جامعة الدول العربية: ما هي أسباب الفشل؟

كتبت د. فادي الأحمر  في مجلة المسيرة عدد 1605:

في نهاية شهر آذار الفائت عقدت القمة العربية الـ 28. حدث ذكّرنا بأن هناك جامعة للدول العربية. كدنا ننساها. الاجتماع لم يكن حدثاً بحد ذاته. والسبب ضعف جامعة الدول العربية وتراجع الدور العربي. في وقت يشهد فيه العالم العربي أحداثاً تغيّر من جيوسياسات الدول والمجتمعات والجماعات المكوّنة لها. واللاعبون الاساسيون غير عرب. لذلك كان تشديد بيان القمة على “رفض التدخّلات الخارجية”. ولكن الجامعة ودولها أعجز من وقف هذه التدخّلات.

في الأزمة السورية، روسيا وإيران وتركيا وبطبيعة الحال الولايات المتحدة الأميركية هم من يقرّرون. وقف النار الشامل (الواقف عملياً) قرّرته روسيا وتركيا. وهذه مع إيران هم من يوجّهون الدعوات لمفاوضات النظام والمعارضة في الأستانة. ومفاوضات جنيف تدعو إليها الأمم المتحدة بإيعاز من القوى الكبرى. والعرب ليسوا أحد الحاضرين غير المؤثرين في اللقاءات… تحرير العراق من “داعش” يقوم به إيران والولايات المتحدة الأميركية الى جانب الجيش العراقي… في ليبيا الدول الأوروبية هي المؤثّرة في الصراعات وروسيا بدأت بالدخول على الخط… وفي اليمن تنخرط المملكة العربية السعودية في صراع مسلّح يبدو أنه طويل… وفي كل هذه الصراعات إيران حاضرة وفاعلة وبقوّة…

غريب أمر جامعة الدول العربية! فهي أوّل تكتّل إقليمي في العالم. تأسّس في العام 1944. أي قبل “الاتحاد الأوروبي” الذي بدأ في العام 1951 اتحاداً اقتصادياً وفي العام 1992 اتحاداً سياسياً. وعلى رغم خروج بريطانيا منه اليوم والأصوات الأوروبية المعترضة عليه، يشكّل كياناً سياسياً واقتصادياً له تأثيره الكبير على الساحة الدولية. جامعة الدول العربية تأسّست قبل “النافتا”، الاتحاد الاقتصادي الذي يضمّ الولايات المتحدة الأميركية وكندا والمكسيك، الذي بدأ العمل به في العام 1994. وهو اتحاد حقّق نجاحاً على رغم تهديد سياسة الرئيس دونالد ترامب الحالية له. وهي قبل “المركوسور” الذي نجح في جمع عدد من دول أميركا الجنوبية في اتحاد اقتصادي… كل هذه الاتحادات نجحت في خلق تكتلات إقليمية اقتصادية أو سياسية إقليمية أنهت الصراعات بين الدول المتجاورة، وشكّلت كياناً يدافع عن المصالح القومية المشتركة ويحمي الدول الأعضاء من الذوبان في ظاهرة العولمة السياسية والاقتصادية والإعلامية…

لماذا نجحت كل تلك التكتلات، ولو جزئياً، وفشلت جامعة الدول العربية كلياً؟ الأسباب كثيرة نختصرها بالآتي:

أولاً، بدأت الدول العربية تكتلها الإقليمي بشكل معكوس. فالتكتلات الإقليمية في العالم تبدأ اقتصادية. ومن ثم تحاول ان تكون تكتلاً سياسياً. وأبرز مثال الاتحاد الأوروبي. بدأ تحت مسمّى “الجماعة الأوروبية للفحم الحجري والفولاذ”. وكان الهدف وضع تلك المادتين الأساسيتين في صناعة الأسلحة تحت أشراف مشترك، بخاصة فرنسي وألماني، كي لا تتكرّر تجربتا الحربين العالميتين التي كانت أوروبا ساحتهما. من ثم تحوّل الى “جمعية اقتصادية أوروبية” هدفها تطوير التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين الدول الأوروبية الأعضاء. قناعة لدى المسؤولين ان تطوير المصالح الاقتصادية المشتركة بين الدول يساهم في تقريب الشعوب من بعضها البعض. فتتحاشى الحرب في ما بينها. وهكذا نجحت الدول الأوروبية في العام 1990 في جعل تكتلها الاقتصادي تكتلاً سياسياً اختارت له اسماً “الاتحاد الأوروبي”.

الدول العربية استعجلت التكتل السياسي. فهي بدأته قبل ان تتركّز كياناتها السياسية والاقتصادية. الدول المؤسّسة بالكاد كانت قد حقّقت استقلالها. لم يكن لدى مسؤوليها التجربة السياسية الكافية لإدارة بلدانهم، فكيف لإدارة تكتل إقليمي؟

ثانياً، غياب الأنظمة الديموقراطية في الدول العربية كان سبباً رئيسياً في فشل جامعة الدول العربية كتكتل سياسي واقتصادي. ولا يزال. ان نجاح هذا الأخير يتطلّب عملاً يومياً دؤوباً ونقاشات متواصلة على مستوى اللجان المتخصّصة والوزارية واجتماعات القمم. لا يمكن سوى للأنظمة الديموقراطية القيام بها. لذلك وضع الاتحاد الأوروبي ديموقراطية النظام شرطاً أساسياً لقبول عضوية  الدولة طالبة الانتساب. ولهذا تأخر دخول إسبانيا والبرتغال الى الاتحاد حتى العام 1986. وللسبب عينه سارعت دول أوروبا الشرقية، التي كانت جزءا من الاتحاد السوفياتي، الى إرساء أنظمة ديموقراطية رئاسية أو برلمانية. وهذه مسألة طبيعية. إذ كيف لديكتاتور ان يناقش ديموقراطياً مع ديكتاتور آخر ويتفق معه؟ كيف كان لحافظ الأسد وصدام حسين وحسني مبارك ومعمر القذافي وغيرهم ان يناقشوا ديموقراطياً في إطار اجتماعات القمة العربية؟!

ثالثاً، فشل الدول العربية في تطوير التبادل الاقتصادي في ما بينها كان عاملاً في فشل جامعة الدول العربية. في العام 1998 بدأ العمل بـ”المنطقة الحرّة العربية الكبرى”. وحتى اليوم لا يتجاوز التبادل التجاري بين الدول العربية 10 في المئة من حجم التبادل التجاري لهذه الدول. في حين ان التبادل التجاري بين دول الاتحاد الأوروبي مثلاً يتجاوز الـ 60 في المئة. لا شك ان تجارة النفط والغاز تزيد من حجم التبادل التجاري بين الدول العربية وغير العرب. ولكن هذا لا يعطي تبريراً. والسبب يعود الى عدم وجود تكامل بين الاقتصادات العربية. وعدم تطوير القطاعات الاقتصادية المختلفة، وفي مقدّمها الصناعة. كما ان الحكومات العربية لم تعمل على تطوير شبكة طرقات وسكك حديد تربط بين الدول العربية وتسهّل التبادل التجاري. لم تلغِ التأشيرات للتنقل بحرية أكثر بين الدول العربية… كما ان اعتماد الأنظمة الاشتراكية في العديد من الدول (مثل سوريا والعراق ومصر) كان معيقاً لتطوير التبادل التجاري. ولم يسمح خصوصًا في تطوير انتقال رؤوس الأموال والاستثمارات الخارجية. وبطبيعة الحال، شكّلت الأنظمة الديكتاتورية وغياب دولة القانون والشفافية وانتشار الفساد… عائقاً أمام تطوير التعاون الاقتصادي بين الدول العربية.

رابعاً، استمرار التدخّلات الخارجية لم يسمح بتطوير التكتل السياسي العربي. الدول المستعمِرة أو المنتدِبة السابقة حافظت على نفوذ سياسي واقتصادي وثقافي مؤثّر في الدول العربية، ما مكّنها من وضع العصي في دواليب “مركبة” جامعة الدول العربية. كما كان للحرب الباردة تأثيرها السلبي على نجاح جامعة الدول العربية. فغداة نشوء هذه الأخيرة انتهت الحرب العالمية الثانية وانقسم العالم الى معسكرين شيوعي وليبرالي. وراح القطبان السوفياتي والأميركي يتنازعان مناطق النفوذ في العالم. لم يكن لأي منهما ان يسمح بقيام تكتل سياسي في منطقة ذات أهمية استراتيجية مثل العالم العربي. وبعد نهاية الحرب الباردة كانت الانقسامات العربية كثيرة وعميقة، ما سمح للولايات المتحدة الأميركية بإنزال قواتها العسكرية في قلب الخليج وعلى آبار النفط والغاز. كما راحت إيران توسّع نفوذها في الدول العربية بتسهيل سوري ومن ثم عراقي، حتى أصبحت قوة إقليمية في قلب الخليج العربي يمتد نفوذها غرباً حتى البحر المتوسط (في لبنان وسوريا) وجنوباً حتى البحر الأحمر والمحيط الهندي (في اليمن).

بعد أكثر من ثلاث وسبعين عاماً على تأسيسها تبدو جامعة الدول العربية أكثر عجزاً من أي وقت مضى. وفشلها اليوم يضاف الى سلسلة الفشل الذي رافق تاريخها. والذي يعكس الفشل العربي في الاتحاد وفي التضامن للدفاع عن قضاياه القومية. فتاريخ الدول العربية المعاصر هو تاريخ تضارب مصالح وتناحر وتعدٍّ. كادت سوريا ان تضم لبنان ولم تردعها جامعة الدول العربية. العراق احتل الكويت ولم تستطع الجامعة حلّ القضية بينهما. السودان أصبح سودانين من دون ان يكون للجامعة رأي… ومنذ سنوات سقطت أنظمة عربية واندلعت حروب حوّلت الدول العربية ساحات صراعات إقليمية ودولية وجامعتهم تستنكر وتشجب وتدين وتطالب… فقط.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل