
كتب الأب هاني طوق في المسيرة العدد 1605:
شكّل الموارنة منذ بزوغ فجرهم حالة خاصة ضمن الإطار المشرقي الآرامي – السرياني وضمن الكنيسة الجامعة، على امتداد المسكونة آنذاك وضمن الأسرة العربية التعدّدية في ما بعد.
منذ ظهور مارون وافتتانه بأنواع الزهد والتقشّف والتعبّد والإنعتاق الكلّي نحو حياة العراء والفضيلة وفيض انسكاب الروح في حياته وتابعيه، نشأت وترعرعت ونمت حالة خاصة مميّزة بفرادتها حتى أصبحت ما أصبحت عليه اليوم. فمن الغلوّ في النسك حتى العراء، إلى الغلوّ في قهر الذات مع العاموديّين، إلى التمسّك حتى الإستشهاد بمقرّرات المجمع الخلقيدوني، والإلتزام الكلي ولو على حساب انتمائهم الجغرافي والثقافي والإتني، أصبحوا هدفاً مباشراً لشتّى أنواع الترهيب والترغيب والتهجير والتنقل من ملجأ تلو الآخر، حتى استقرّوا في جبال لبنان حيث كان في انتظارهم شعب أولدوه روحياً، فكان التقاء الجسد والروح، وكانت الكنيسة المارونية بعمقها الإنطاكي الآرامي – السرياني تجسّد المهابة اللبنانية الجبلية الصلبة. فكان مارون وكان شعب مارون جسداً وروحاً في حالة تشبه ما آمنوا به وقُتلوا من أجله، وهو الطبيعتان في شخص المسيح.
شكّل انسلاخهم عن حضن كنيسة إنطاكيا بعد فراغ دام أكثر من خمسين عاماً، وتأسيسهم لحالة إنطاكيّة خاصة تجمع بين البعد الآرامي – السرياني المشرقي والبعدين البيزنطي والروماني اللاتيني، دوراً روحياً محورياً وقوّة في الإلتزام والتجذّر، وقدرة على الإنفتاح من دون الخوف من فقدان الذات أو الذوبان. فكانت الكنيسة المارونية بإرثها السرياني المطعّم بالعقائد المسكونية والملوّن برائحة القسطنطينية ومدارس روما وعقلانيتها السقراطية.
في جبّة المنيطرة الممتدة على كامل بلاد جبيل وجزء من بلاد البترون وفتوح كسروان، وعت الكنيسة وتلمّست كيانها الإستثنائي، وذاتها المغايرة، ودورها المحوري، وأخذت تنظم صفوفها وطقوسها وعباداتها وأعيادها وليتورجيّتها، كي تكون شاهدة على الإيمان الحق وعلى حرية العبادة حتى ضمن قساوة الطبيعة وصعوبة تأمين أدنى درجات مقوّمات العيش والصمود.
صمدت لأنّها آمنت. صمدت لأنها أيقنت أنّ الحرية لا تنمو في قصور الملوك والأمراء وليس لها مكان في رغد العيش والبيع والشراء، ولا في سهول الخصب والتجارة، فالحرية مكلفة وصعبة المنال تشبه مراس مارون وعناد سمعان العامودي ونبويّة يوحنا مارون ووعورة جبال لبنان وصقيع صنين وجليد المكمل ودياميس قنوبين.
لهذا كانت المفارقة وكان التحدّي بين الإنتماء الإتني الجغرافي الحضاري، أو الذهاب إلى البعيد البعيد على خطى مارون والخلقدونيين، فكان إلتقاء الطبيعتين في الجسد الماروني الذي ساهم في ما بعد في الإنفتاح الكلي على الثقافات واللغات والمنهج، إلى أن أصبحت المارونية اليوم لغة في لغات.
شكّلت يانوح، مهد الكنيسة المارونية على امتداد خمسمئة سنة مع خمسة وعشرين بطريركاً، فإنتشرت شمالاً وجنوباً وأعادت الشراكة القانونية بعد الشراكة اللاهوتية والروحية مع كنيسة روما على يد إرميا العمشيتي، إلى أن استقرّت وأصبحت كنيسة الموارنة في دينهم ودنياهم. وبين تداخل الخلاص المسيحانيّ والخلاص الجسدانيّ القائم على السياسة وحسن تدبير الجماعة وإعداد العسكر للذود عن الذات والدفاع المستميت عن الأرض والعرض، نبتت بذور الأمّة، بذور شعب أصبح لديه ملء الوعي بحضوره التاريخي والجغرافي، وتكوّنت رويداً رويداً بلدات وقرى وتقاليد وإنتماءات وتقسيمات وعائلات وفلاحون وبكوات وملاحم بطولية ومناسك وزهاد ورهبان وتجمّعات وتنظيمات رهبانية، في انضباط مشرقي سمعاني وماروني بدون كلل أو تعب. فكانت الأمّة، وكان شعب مارون بوجهيه الروحي والزمني، الإنطاكي والروماني، المشرقي الوجهة واللبناني الجبلي الهوية، وكانت من جديد خلقيدونية في صلب عقيدته وفي صلب هويته، فكان مارون وكان شعب مارون.
في أحضان قنّوبين، إستفاق الموارنة على حالة كيانية جديدة لم يسبق أن صلّوا من أجلها أو عملوا على تدعيم أساساتها، ووعوا أنهم أصبحوا أمّة لديها تاريخها وأرضها وثقافتها واستقلاليتها وحق تقرير مصيرها والعمل على تحقيق احلامها.
إلاّ أنّ ما ميّز الموارنة الأمّة، أنهم الشعب الوحيد في هذا الشرق الذي سكن أرضاً ولم يسمّها باسمه بل أخذ هو إسمها وتكنّى بصفاتها، وكأنّه جُبل بها وجُبلت به وكأنها وجدت ضالّتها التاريخية في هذا الشعب الذي تبنى وأكمل كلّ ما أنبتته هذه الأرض من حضارة وإرث ثقافي وعادات، وأسبغ عليها من ذاتيته ولاهوته وروحانيته وتمسّكه المميت بالحرية.
وكما شكّلت يانوح مهد الكنيسة المارونية، شكّلت قنّوبين مهد الأمّة المارونية بوجهيها الروحي والزمني، وتشابكت صلوات النسّاك والزهّاد والعابدين بأفكار الجاجي وآل الرزّي والدويهي، في وجوب إنشاء وطن يُجسّد صورة الأمّة بتجذّرها الإنطاكي – الآرامي – السرياني وإنفتاحها العميق على اللغة العربية وعلى إنتاج أوروبا الفكري والحضاري. فكان اللقاء التاريخي بين البيئة المارونية المتمرّدة وبين فخر الدين الخارج هو أيضاً من بيئة متمرّدة عانت هي الأخرى من شتّى أنواع الصّعاب من أجل البقاء.
تمخّضت الأديار بالصّلوات والطقوس، وتلوّنت العادات فأنتجت لهجة مميّزة وكتابة كرشونية تجمع الطبيعتين، وأنجبت شعراً عامياً وموسيقى فولكلورية، ورقصاً وغناء وردّيات ومواويل، وعادات غذائية نباتية حيناً وحيوانية حيناً آخر حملت كلها في طيّاتها رائحة جبل لبنان وطبيعته وأرضه من فقش الموج إلى قرنة الشهداء.
من مجمَع إلى آخر، ومن مؤتمر إلى آخر، ومن متصرفية إلى قائمقامية، إلى دعوات وكتابات وقصص، حمل الحويّك على كتفيه في لحظة تاريخية حاسمة آمال شعبه وكنيسته، وآمال كلّ الذين لجأوا إلى هذه الأرض واحتموا وعاشوا ونموا فيها، وشغفهم بالحرية المطلقة، وطالب بأعلى صوته بين الأمم في بداية القرن العشرين بأحقيّة نشوء الوطن الحلم المتعدّد الألوان والعادات، فكان الوطن في العشرين من أيلول 1920 وطناً على مساحة الحلم، وطن الطبيعتين، وطن النسّاك والزهّاد والفلاحين والحصّادين والعابدين بعمق أعماق نفوسهم، ووطن الحداثة والتقدّم والإنفتاح واللغات والثقافات.
مع إعلان نشوء الكيان، إستفاق الموارنة على مرحلة ثالثة جديدة تتخطى نشوء الكنيسة والأمّة وتذهب بعيداً إلى نشوء الوطن التعدّدي الحضاري، وطن الإنسان والحقوق والدّفاع عن الحريات، وطن العلم والشعر والأدب والقديسين، وطن المواجهة والنموذج ضمن شعوب تحكمها الديكتاتوريات والأنظمة الشمولية والتيوقراطية الظالمة الخدّاعة، وطن قال عنه حَبر روماني زار أرضه إنه أكثر من وطن، إنه رسالة.
ولليوم ما زال الموارنة، وبالرّغم من كلّ التحديات والحروب والتهجير والألم والإضطهاد العلني تارة والضّمني طوراً، ما زالوا يسعون لإنجاح مرحلتهم الثالثة، للإنطلاق مجدّداً نحو وطن الطبيعتين، وطن التجذّر بهوية مشرقية تحمل في طيّاتها موروثات المشرق الحضارية الآرامية والسريانية والعربية والآشورية والكلدانية والعبرانية والفينيقية، ووطن التعدّدية والمواطنة والقانون والدستور والحفاظ على كرامة الإنسان والإنفتاح الكلي على كلّ علوم الأرض وعلى كلّ الثقافات واللغات والتقاليد والفنون والتبادل الحضاري البنّاء.
إنّ كلّ تخاذل أو تخلّ أو لامبالاة من أيّ ماروني تجاه المرحلة الثالثة، تشكل حربة تُصوّب على جسد المارونية، وتراجع عن مسار تاريخي خطّه الأباء بالدماء والإستشهاد، بالجهد والصّبر وطول الأناة،. وكل تخلّ عن هذا الثالوث التاريخي المتجسّد بالكنيسة والامّة مع ما يعنيه من تجذّر عميق وارتباط كلي بالاجداد والاباء وانفتاح كليّ على العالم اجمع بمختلف نواحي الحياة لهو فعل خيانة عظمى لقدس أقداسنا وتجسيد أحلامنا.
أختم بما قاله يوماً المفكر العظيم شارل مالك: “المطلوب من الموارنة الإيمان المطلق بالحرية الكيانية الشخصية المسؤولة كأقدس شيء في الوجود، وبأنها تختصر وتجسّد جوهر الوزنات العشر، وبأنّ لبنان مؤتمَن عليها أزلياً ليس لنفسه فحسب بل للمشرق كله، وبأننا إذا خسرناها سيخسر الموارنة وسيخسر لبنان معهم جميع الوزنات التي أعطوها وسرّ بقائهم سيزول وأيضاً كلّ مبرّر لوجود لبنان. وعندما يزول مبرّر الوجود يزول الموجود”. ويختم قائلاً “صلاتي الحارة أن لا يأتي يوم وثقتي التامة أن لا يأتي، يقول فيه السيّد المعطي ما قاله للعبد البطّال الكسلان: خذوا منه الوزنة وأعطوها للآخرين، لأنّ كلّ من له يُعطى ويُزاد ومن ليس له يُؤخذ منه ما يتوهم أنّه له”.
ومن شعرائنا العامّين، أختم بهذا القسم من قصيدة للشاعر مالك طوق بعنوان “مارون وينك”:
يا مار مارون الشرق في عندك عصا
فلحْت الزمان بزهوتا وعم تفلحو
وفيك الدّني تزيد عليا وتنقّصا
فيك تحكي عاصفة وتحكي صحو
بلادي الضحية ما حدا بيخلّصا
وغول ل عا صدرا ما حدا بيزحزحو
غيرك إنت وَنْ صرت
وينيّي العصا؟
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]