13 نيسان 1975 ـ 13 نيسان 2017: هكذا بدأت الحرب

مجلة المسيرة – العدد 1606:

لم تبدأ الحرب في 13 نيسان 1975. كانت المسألة مسألة وقت فقط. تاريخ 13 نيسان لم يكن إلا الشرارة التي أطلقت النار في الهشيم. فقد كانت الساحة اللبنانية مهيأة للانفجار، وعندما حصلت حادثة البوسطة في عين الرمانة ذلك الأحد، كانت الأيادي قد أمسكت بالسلاح ليبدأ إطلاق النار في مسلسل لم ينته إلا بعد 15 عامًا وبعدما تخللته فصول كثيرة.

منذ انطلق العمل الفدائي الفلسطيني المسلح من لبنان في العام 1965 مع تأسيس حركة “فتح”، بدأت معالم الحرب ترتسم على الساحة اللبنانية. اتفاق القاهرة في العام 1969 لم يكن إلا محاولة لإبعاد شبح الحرب، ولكن هذا الشبح بدأ يحلّق في الأجواء اللبنانية ويكبر ويزداد خطره.

ليس صحيحًا أن الحلف الثلاثي الذي قام في العام 1968 بين كميل شمعون وبيار الجميل وريمون إده كان إشارة البدء في الحرب أو المؤسس لها. ذلك أنه لم يكن إلا تعبيرًا عن هواجس مسيحية أخذت تكبر أيضًا خوفاً من هذا الشبح الكبير المخيم على لبنان.

وليس صحيحًا أيضًا أن انتخاب سليمان فرنجية رئيسًا للجمهورية في العام 1970 والحملة على ضباط المكتب الثاني كان التطور الذي أضعف الجيش وأسهم في اشتعال الحرب. فالمخطط الفلسطيني اليساري كان قد وضع موضع التنفيذ وتقسيم الجيش اللبناني لم يكن إلا أحد أهدافه. صحيح أن الجيش والشعبة الثانية كانا قبل العام 1970 قادرين على الإحاطة بالوضع الأمني والوضع الفلسطيني، ولكن لو كانت هذه الإحاطة تامة وعامة لما كان حصل اتفاق القاهرة. فذلك الاتفاق كان أمنيًا في الدرجة الأولى قبل أن يكون خيارًا سياسيًا.

هذا الوضع أدركه جيدًا العميد جول بستاني رئيس الشعبة الثانية على عهد الرئيس سليمان فرنجية. وتأكد منه أكثر بعد اشتباكات أيار 1973 مع الفلسطينيين. كان مدركاً أن الخلافات السياسية الداخلية ستضع الجيش اللبناني خارج المعادلة، وأن الحسم الذي لم يحصل ضد الفلسطينيين أجّل الحرب الى موعد آخر، ولذلك كانت بداية تدريب الشباب المسيحيين بمساهمة من مخابرات الجيش اللبناني من أجل أن يكونوا خط الدفاع الثاني عن لبنان وعن وجود الدولة والوجود المسيحي.

عندما بدأت مؤشرات الحرب الأولى في تظاهرات صيدا، بدا الانقسام اللبناني واضحًا. قسم مع الفلسطينيين وقسم مع الدولة.

في 5 آذار 1975 كانت المظاهرات المؤيدة للجيش اللبناني أكبر دليل على هذا الانقسام. فقد عمّت بيروت والمناطق المسيحية أضخم تحركات شعبية دعمًا للجيش تلبية لدعوات الطلاب في أحزاب “الكتائب” و”الأحرار” والكتلة الوطنية. في العاشرة والنصف صباحًا تحركت التظاهرة الكبرى في بيروت يتقدمها رجال الأمن وسيارات ودراجات نارية ومكبّرات الصوت وسار في طليعتها رؤساء مصالح الطلاب: لويس حنينة من “الكتائب” ومارون حلو من “الأحرار”، وعندما وصلت التظاهرة الى شارع مونو انضم إليها الشيخ بشير الجميل الذي قام مع عدد من المسؤولين الطلابيين بزيارة الجرحى العسكريين من الجيش اللبناني في المستشفيات، وكان الأهالي في الشوارع يستقبلون المتظاهرين بنثر الأرز والورد من الشرفات.

ولكن ما كتب كان قد كتب، وكان الجميع ذاهبين الى حرب لا قدرة لهم على ردها ومنعها، ولا خيار لهم إلا الانخراط فيها. وهكذا، لم يعد هناك مجال للعودة الى الوراء. وعندما حصلت حادثة البوسطة في عين الرمانة لم يكن مستغربًا أن تتمدد الاشتباكات لتشمل مناطق كثيرة من حارة حريك في الضاحية الجنوبية الى زحلة في البقاع ومجدليون والمية ومية قرب مخيم عين الحلوة في صيدا، امتدادًا الى طرابلس وزغرتا ومحيط مخيم تل الزعتر والدكوانة.

كان السلاح ينتظر. وكان المسلحون ينتظرون. وكانت الجبهات حاضرة في النفوس قبل أن ترتسم على الأرض، ولذلك انفجرت دفعة واحدة.

بين الوعي لخطورة ما يحصل والخوف من الأسوأ، ظهر العجز السياسي واضحًا. بدأت لغة الحرب وتعابيرها تظهر: وقف إطلاق النار. اشتباكات. الطرقات المقطوعة. الحواجز. الخطف. قتلى وجرحى. الصواريخ. المتاريس. رصاص القنص.

كانت الأحداث على الأرض هي التي بدأت تدير السياسة، حتى أن “السلطة” كانت كأنها تعيش في زمن آخر. منقسمة. عاجزة. مساهمة من حيث تدري أو لا تدري في الانزلاق الى حرب لم يكن أحد قادرًا على إدراك خطورتها ومداها وعمرها.

لذلك كان 13 نيسان حدًا فاصلاً بين زمنين. وبين لبنانين ووطنين. لبنان الجميل الذي كان. لبنان الحلم الذي سينتهي، ولبنان الذي لم يدرك أحد كيف سيكون.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل