
قد يرى البعض مبالغة في التشبيه بين بدايات الحرب الاهلية وما نعيشه اليوم من أجواء احتقان داخلي، فظروف الأمس ليست نفسها اليوم. كثيرة هي التغييرات التي طرأت على المشهد العام في البلد. لكن قواسم مشتركة بين الامس واليوم ما زالت جلية واضحة، ولا بد من تسليط الضوء عليها كي نستخلص العبر منها ونذكّر من نسيها بعواقب تبعاتها.
منذ 42 عاماً، ظنّت قوى غريبة عن هذه الأرض بانها قادرة، بسبب فائض القوة لديها، على السيطرة على البلد فتفرض مخططها وتنطلق من هذه البقعة الجغرافية لتنفيذ أهدافها المشؤومة. ولكن ما لم تعرفه هذه القوى بانه على هذه البقعة الصغيرة جغرافياً يوجد رجال، أشداء مقاومون، عشق اجدادهم الحرية فحفروا الجبال وسكنوها دفاعاً عن كرامتهم، رووا الأرض بعرق جبينهم ودمائهم، فكانوا اليد التي تبني وتزرع واليد التي تقاوم “كل ما دعا داع ودق الخطر ابوابهم”. هكذا كان اجدادنا وهكذا حمل اباؤنا القضية، قضية وجودنا الحر في هذا البلد، لا اهل ذمة، فحملوا مشعل المقاومة سنة 1975 وواجهوا بشراسة المخطط الغريب الخبيث، وفاجأوا بصمودهم الصديق قبل العدو، فسطروا الملاحم بوجه كل غريب حاول التواجد على هذه الأرض، فانهزم وانسحب ذليلاً، وآخرهم جيش الأسد.
اما اليوم، وبعد كل هذه السنوات، لم يعد المخطط تهجير المسيحيين عسكرياً من هذا البلد بعدما اثبت فشله، انما اصبح ضربهم سياسياً تمهيداً لتقييد حريتهم التي هي أساس وجودهم، الخصم هذه المرة ليس غريباً انما يحمل مشروعاً غريباً عن هذه الأرض وأهلها، مشروعاً وحلماً يجاهر به، يقاتل في سبيله، وينتهك هيبة الدولة التي لا يعترف بوجودها الا صورياً، فهو الدويلة وله مرجعيّته الخارجية ومشروع دولته.
بعد تفاهم معراب التاريخي، وما تبعه من إنجازات في سبيل استعادة حقوق المسيحيين، وقد برزت أولى تجليات هذا التفاهم بايصال رئيس جديد للجمهورية له تمثيل في بيئته المسيحية للمرة الأولى بعد اتفاق الطائف إضافة الى الدور الجامع، مع ما يحمله من أمل ببناء الدولة الحقيقية التي يطمح اليها كل مواطن وخصوصاً المسيحيين الذين لطالما كان رهانهم الأول على الدولة، امام هذا الواقع المستجد وجدت القوى صاحبة الاحلام الغريبة بان مشروعها بخطر، وسارعت لمحاولة ضرب هيبة العهد عبر استعراضات للقوة لتوجيه الرسائل. ومع اقتراب الانتخابات النيابية وجدت هذه القوى بان الفرصة لبسط سيطرتها على مفاصل الدولة عبر فرض قانون انتخابي لمصلحتها يكرس هيمنتها ويمهد لايصال من يرضون عنه الى الحكم او التمديد للمجلس الحالي، كل ذلك بخطاب من التعاليـ مستقوية بالسلاح وفائض القوة، وهو القاسم المشترك الأساس بين الامس واليوم.
ولكن وكما وقف اجدادنا واباؤنا منذ 1600 سنة مقاومين الغريب ومشاريعه، هكذا وقفت وتقف “القوات اللبنانية” اليوم بقيادتها الحكيمة لتشدّ همم الشارع المسيحي وترفض المشروع الذي يهدف الى الغاء المسيحيين، فانضمت الأحزاب الأخرى التي استشعرت الخطر نفسه وادركت بأن لا خلاص الا بالوحدة وبان المخطط يستهدف الجميع من دون تمييز وان مسؤولية تاريخية تقع على عاتقهم جميعاً تجاه الأجيال القادمة.
فاثبتت “القوات اللبنانية” مرة جديدة انها ركن المقاومة في هذا البلد ضدّ أي مشروع غريب يتهدد الوطن ووحدته، وانها اليد التي تبني في السلم واليد التي تدافع في الحرب لتقول للجميع، للصديق قبل الخصم انها “قوات” في السلم و”قوات في الحرب”… وكلما #دق_الخطر جاهزة لتلبية النداء.