الهيبة الاميركية تعود مع ضربة الشعيرات… جبيلي: ترامب يرسم حدود اللعبة والتمدد الإيراني إلى إنحسار

لم يكن صباح الجمعة الفائت عاديا على سوريا، التي استيقظت على ضربة عسكرية أميركية استهدفت مطار الشعيرات واتت رداً على مجزرة الكيميائي التي نفّذها رئيس النظام السوري بشار الاسد على منطقة خان شيخون في ادلب.

هي ضربة لا تختلف بمفهومها العسكري كثيرا، عن طبيعة العمليات العسكرية التي استعملت وسائل مشابهة لتنفذ (صواريخ التوماهوك)، بل على العكس، ربما هي أخفّ وطأةً. أما في المفهوم السياسي، فقد بدّلت المشهد السياسي في المنطقة ووضعت بعض النقاط على الحروف، كما أوصلت رسائل مختلفة لعدة جهات دولية، اقليمية ومحلية.

وفي قراءة سريعة لمضمون هذه الضربة، أكدّ رئيس مقاطعة أميركا الشمالية في حزب “القوات اللبنانية”، رئيس “المركز اللبناني للمعلومات في واشنطن” الدكتور جوزيف جبيلي أنه عندما استلم الرئيس دونالد ترامب المهام الرئاسية للولايات المتحدة واجه خطرين كبيرين أساسيين:

– الأول، التطرف الاسلامي، الذي يسميه ترامب بشكل واضح في خطابه من دون مواربة، وهي المرة الأولى التي يتمّ التحدث فيها عن الإرهاب الاسلامي، معتبراً أن “داعش” واخواتها تشكّل خطراً كبيراً على الأمن القومي الأميركي، بحيث أنه اعطى تعليماته لأجهزة الإستخبارات و”البنتاغون” بأن يقدموا له خطة خلال شهر من تسلّمه الرئاسة لإنهاء وجود “داعش” في المنطقة.

– أما الخطر الثاني، فهو الخطر الايراني” يقول جبيلي. ويتابع: “ترامب يعتبر أن التمدد الإيراني يشكّل أيضاً خطراً على الأمن القومي الأميركي، وأن دور طهران في العراق وسوريا واليمن ليس مرغوباً. وسبق للرئيس الأميركي أن انتقد الإتفاق النووي الإيراني”، مشيراً الى أنه سيبقى ساري المفعول انما تحت مراقبة مشددة لأن هناك عدة خروقات حصلت من قبل إيران، بحيث سيتم اتخاذ اجراءات ومنها عقوبات ضد طهران في حال تصرفت بشكل غير مقبول في المنطقة بما يتعلق بهذا الإتفاق.

وفي حديث لموقع “القوات اللبنانية”، لفت جبيلي الى ان “هناك فرقاً بين مقاربة الرئيس ترامب وسلفه أوباما ، الذي كان يؤكد على وجود التطرف الإسلامي من دون ان يتردد في ضربه، ولكن عن بعد، وأنه عندما طرح موضوع تمدد “داعش” وكان سابقاً قد أعلن عن أن “القاعدة” قد انتهت، اضطر إلى تغيير مواقفه وبعث بجنود أميركيين الى العراق بعد الإنسحاب الذي نفذه وكان في أولويات سياسته وخطابه. وهنا ظهر خطأ أوباما في التقدير”، يقول جبيلي، “أضف الى ذلك أنه رفض ان يعتبر في أي وقت ان هناك ما يسمى بالتطرف الإسلامي وكان يسميه التطرف الإرهابي او العنف الإرهابي”.

ويتابع: “أما في الموضوع الإيراني، فإن أوباما كان يلتزم بتحسين العلاقات مع إيران والإتفاق النوي هو جزء منها، لكننا شاهدنا كيف أن التصرف مع إيران اختلف تماماً فكان يهدف الى تخفيف العقوبات عن إيران وفتح باب العلاقات معها، كما تغاضى عما يحصل في المنطقة فالجميع يتذكّر حديثه الشهير : “يجب على السعودية والعرب لا سيما في الخليج أن يتعلموا تقاسم المنطقة مع إيران”؛ وهذا شيء خطير، فهو أول رئيس أميركي يتحدّث عن حلفائه في المنطقة لا سيما السعودية مقارنةً مع إيران الذي يفترض ان تكون عدواً للولايات المتحدة. وبالتالي التوجه مع أوباما كان للمهادنة الأمر الذي امتد الى الملف السوري بحيث لم تكن لديه النية بمواجهة إيران في سوريا”.

ويضيف جبيلي: “من دون شك ان إدارة ترامب بتركيبتها لديها دور في بلورة السياسية الأميركية الجديدة، وما يطرحه في سوريا يدخل ضمن حماية الأمن القومي الأميركي، فترامب لديه عدوين في سوريا، “داعش” وإيران، ولن يقبل ان يتمدد أي منهما في الداخل السوري. وما يتقدّم به ترامب على أوباما ان لديه خطوطاً واسعة مع اللاعبين الأساسيين والفاعلين في الملف السوري كالروس والأكراد والأتراك والإسرائيليين والدول العربية والأردن يإستثناء إيران”.

أما عن خطة الإدارة الأميركية الجديدة، فيعتبر جبيلي أن خطة ترامب تقضي بإنهاء “داعش” ووقف التوغل الإيراني، كاشفاً عن ان مصادر في الإدارة الأميركية تؤكد أنهم لا يريدون انهاء “داعش” لينتصر بشار الأسد، والمناطق التي سيتم ضربها وتنظيفها من “داعش” لن تكون تحت سيطرة النظام السوري وإيران”. ويضيف: “اليوم هناك المئات من الجنود الأميركيين في سوريا حيث يتم التعاون مع الأكراد والأتراك والأردن لوضع خطة دقيقة بهدف خلق مناطق آمنة ومستقرة حيث تتواجد قوى محلية (أكراد، قوى عربية، جيش سوري حر…). بالاضافة الى ضمانات معينة قد تكون أميركية او عربية أو تركية او أردنية، كما يحكى الآن جدياً في الجهة الجنوبية السورية. ومن الطبيعي أن إيران والأسد يعارضان ذلك بشكل عنيف، وفي الوقت عينه هناك محادثات جدية بشأن ذلك مع الروس”.

وأوضح جبيلي أنه عندما تم الحديث في الأسبوع الفائت عن ان الولايات المتحدة لا تتحدث عن تغييرات في النظام في سوريا، فإن العديد فسروا ذلك بأن ترامب يريد أن يبقى الأسد، وهذا ليس صحيحاً، وما كان يقوله ترامب اننا عملياً لا نستطيع تغيير النظام في سوريا فورا لا بطريقة عسكرية ولا بأخرى، وبعدها ظهرت عدة مواقف منددة بحكم الأسد وبإجرامه، مشيراً الى أن المسار يجب ان يكون مساراً سياسياً ومن يعرقل ذلك هو الأسد لأنه يعلم بأن في نهاية هذا المسار نتيجته انه لن يستمر هو في سوريا”.

وكيف قرأت الولايات المتحدة ضربة الأسد على إدلب؟

يشرح جبيلي أن “ضربة بشار في خان شيخون في إدلب تأكدت من عدة مصادر منها، الأمم المتحدة والمصادر الأميركية التي أكدت من خلال الوقائع والصور ان الضربة نُفّذت بطائرت النظام السوري، واضافة الى 50 ضربة كيمائية كان قد نفّذها النظام منذ العام 2015 تم التغاضي عنها، مع أنه من المفترض ان استخدام السلاح الكيميائي محرّم وأميركا تعتبر ان ذلك يعد خرقاً كبيراً للقرارات الدولية التي تطالب بتسليم السلاح الكيميائي وعدم إستعماله. وفي الوقت نفسه تعتبر الولايات المتحدة أن هناك خطراً على الأمن القومي الأميركي وعلى المنطقة ككلّ بسبب هذا السلاح. ومن هنا أتى الرد على مطار الشعيرات السوري الذي هو مطار اسراتيجي ومهم للنظام نظراً لكبره وموقعه اذ هو من اهم المطارات التي يتمّ استخدامها في عمليات القصف التي ينفذها طيران الأسد”.

ويتابع: “كان المهم ضرب المدارج التي تنطلق منها الطائرات وهي ليست بخطة جديدة. الخسائر البشرية لم تكن كبيرة أقل من 10 أشخاص بحسب المعلومات التي وصلتنا. أما ردات الفعل فكانت مؤيدة بشكل عارم ان كان من الدول الأوروبية أو العربية أو غيرها. وهنا تجدر الاشارة الى ان العديد من اعضاء الكونغرس رحبوا بالضربة العسكرية ولكن كان لديهم بعض التحفظات مطالبين ترامب بالحصول على الاذن من الكونغرس قبل أن يقوم بضربات عسكرية، لأن الدستور الأميركي يعطي الصلاحية للرئيس بشن ضربات عسكرية انما هو بحاجة الى اذن لاعلان حرب”.

وفي خضمّ كل ذلك يترقّب العالم أجمع الخطوة التالية لإدارة ترامب، فهل ستكون الضربة يتيمة أم مجرد بداية لسلسلة ضربات… وماذا بعد؟

يقول جبيلي: “من الواضح ان ادارة ترامب ستكمل المشروع الذي شرحناه سابقاً بتحرير أراض معينة من سيطرة إيران وأدواتها كـ”حزب الله” والميليشيات الشيعية و”داعش” طوأخواتها وتسليمها الى القوى المحلية المعارضة للنظام واقامة مناطق آمنة”.

أما بما يتعلّق بمصير بشار الأسد، فيردف جبيلي قائلاً: “تلتزم الولايات المتحدة بالقرارات الدولية التي تؤكد على المسار السياسي الذي يعرقله الأسد لأنه شعر بأنه ينتصر على الأرض”، سائلاً: “هل الحزم الأميركي سيغير من قرار الاسد”؟ ويجيب: “نعم ذلك ممكن جدا. فإذا أكمل الأسد بعمليات عسكرية معينة وخاصة بضرب مناطق آمنة بالكيميائي أو بغيره أو تعدى على المناطق الآمنة التي ستخلقها الولايات المتحدة فهي لن تتردد بالرّد. اما اذا لم يكن هناك تحرش او تعدّ من النظام فمن الطبيعي ألا تبدأ أميركا بمعارك مع الأسد”.

وختاماً اكد جبيلي ان “المنطقة دخلت في مرحلة جديدة، ليس فقط بسبب الضربة العسكرية الأميركية على الشعيرات، انما منذ تسلم دونالد ترامب الرئاسة”. وقال: “لذلك لاحظنا الزيارات المكثفة المتبادلة بين الولايات المتحدة ودول المنطقة. هي مرحلة جديدة تعيشها واشنطن في حين لن يقبل ترامب أن تُضرب المصداقية والهيبة الأميركية”.

قد يصعب التكهن بطبيعة المرحلة المقبلة التي ستشهدها المنطقة والأنظار كلها تتجه الى الخطوات الأميركية، كل ذلك وقد دخلت المرحلة معادلة جديدة فما قبل الضربة الأميركية على سوريا ليس كما بعدها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل