمثيله رئيس الحكومة سعد الحريري في إطلاق الحملة الوطنية للصحة النفسية في احتفال إقليمي نظمته منظمة الصحة العالمية في السراي الكبير لمناسبة يوم الصحة العالمي تحت شعار: “الاكتئاب: دعونا نتحدث عنه”، والذي يهدف الى التأكيد أن الحديث عن الإكتئاب يساعد على تحطيم ممارسات الوصم ويشجع المصابين به على طلب المساعدة خصوصاً أن العلاج الفعال يتوافر من خلال جلسات العلاج الإستشارية أو الأدوية المضادة للإكتئاب أو باستعمال مزيج منهما.
وحضر الاحتفال مدير منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط الدكتور محمود فكري والنائب قاسم عبد العزيز وممثلة منظمة الصحة العالمية في لبنان غبريال ريدنر ومدير عام وزارة الصحة الدكتور وليد عمار ومدير البرنامج الوطني للصحة النفسية في وزارة الصحة الدكتور ربيع شماعي وشخصيات دبلوماسية وممثلين لمنظمات الأمم المتحدة ومنظمات دولية وفعاليات عسكرية وطبية واجتماعية وتربوية وإعلامية.
حاصباني
أكد حاصباني أن إطلاق الحملة الإقليمية والوطنية للصحة النفسية 2017 مناسبة ذات أهمية قصوى للصحة العامة، ولا سيما في ظل الظروف التي تعيشها منطقتنا حيث المواطنون ضحايا حروب عسكرية ونفسية أيضاً: حروب عسكرية بلغ فيها الإجرام حداً لا يوصف ما يحتم علينا العمل للحد من إنعكاساتها النفسية السلبية والتي سنستمر بحصد مفاعيلها في السنوات المقبلة، وحروب نفسية اذ يعيش المواطن في منطقتنا هاجس الغد وتأمين لقمة العيش والعلم والطبابة وهاجس الأمن وعدم الاستقرار والقلق. أضف إلى ذلك التطور السريع في التكنولوجيا الذي أعطى المجتمع منافع كثيرة لكنه اضاف أعباءً نفسيةً كبيرةً خصوصاً تلك التي تترتب على ضغط الوقت واجتماعيات شبكات التواصل الإجتماعي التي أصبحت من ضمن مسببات الاكتئاب والإدمان.
وأضاف: “في الأساس وفي جميع دول العالم الصحة النفسية مسألة ذات أهمية محورية حيث أنه لا صحة من دون صحة نفسية. الاضطرابات النفسية منتشرة أكثر بكثير مما يعتقد معظم الناس. شخص من كل أربعة أشخاص سوف يمرّ باضطراب نفسي خلال حياته. يعتبر الاكتئاب من بين الحالات الأكثر شيوعاً وكلّنا معرضون للإصابة بالاكتئاب والتعافي منه”.
وتابع: “لسوء الحظ، وعلى الرغم من ارتفاع معدل انتشار الاضطرابات النفسية في جميع أنحاء العالم، وفي لبنان، لا تزال خدمات الصحة النفسية العالية الجودة غير متوفرة. فـ 9 من كل 10 أشخاص يعانون اضطرابات نفسية لا يمكنهم الوصول إلى الرعاية التي يحتاجونها. هذا ناتج عن مجموعة من العوامل ولكن العامل الأساسي يبقى الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية. تساهم في هذه الوصمة مجموعة من المفاهيم الخاطئة والشائعة حول الصحة النفسية في العالم، وفي منطقتنا تحديداً والتي تشكل حاجزاً أمام الناس يمنعهم من التحدث عن معاناتهم وطلب المساعدة والتعافي ومتابعة حياتهم بشكل طبيعي مثل أي شخص آخر في المجتمع”.
وأكد أنه على الرغم من الصعوبات التي يوجهها النظام الصحي في لبنان والفجوات في تقديم الخدمات التي تحاول وزارة الصحة العامة رأبها، فإن الوزارة لا تزال تغطي كلفة الاستشفاء في مستشفيات الأمراض النفسية بالإضافة إلى تأمين الأدوية النفسية للمرضى الذين ليست لديهم جهة ضامنة. وفي عام 2014، أطلقت وزارة الصحة العامة البرنامج الوطني للصحة النفسية بالشراكة مع منظمة الصحة العالمية واليونيسيف والهيئة الطبية الدولية. بعد سنة، ومن خلال عملية تشاركية شملت كلاً من الجهات الفاعلة الوطنية والدولية في مجال الصحة النفسية تم إطلاق الاستراتيجية الوطنية الأولى للصحة النفسية لإصلاح وإعادة هيكلة نظام الصحة النفسية في لبنان. وهي تمتد على 5 سنوات اعتماداً على مبادئ حقوق الإنسان والأدلة العلمية والاحتياجات المحلية.
وحرص حاصباني على توجيه التحية للوزير السلف الذي أطلق برنامج الصحة النفسية وائل أبو فاعور، كما للمدير العام لوزارة الصحة الدكتور وليد عمار.
وقال: “من خلال ذلك تقوم وزارة الصحة العامة بدورين أساسيين: دور القيادة والإدارة ودور تقديم الخدمات للفئات الأكثر حاجة. في الواقع، النظام الصحي في لبنان أثبت مرونة وقدرة على التأقلم عاليتين على الرغم من العبء الإضافي المفاجئ بسبب “الأزمة السورية” وتمكن من احتواء حالات تفشي الأمراض ومن إجراء تحسن في بعض الجوانب. من العوامل الرئيسة التي ساهمت في هذا هو القرار الاستراتيجي لوزارة الصحة العامة الذي يقضي بتعزيز النظام القائم بدلاً من بناء نظام جديد للأشخاص المتضررين من الأزمة السورية. والعامل الآخر هو إشراك جميع الجهات الفاعلة الوطنية والدولية. كذلك هو الحال في مجال الصحة النفسية، حيث نجاح تنفيذ الاستراتيجية الوطنية يعود للمشاركة الفعالة لجميع الجهات الفاعلة في هذا مجال”.
وشكر حاصباني فريق عمل وزارة الصحة والوزارات الأخرى المتعاونة، وكالات الأمم المتحدة، النقابات، الجمعيات العلمية، الجامعات، المنظمات العالمية والمحلية، وهيئات المجتمع المدني والأشخاص المتعايشين مع اضطرابات نفسية.
ولفت إلى أنه من ضمن نطاق توفير خدمات الصحة النفسية تقوم الوزارة حالياً ببناء نظام مستند على الخدمات المجتمعية الذي سيسمح للأشخاص بالحصول على الخدمات المناسبة بالمكان الأقرب إلى مكان سكنهم. ويتم ذلك إما من خلال دمج الصحة النفسية في الرعاية الصحية الأولية أو تدريب أكثر من 75 مركز رعاية صحية أولية على رأب الفجوة في الصحة النفسية كما يتم العمل على بناء نظام المعلوماتية الصحية، الذي سيمكن المعالجين أن يعاينوا المرض عن بعد، وهكذا نسخر التكنولوجيا في خدمة الصحة. واعتباراً من عام 2018، ستبدأ الوزارة تغطية الصحة النفسية كجزء من مشروع “التغطية الصحية الشاملة” بإدارة قسم الرعاية الصحية الأولية وبدعم من البنك الدولي. كذلك تعمل وزارة الصحة العامة بالتعاون مع مختلف الشركاءعلى إنشاء 8 مراكز صحة نفسية مجتمعية وبالإضافة إلى تغطية كلفة استشفاء المرضى في مستشفيات الأمراض النفسية، وقد بدأت الوزارة التعاقد مع مستشفيات عامة تحتوي وحدة للطب النفسي.
وختم وزير الصحة كلمته مشيرًا إلى أنه هذه هي بعض الإنجازات التي تم تحقيقها حتى الآن وبعض الخطط المستقبلية، مضيفاً: “لفترة طويلة جداً، كانت الصحة النفسية مهمشة وكان لبنان أرضاً خصبة لحالات الاكتئاب جراء كثرة المشاكل، واليوم وعدنا ألا يقتصر عملنا على العلاج الطبي بل على علاج لبنان من كل الاسباب التي قد تدفع نحو الاكتئاب”.

