
اهم ما تكشفت عنه الايام والساعات الماضية، اننا وكلما تقدمنا في معركة صيغة قانون الانتخابات العتيد، كلما تكشفت اكثر فاكثر النوايا وبانت اكثر فاكثر حقيقة العقد والعراقيل التي توضع في وجه الصيغ المتداولة، ما يعزز الاعتقاد ان القانون العتيد لم يعد اقراره مسألة دستورية وقانونية وسياسية بقدر ما باتت مسألة مصيرية خصوصاً واننا امام فريقين اساسيين يتصارعان خفية احياناً وعلناًاحياناً اخرى. الفريق المسيحي ولا سيما الثنائي “قوات لبنانية” و”تيار وطني حر” والفريق الشيعي “حزب الله” و”امل”، حيث ان “تيار المستقبل” يقف مسايراً اي صيغة، ويتجنب الاصطدام برئيس الجمهورية والفريق المسيحي، في وقت لا يعترض النائب وليد جنبلاط على اي صيغة، شرط ضمان حضوره السياسي في الجبل ولا سيما بين عاليه والشوف .
فالمعركة الحقيقية واقعة بين الثنائيين المسيحي والشيعي الذي ومن خلال مواقف “حزب الله” قرر قطع الطريق امام التحالف القائم بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” فشن حملات تارة مُعلنة وطوراً خافتة على صيغة الوزير جبران باسيل وصولاً الى تجاوزه بالتواصل مباشرة مع الرئيس ميشال عون لاحراجه على خطين: خط تياره والوزير باسيل من جهة وخط “القوات اللبنانية”.
لم يعد خافياً على احد من المراقبين والمتعاطين في الشأن العام الهاجس لا بل الكابوس الكبير الذي يعيشه “حزب الله” في الاونة الاخيرة من التحالف القواتي – العوني، ولا سيما في الانتخابات العتيدة، وبالتالي لم يعد خفياً على احد محاولات الحزب بالترهيب والترغيب والمواربة والصيغ البديلة والاصرار اخيراً على النسبية الكاملة ولو ابقى باب الحوار والتفاهم مفتوحاً كما يرشح من مواقف رموزه… الا ان الشغل الشاغل للحزب كيفية ضرب التحالف المسيحي الثنائي وقد وصلت به الامور الى حد محاولة زرع الشقاق بين الطرفين في الانتخابات النقابية الاخيرة لنقيب المهندسين في لبنان .
من هنا فان ما هو اخطر من مجرد احتساب دوائر ونوعية الدوائر وتوزيع المقاعد وتقسيم الدوائر وتشكيل اللوائح، تلك الهجمة الشرسة على حق الفريق المسيحي في الوجود السياسي المستقل والتمثيلي في البرلمان… وهذه الهجمة الشعواء على محاولتهم موحدين استعادة حقهم التمثيلي من خلال قانون عادل يعيد الامور الى نصابها التمثيلي الحقيقي .
ان دخول “حزب الله” بقوة على خط قانون الانتخابات وممارسته تكتيك قبضة الحديد المتخفية في قفاز من حرير، بات يجعلنا نطرح اكثر من علامة استفهام حول نوايا الحزب ومن يقف وراءه في دفع الامور باتجاه استحالة اقرار قانون انتخابات، ما يجرنا حكماً الى خيار مرحلة تأسيسية لطالما ارادها الحزب وسعى اليها، خصوصاً وان ما نعيشه اليوم في لبنان ليس مجرد معركة اقرار افضل قانون انتخاب بل معركة اقرار صيغة لبنان المستقبلية وهل يبقى لبنان واحد او عدة لبنانات في ظل قرار محور اقليمي واضح بحرق كل شيء معه واحتجازه كافة اوراقه الاقليمية في معركة مصيره التي يخوضها من سوريا الى اليمن ومنها لبنان.
ان اشكالية قانون الانتخابات العتيد، قد تتحول الى ازمة نظام وبالتالي ازمة كيان في ظل المعادلات الهشة التي تتحكم بالواقع اللبناني والتي تجعل التحالفات منقوصة ومبعثرة والخصومات متصاعدة ومطيفة لا بل ممذهبة.
بكل بساطة انها ساعة الحقيقة حيث كل شيىء يجب ان يطرح على المكشوف للنقاش… ولنكن صريحين مع بعضنا.
فان لم يكن هناك استعداد من فريق لبناني بتقبل حقوق فريق آخر وفقاً لمقتضيات الوحدة الوطنية ومتطلبات العيش المشترك فان لبنان ذاهب الى ازمة وجود ونظام وكيانية واعادة نظر بمبررات وجوده: فاذا كان العيش المشترك لدى البعض رديف للخضوع والتسلط على فريق واسع من اللبنانيين فلن يكتب للبنانيين ان يتسمروا في هذه المعادلة.
من هنا نعتبر ان مسؤولية الثنائي المسيحي كبيرة في هذه المرحلة بموازاة المسؤولية عن المصير، لان المعركة التي يخوضونها يجب ان تكون معركة لا تنازل فيها ولا تراجع مهما كانت الاثمان والتضحيات، لان ما يطالب به هوءلاء اليوم حقاً مشروعاً وشرعياً ودستورياً مكتسباً واذا تنازلوا عنه او فاوضوا في مبادئه لن يعود لهم اي دور رئيسي في بناء لبنان الدولة القوية والقادرة فضلاً عن الحاق الاضرار الجسيمة بالعهد وتوجهاته الاصلاحية والمؤسساتية والوطنية .
فخ جرنا الى حائط مسدود لاخضاعنا مكرهين لتوجهاتهم التأسيسية لن يكتب له النجاح … فلدينا دستور ونظام وثوابت وطنية لن نحيد عنها ابى من ابى وشاء من شاء.
نحن امام لحظة الحقيقة ومن رحم قانون الانتخابات العتيد ينبعث لبنان القوي والموحد والواعد، واما منه تنبعث شرارات حرب الغاء سيكون فيها الجميع خاسرون والخاسر الاكبر لبنان.