#adsense

“يا عمري”… ذكريات الجدّة في شريط الحفيد

حجم الخط

كتبت جوزفين حبشي في “المسيرة” – العدد 1605

يعيش أي مخرج في العالم كله عمره وهو يحلم بأن يقدم فيلما روائيا طويلا، إلا هادي زكاك… هذا المخرج اللبناني الشاب والأستاذ في معهد السينما التابع لجامعة القدّيس يوسف يعشق الأفلام الوثائقية والسير الذاتية، بدليل انه قدم منها حتى اليوم 26  فيلما، من أبرزها “كمال جنبلاط، الشاهد والشهادة” عام 2015، “مارسيدس” الفائز بجائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان دبي السينمائي عام 2011، “درس في التاريخ” عام 2009، و”لاجئون مدى الحياة” عام 2006.

هادي زكاك يعرف أن الفيلم الروائي هو أول ما يطمح إليه أي شخص يحلم بالسينما، ولكنه كان ولا يزال مهتماً اكثر بالتاريخ والسياسة، لذلك وجد أن الوثائقي يجسّد اهتماماته كلّها، ويتيح له فرصة الحفاظ على ذاكرة هي في معظم الأوقات منسية وممحوة. أيضا لا يعتبر زكاك الأفلام الوثائقية أقل شأناً من الأفلام الروائية، بل يراها مكاناً يشبهه ويختبر فيه. الفيلم الوثائقي بحسب رأيه “أكبر عرفان للشخصيات التي نحبها وكانت تعيش بيننا”. ومن يعقل أن يحب هادي زكاك “الحفيد المدلل” أكثر من جدته هنريات التي اعتادت أن تناديه ب”يا عمري” وعاشت بينهم “عمراً” حافلا ب104 سنوات صاخبة ومليئة بتجارب الحب والهجرة والزواج والأولاد والروابط العائلية والشيخوخة وفقدان الذاكرة. هادي زكاك هو “عمر” جدته وحبيب قلبها وقد  قدم عمرها في شريطه السادس والعشرين بعنوان “يا عمري”. شريط وثائقي من نوع السيرة الذاتية، يرصد من خلاله تحوّل الذاكرة والهجرة وقصص الحب والأولاد والوقت المعلّق، إضافة الى نظرة الى أحداث لبنان خلال أكثر من مئة عام.

شريط من 83 دقيقة، ومن مئات اللحظات العابقة بالحنان والحنين والحب والتأثر، ندعو الجميع لمتابعته حاليا وحصريا في صالة ميتروبوليس أمبير صوفيل الأشرفية التي بدأت بعرضه في 30  آذار الماضي ويستمر فقط حتى19  نيسان الحالي، بعدما شارك في الدورة ال13  لمهرجان دبي السينمائي عام 2016، وزيّن مجموعة أفلام “أيام بيروت السينمائية” في نهاية شهر اذار الماضي.

الفيلم خاص جدا وشفاف جدا واستثنائي جدا، يشبه قطع بازل عن الذاكرة، ويلامس المشاعر والانفعالات والحنين مع كل توقف للكاميرا عند تلك التجاعيد المحفورة على جبين ناصع، ويدين لم تعودا قادرتين على الإمساك بالزمن الهارب، واللمعان الخافت في عينين شاهدتين على عمر من الذكريات التي بدأت تتوه بدورها  على دروب الحياة.

الفيلم عن سيناريو وإنتاج وإخراج لهادي زكاك، وتصوير موريال أبو الروس، ومونتاج هادي زكاك وإلياس شاهين، وموسيقى إميل عواد ويروي قصة هنريات، جدة زكاك، منذ طفولتها وشبابها وهجرتها إلى البرازيل وذكرياتها مع عائلتها وأولادها، وصولا الى مراحل الشيخوخة وداء الألزهايمر.

شريط يختصر104 أعوام من حياة حافلة بالمحطات الإنسانية والاجتماعية، اضطر هادي زكاك لتصويره على مراحل وخلال فترة طويلة، خصوصا  أن جدته كانت قد بدأت تفقد ذاكرتها في السنوات الأخيرة قبل وفاتها.

مع جدته عاد زكاك بالزمن الى الزمن الجميل في أوائل القرن العشرين، فاقتحم وحدتها ولاحقها بأسئلته وكاميرته وحاورها وصوّرها ونفض عنها إرهاق السنين وتجاعيد العمر.

بسلاسة ذكّرها بقصص أخبرته بها من قبل ولكنها نستها تماما، وجعلها تستعيد ألق الشباب وشغف الحب وسحر المغامرة، بدءًا بالهجرة الى البرازيل كمعظم اللبنانيين  في أواخر القرن التاسع عشر، ثم العودة في ثلاثينات القرن الماضي، والارتباط والزواج بعد قصّة حب عاصفة. عودة عادت وندمت عليها، كما ستعترف لحفيدها خلال الشريط.

هذا الكم الهائل من التسجيلات التي تمت كلها داخل بيت الجدة، لم تبصر النور إلا بعد ثلاث سنوات من  انطفاء نور الحياة في جسد “جميلة الجميلات” كما كانت تلقّب تلك المرأة الاستثنائية في عيني حفيدها. صحيح ان كل تلك المواد المصوّرة كانت جاهزة، ولكن هادي زكاك وجد صعوبة عاطفية في العودة الى  تلك الذكريات التي روتها جدته بعينيها وطرافتها وتجاعيدها.

يقول هادي زكاك “في الإنتاج والمونتاج نحيي الشخصية ونميتها مئة مرة، وهذا الشعور من الصعب وصفه”. وبالفعل، بعدما نجح زكاك في التغلّب على مشاعره، أعاد إحياء جدته التي أحيت بدورها حقبة من عادات مجتمعنا اللبناني وتقاليدنا من خلال شهادتها لقرن كامل من الأحداث والتطورات والمتغيّرات على الصعيد الاجتماعي والإنساني أكثر من السياسي. فعلى رغم ان الخلفية السياسية موجودة دائما وبقوة في افلام هادي زكاك السابقة، الا انها تحتل مركزا ثانويا في شريط “يا عمري” الذي يركّز أكثر على شخصية الجدّة ومعايشاتها الشخصية البعيدة نوعا ما عما كان يجري من أحداث تاريخية.

هنريات هي طبعا بطلة الفيلم. بطلة استثنائية، عرف هادي زكاك كيف ينقل إلينا نحن المشاهدين، مشاعر الحب والتقدير والحنان التي يكنها لها، فجعلنا نعشقها بدورنا ونراها من خلال عينيه وكاميرته، امرأة قريبة من القلب، طريفة وعفوية الى أقصى حد، وتمتلك حس الفكاهة ورغبة كبيرة في الحياة.

صحيح ان هنريات هي البطلة الوحيدة، وصحيح ان الديكور يتم في إطار واحد هو بيتها، ولكننا لم نشعر بالملل لحظة واحدة، فحكايات هنريات المليئة بالأحداث وأسلوبها في السرد وتفاصيلها الصغيرة التي ركزت عليها كاميرا موريال أبو الروس، ستسحرنا وتنوّمنا مغنطيسيا. أيضا اللافت في الفيلم ان التصوير الذي تم على مراحل طويلة، يشبه الجدة وتطوراتها مع حقبات الحياة. التصوير تم بكافة أنواع كاميرات الفيديو، من التقليدية وصولا الى المتطورة والHD، وكأن التصوير يتحوّل مع الزمن مثل الجدّة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل