
كتب نجم الهاشم في إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1606:
طوال حياته ظل سمير فرنجية يبحث عن ثورة. طبيعة الرجل الهادئة لم تكن تعكس عواصفه الفكرية الدائمة. هو ذلك الباحث دائمًا عن ثورة يهديها ويهتدي إليها بعدما خرج من الزعامة العائلية الزغرتاوية وأسس لغربة طويلة عن أهل بلدته ومدينته. غربة ظل يعاني منها حتى آخر أيامه، خصوصًا عندما اضطر الى مغادرة منزله فيها بعد التعرض له قبل أعوام. وليس قليلاً أن تنتهي غربته هذه بعودته إليها ليدفن فيها بجوار والده حميد فرنجية.
كانت زعامة زغرتا وبيت فرنجية لحميد فرنجية بعد والده قبلان. كان حميد زعيمًا ولكنه كان سياسيًا مثقفاً ووزيرًا للخارجية. من زغرتا امتد الى مساحة الوطن، وكما كان صعوده زغرتاويا كانت زغرتا سببًا في ابتعاده. لم يتحمل حميد فرنجية بشاعة مجزرة مرياطة قبيل الانتخابات النيابية في العام 1957. أصيب بجلطة ودخل الى المستشفى وخرج من الحياة السياسية، فآلت القيادة الى أخيه سليمان فرنجية.
أصيب سمير فرنجية بجرح والده. ابتعد عن الزعامة الى اليسار. يسار الستينات والثورة الفلسطينية. يسار زواريب طرابلس وأحيائها القديمة. يسار الحركة الوطنية مع كمال جنبلاط ثم مع وليد جنبلاط. ولكن يساريته شهدت تطورًا كبيرًا من اليسار الثوري الى اليسار المحاور والباحث عن جدل فكري مع الآخرين أوصله تباعًا، وبعد محطات، الى رفيق الحريري وربطه باتفاق الطائف وأوصله الى رفض الوصاية السورية على لبنان.
هذه التحوّلات جمعته الى فارس سعيد وأخذتهما معًا الى بكركي ليصبحا “جليسي” البطريرك مار نصرالله بطرس صفير منذ بداية العام 2000، والبدء بتأسيس لقاء قرنة شهوان في محاولة شجاعة للربط بين أجنحة لبنان الكثيرة.
كان سمير فرنجية سبّاقاً الى طرح أفكار للحوار وأكثر “مانيفستو” لتأسيس جديد للبنان. ولذلك كان في صلب قوى 14 آذار قبل أن يتم اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005.
طوال أعوام عاش سمير فرنجية هاجس الاغتيال مع أنه كان في مواجهة دائمة مع الحدث منذ أعلنت التحاليل الطبية أنه مصاب بالسرطان. كانت المواجهة مع هذا المرض أهون من مواجهة الاغتيالات. متسلحًا بإرادة مقاومته مشهد اغتيال أصدقائه ورفاقه تباعًا. من جورج حاوي الى سمير قصير وبيار الجميل وأنطوان غانم، حتى آخر القافلة، ومع ذلك لم ييأس ولم يلقِ السلاح مراهناً دائمًا أن سلاح الصبر سينتصر على السلاح الذي يغتال ويقتل ويفجر.
أخيرًا انتصر المرض على سمير فرنجية. سيكون له ما أراده دائمًا وما حرم منه دائمًا. العودة الى زغرتا بعد رحلة طويلة الى أقاصي العنف والفكر والمبادرات والتحوّلات والانفتاح والمحبة.
سمير فرنجية سيبقى حاضرًا دائمًا ولن يكون رحيله إلا محطة في سيرة رجل شجاع.

للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]