#adsense

وبقيت في شعنينتها وسرها مع يسوع…

حجم الخط

 

 

 

كتبت فيرا بو منصف في مجلة المسيرة عدد 1605:

 

أحاول الوصول اليه ولا أصل. أريد أن أراه أين هو؟ يا الله ثمة الكثير من الناس يتدافعون، أنا صغيرة وهم كبار الحجم، قد تدهسني الجموع وأتطاير تحت الأقدام  كالتراب ولا أراه.

 

قد يلوِّث التراب سكربينتي البيضاء التي تشبه سكربينة سندريللا، وأنا قضيت ليال أتأملها وأشم رائحتها قبل أن يأتي اليوم الموعود وأنتعلها منتصرة.

قد يتمزّق ثوبي الجديد المطرّز بأحلامي الصغيرة، هذا ليس ثوبا عاديا ليوم عادي، إنه فستان الشعنينة.

قد تنكسر شمعتي المزينة بأغصان الزيتون وأنا أصارع لأصل الى حيث هو لكن أين هو؟ لن أتمكن منه، مستحيل، سيرى كل الناس وكل الأطفال إلا أنا العاجزة المنهكة أركض أركض ولا أصل، حماره أسرع مني، والناس أسرع، حتى سعف النخيل خانتني وحالت دوني ووجه و… فجأة انقشعت الرؤية واختفى الناس وها هو يتقدم باتجاهي، التفت لأعرف الى من سيتحدث وإذ به يبتسم ويمد ذراعيه “جايي لعندك مش انتِ كنتِ عم تفتشي عليي بين الناس؟”.

يتكلم لبناني بلغتي! كيف عرف وهو لم يرني؟ ذهلت ووقفت في الجمود أراقبه، ترجّل عن حماره والنور يسبقه، نظرت إليه ولم أتمكن من أن أراه بوضوح. كان محاطا بهالة مشعّة، طويل القامة وجهه حلو حلو يشبه الشمس، وجهه الشمس، طرف ثوبه مثل زاف فستان أمي كل ما أريده هو أن أتمسّك به لأشعر بالأمان، وإذ ينحنى أمامي، إنحنى لي أنا شخصيا، قرفص قبالتي ومرر يديه فوق شعري الناعم، على رأسي الصغير أصغر من تفاحة، “أنا حدّك ما تخافي وما تضيعيني ولا تبرمي عليي بس ندهيلي بقلبك يا يسوع وبتلاقيني حدك”… وذهب، اختفى من جديد بين الجموع وما عدت أراه…

فيرا قومي قومي إجا نهار الشعنينة، كانت السادسة صباحا والقداس عند العاشرة، أين كنت؟ في الحلم؟ لكن بدا يسوع وكأنه حقيقي، ليس أمامي سوى أربع ساعات لأصبح جاهزة لليوم الكبير، أتفقَد وأخي الثياب الجديدة التي هلهلت من فرط عبور نظراتنا ولمساتنا عليها، “بس أنا من شوي كنت مع يسوع بالشعنينة وحِكي معي”، يضحك أخي “وأنا كنت مع مار شربل” ويهرع ليتفقّد شمعته التي تفوقه طولا.

جاءت الساعة، لبسنا جديدنا وذهبنا تسبقنا الشمعة الى الكنيسة، يرتفع طبق القش الممتلئ بأغصان الزيتون، تمشي سعف النخيل، تقرع الأجراس، يتباهى الصغار بثيابهم، يعربشون فوق الأكتاف والشموع مدرارة، ثمة حمار يتقدم الجموع، “الأبونا عم يقلّد يسوع” ضحكت، فلأتقدم باتجاهه، أطاحش الأقدام لأتقدّم، كيف تفعل صغيرة وهي في غابة سيقان؟ يغلبها العناد، تريد أن ترى الحمار والأبونا، انطفأت شمعتها، تلوثت السكربينة بالتراب، كاد أن يتمزّق الثوب ووقفت تائهة وحيدة حائرة، وإذ يشع نور، اخترقت الشمس الجموع، تمكنت أن تتسلل من بينهم، وإذ بالحمار يقف قبالتها، يترجل الأبونا… “ليش زعلانة يا زغيرة أنا حدّك؟” تنظر الصغيرة الى يده تلملم شتات شعرها الناعم فوق الرأس التفاحة، ولما نظرت إليه رأت يسوع… وكانت الشعنينة وكانت أورشليم، وصارت الحكاية، ولم تكبر الصغيرة، وبقيت تردد الحكاية نفسها وتمسك بطرف ثوبه وتتحسس يديه فوق شعرها وتسمعه يردد “حكيني بقلبك على طول وأنا بسمع”… وذهب الى درب جلجلته قلقا عليها، وبقيت الصغيرة في شعنينتها وسرّها الصغير مع يسوع…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل