لقد قلنا ما قلناه

وصلت الأمور إلى حدّها الأقصى. محاولة إلغاء الوجود المسيحي الحرّ لن تمرّ، حتّى لو اقتضى ذلك إعادة عقارب التّاريخ إلى الوراء فنحن لم نكن مستعدّين لهكذا لحظة كاليوم. حاولنا  لأكثر من ربع قرن أن نتأقلم مع من اعتبر نفسه منتصرًا بالحرب بقوّة محتلّ جعل منه وصيًّا ووكيلاً غير أمين. لكن كلّ محاولاتنا باءت بالفشل. فما العمل مع شريك في الوطن لا يتّعظ من التّاريخ؟

سلّمنا سلاحنا ودعمنا كلّ التّوجّهات نحو بناء الدّولة، فكانت النّتيجة نفيًا وسجنًا وصل إلى حدّ الموت أحيانًا بعد التّعذيب الذي ذقنا الأمرّ منه، وكان بتنفيذ محليٍّ وبإشراف وإخراج سوريٍّ. لم نستسلم. عدنا وانخرطنا في الحياة العامّة؛ فكانت النّتيجة المزيد من القتل والإلغاء الجسدي حتّى أن اغتالوا رئيسي جمهوريّة ورئيس وزراء وكوكبة من الشّهداء ليسكتوننا. لكنّهم فشلوا.

وبعد أن أذللناهم بالخروج مهانين على ظهر آليّاتهم التي تشبه قلوبهم الرّثّة، أوكلوا إلى حزب “لبنانيّ” بالوصاية. وها هم اليوم يحاولون الإطباق على كلّ مفاصل السّلطة السياسيّة بعد أن أيقنوا أنّ أيّ عمل عسكريٍّ انقلابيٍّ سيكلّفهم الكثير، لا سيّما في ظلّ منطقة تغلي.

وها هم يقرّرون الإنقلاب السياسي للإطاحة بالدّستور انطلاقًا من إسقاط فلسفته المبنيّة على روح المناصفة. والرّهان الأقوى الذي يعتقدون بأنّهم يملكونه، هو شقّ الصّفّ المسيحيّ لإضعافه. وفاتهم أنّ ما وُقِّعَ في ذلك الثامن عشر من كانون الثاني في معراب، إنّما وقّع بالدّم الأحمر وليس بالحبر الأسود. وما كتب في معراب لن تمحوه سراديب الضّاحية وساكنو جحورها ولا قصورهم الفاخرة ولا حتّى أسوار فارس.

المسيحيّون قلبًا وقالبًا واحدًا، فالقضيّة اليوم لم تعد مركز نقيب أو تعيين موظّف فئة ثانية أو حتّى فئة أولى بل أصبحت  قضيّة وجود حرّ. إمّا نكون أو لا نكون. ونحن قرّرنا أن نكون. وقرارنا لا رجوع عنه. فلبنان وطننا وفيه باقون مهما كلّف ثمن بقائنا فيه. فإن لم  يتّعظوا من أمثولات التّاريخ لعلّ الحاضر سيلقّنهم درسًا لن ينسوه أبدًا.

وحدة الصفّ المسيحي غير قابلة اليوم للإنشقاق مهما بلغ صفار الأوراق الشّباطيّة؛ فالرّئيس القوي مع حلفائه الحقيقيّين وحدهم لهم الحقّ بالحفاظ على حريّة وجودهم، وهذا الوجود هو  بفعل التّاريخ والجغرافيا وليس منّة من أحد. إمّا أن يقبلوا بالشّراكة الحقيقيّة من خلال إقرار قانون انتخاب مختلط يضمن لكلّ الفرقاء حقيقة تمثيل وإمّا هم وحدهم سيدفعون ثمن تحدّي مؤسّسي الكيان.

نهار الخميس القادم سيحاولون، لكن محاولتهم ستبوء بالفشل. فنحن لن نرضى بتمديد لمجلس ممدّد له على أساس إيجاد قانون انتخاب ـ وهذا ما لم يحصل حتّى بعد انقضاء مهلة التّمديد ـ يؤمّن للكلّ التّمثيل الصّحيح، عندها فقط يصبح التّمديد مقبولًا وبشروط تقنيّة لا غير.

والفراغ مرفوض لأنّنا لسنا دعاة فراغ، فلو كنّا ذلك لما حافظت المنطقة الشّرقيّة على نواة الدّولة. ولو أنّنا كذلك لما انتهى الفراغ في سدّة الرّئاسة الأولى. فمن يريد الفراغ هو من يسمّي مرشّحًا لرئاسة الجمهوريّة ولا ينتخبه. ومن يريد الفراغ هو من لا يقبل بأيّ قانون انتخاب يعطيه حجمه الحقيقي. ومن يريد إفراغ الدّولة هو من يبني دويلة فطريّة ٍعلى أكتاف الدّولة، ويقوّض كلّ قراراتها، والأكثر يساهم في إغراقها في الدّين. ومن يريد الفراغ هو من لا يحترم قرارات الدّولة في السياسة الخارجيّة فيواجه سياسة النّأي بالنّفس ويخرج من لبنان ليقاتل العالم بحجّة نصرة أهل بيته.

نعم يا سادة. المسيحيّون باتوا صفًّا واحدًا. سمّوها ما شئتم. جبهة لبنانيّة، قضيّة واحدة وإنسان واحد في كلّ زمان وفي كلّ مكان. ولن نرضى بأن يكون ما لنا، لنا ولغيرنا، وما لغيرنا له وحده.

لا يا سادة. ما لنا فهو لنا وحدنا. ولبنان وطن رسالة نتشارك فيه معًا ليكون مختبر عيش حقيقي لكلّ العالم، وليس تعايشاً مع سلاح غير شرعيّ مفروض ويفرض بواسطته تغليب العدديّة.

لا يا سادة. لبنان بعد 18 كانون الثّاني تغيّر كثيرًا لدرجة انّكم لن تعرفوه لأنّكم ما اعتدتم عليه هكذا. ساحات المجد ساحاتنا. وسنهزّ الأرض بلاءاتنا وليس بولاءاتنا كما فعلتم في ذلك الثامن من آذار يوم شكرتم سوريا الأسد التي جعلتكم أوصياء.

التّمديد لن يمرّ، والفراغ لن يقرّ، والنّسبيّة الكاملة ستهرّ. وسيبقى لبنان لنا ولكلّ من يؤمن بجوهر وجوده، أي تلك الحريّة الكيانيّة الوجوديّة. فقد قلنا ما قلناه، أمّا من لا يؤمن بهذا اللبنان فحريّ به هو، أن يرحل إلى حيث أعداد أمثاله وفيرة. ومن له أذنان للسّماع، فليسمع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل