اقتصاد الحرب وقوة الليرة وانهيارها: عندما كانت الأموال تعبر خطوط التماس… بأمان

كتب سيمون سمعان في المسيرة – العدد 1606:

 

 

 

قُدِّرت الخسائر المباشرة للحرب الأهلية اللبنانية، التي أصابت رأس المال الإنشائي والتجهيزي في القطاعين العام والخاص بنحو 25 مليار دولار. وهي لم تقضِ فقط على دور الإقتصاد اللبناني في الداخل، بل أيضا على دور لبنان الإقتصادي في المنطقة. ذاك الدور الرائد الذي نجح في الفترات السابقة للحرب في أن يكون قاطرة اقتصادات المنطقة ومستقطب الإستثمارات العالمية وملاذ الرساميل المتراكمة من عائدات النفط أو تلك الهاربة من التأميم. ثمّة من الإقتصاديين من يقول إن ذاك الإقتصاد المتنامي لأكثر من حجمه ربما شكّل أحد أسباب الحرب، لتعود وتشكّل الحرب أحد أسباب انهياره!

 

 

 

يقول أحد الذين عملوا على البحث في حيثيات الأحداث اللبنانية وتوثيق الحرب وما رافقها من يوميات: عندما سألت المقاتل عن تاريخ بداية الحرب، أجاب مستهجنا السؤال، أنها بدأت في 13 نيسان 1975، وهل يغيب هذا التاريخ عن باحث؟ وعندما وجهت السؤال نفسه إلى السياسي ممن تعاطوا الشأن العام قبل الحرب واستمروا خلالها، قال بثقة المتابع لدقائق الأمور، إن غيوم الحرب بدأت تتلبّد في محطات عديدة منها الحرب العربية الإسرائيلية في حزيران 1967 وما خلفته من نكبات، واتفاقية القاهرة في تشرين الثاني 1969، ووصول الرئيس حافظ الأسد إلى السلطة في دمشق في آذار 1971 وغيرها، وما 13 نيسان إلا واحدة منها، ولكن متفجّرة، وهي محطة في الحرب وليست بدايتها.

ويتابع الباحث: أما عندما سألت الإقتصادي عن تاريخ بداية الحرب فكان الجواب لافتا كونه اعتبر أن بداية الحرب الفعلية كانت في العام 1983 بداية سقوط الإقتصاد. ويضيف لا تسقط الدول عندما تسقط جدران عماراتها بالقذائف، ولا عندما يملأ ساحاتها الصمت بل عندما يعجز اقتصادها عن الصمود فيسقط. فها نحن منذ نيّف وعقدين من الزمن لا حرب ميدانية عندنا، ونحاول النهوض من كبواتنا فلا نستطيع. وذلك لأننا لم نُعِدْ بناء الإقتصاد بما يتماشى مع حاجاتنا ومع المتغيرات الكثيرة التي حصلت من حولنا.

بعد ثماني سنوات على انطلاق شرارة الحرب الأهلية وصمود العملة الوطنية، بدأت الليرة منذ العام 1983 تفقد الكثير من قيمتها بالنسبة للدولار الأميركي وبقية العملات. وكانت نسبة التضخم عالية فسقطت من 3,30 ليرات للدولار إلى أكثر من3000  ليرة في العام 1992. وعندها بدأ الناس يشعرون بالضيق وهناك أصحاب ثروات خسروا فجأة جنى العمر وهناك من تعرّض لنوبات قلبية فخسر حياته بعد ماله، فيما تمكّن أفراد قليلون من جني مبالغ كبيرة من جراء المضاربة. وبعدها بدأ البنك المركزي يُصدر فئات أكبر من العملة، فظهرت ورقة الـ 250 ليرة، ثم الـ 500 ليرة والـ 1000 ليرة عام 1988 وصولا إلى فئة الـ 100 ألف ليرة عام 1994. وعمل مصرف لبنان على رفع قيمة الليرة فأعادها من 3 آلاف ليرة مقابل الدولار إلى 1500 ليرة وليثبتها عليه حتى اليوم، معتمدا العديد من الهندسات المتلائمة مع الظروف بهدف تثبيت هذا السقف وعدم ترك الأمور تخرج عن السيطرة كما حصل في بلدان محيطة في المنطقة.

فخلال سنوات الحرب السابقة لهذا الإنهيار المدوّي لم يشعر الناس بأي ضيق مادي على الرغم من أن مؤسسات عديدة تضررت بسبب الحرب، وشركات توقفت عن العمل، ومعامل التهمتها النيران. لكن تمكّن اللبنانيون ولو تحت الخطر من خلق حركة اقتصادية موازية فنشط العديد منهم بتبادل السلع المفقودة بين المنطقتين الشرقية والغربية فكانت المعابر خطوط تماس ونار أثناء الإشتباكات، ونقاط التقاء لتبادل السلع وجني الأموال في فترات وقف إطلاق النار. ويُقدّر الإقتصاديون قيمة ذاك الإقتصاد الموازي بمئات ملايين الدولارات.

كذلك تكرّس مستويان من الإقتصادات البديلة أحدهما ظاهر تمثل بالمساعدات التي راحت ترسلها دول شقيقة وصديقة للبنان وكذلك من اللبنانيين المنتشرين في الخارج، وآخر غير ظاهر تمثل في ما كان يوجه إلى لبنان من أموال لدعم المتحاربين وتأجيج الصراعات. من هنا بدأ يتأثر دور الإقتصاد اللبناني كما دور لبنان الإقتصادي. هذا الدور الذي أتاح أن يتوصّل بنك “إنترا” إلى شراء شركة “أحواض” لبناء السفن في فرنسا، كما أنه تدخّل في إحدى المرات لتأمين قرض كبير لمصر، أيام الرئيس عبد الناصر، ومبادراته التي تتعدى الدور المحدّد للقطاع المصرفي اللبناني. ويُقصد بهذا تمويل المستوردات إلى لبنان والدول العربية وضخّ العائدات النفطية إلى الأسواق المالية الغربية. كذلك كان لبنان دولة دائنة أقرضت الهند في المرحلة السابقة للسبعينات.

 

الطريق المتعرّج

لا بد من تسليط الأضواء على العوامل الكامنة وراء تفاقم الأزمة الاقتصادية العامة في لبنان، بما فيها أزمة الدَين العام. فقد اقتضت ظروف الحرب اللبنانية التدخّل لتأمين مستلزمات الصمود، وخصوصا مع تراجع الدخل القومي وتراجع تحصيل الإيرادات العامة. وبناء عليه اضطرّت الحكومات المتعاقبة في السنوات الأخيرة، إلى التمسّك بثلاثة أهداف أساسية بحسب الخبير الإقتصادي الدكتور حازم البنّي، وهي تباعاً: سياسة التثبيت النقدي لغاية العام 1996، النموّ الإقتصادي، وضبط العجز المالي في الموازنة.

ويرى البنّي أن لبنان مرّ خلال تطوّره الإقتصادي أيضا بثلاث مراحل رئيسية: الأولى تمتد حتى أواخر الأربعينات وتتسم بحسم السيطرة الرأسمالية على التشكيلة الإقتصادية الإجتماعية اللبنانية، وبخاصة على أنماط الإنتاج. وكانت عرفت الليرة اللبنانية منذ نشأتها الأولى عام 1920 مراحل عديدة من التطوّر التي أثّرت على قيمتها الداخلية والخارجية، وذلك بعد وقف تداول النقود العثمانية.

وفي شباط 1948 تمّ الاتفاق المباشر اللبناني ـ الفرنسي حول موضوع النقد ليطلق المرحلة الثانية التي امتدّت حتى أواسط الستينات، وبالتحديد حتى أزمة بنك “انترا” في العام 1966. وهي مرحلة توطّدت خلالها الإنطلاقة المصرفية وعرفت فيها انتعاشها الكبير، وقد تعاقبت فيها فترة الإزدهار النسبي مع فترة تجمع عوامل الأزمة. ولم يكن عصر “الخدمات الذهبية” عصر ازدهار النشاطات التجارية فحسب، بل كان أيضاً عصر الإنطلاقة المصرفية حيث يلاحَظ أن ثمة تلازماً ما بين نمو التجارة وبخاصة الإستيراد والتصدير وبين نمو المصارف.

أما المرحلة الثالثة فتمتد حتى العام 1975. وهي المرحلة التي شهدت انطلاقة الحلقة الصناعية في دورة رأس المال، وسط ترافق “الطفرة” الإقتصادية العابرة (بعد تطويق أزمة انترا) مع استمرار توتر مظاهر الأزمة الإقتصادية والإجتماعية واستفحال أبعادها. ولا يخفى على أحد ان لبنان استفاد في هذه المرحلة من التغيّرات البنيوية موسّعاً من حجم علاقاته الاقتصادية مع الدول النامية كما مع الدول العربية. وذلك نتيجة إغلاق قناة السويس بسبب العدوان الاسرائيلي عام 1967، مسترجعاً بهذا دوره كمركز تجاري أساسي في المشرق العربي.

وابتداءً من العام 1984، حصل انهيار كبير لقيمة العملة اللبنانية، واستمر هذا الانهيار المتوالي حتى العام 1992. هزت هذه الأزمة الاقتصاد اللبناني بشكل كبير، إن من ناحية انتهاء عصر الاستقرار النقدي الذي كان من أهم ركائز وحتى مسلمات الاقتصاد اللبناني منذ الاستقلال وحتى ذلك الوقت، أو من ناحية إعادة التوزع الهائلة للثروة والدخل التي نتجت من هذا الانهيار والتضخم الكبير بين عامي 1984 و1992. ويعتقد كثيرون أن الأزمة نتجت أوتوماتيكياً من العجوزات الكبيرة في الموازنة و/أو من العجز الكبير في ميزان المدفوعات بعد الاجتياح الإسرائيلي والحروب التي تلته، أي أن الأزمة كانت نتيجة لأسباب تقنية بحتة.

وفي النهاية أدت الأزمة إلى تغيّر كبير في توزع الدخل والثروة في لبنان، فقد استفاد أرباب العمل بشكل عام من انخفاض الأجور وازدادت حصة المضاربات في العمليات المالية وحصل انتقال كبير للثروة بين حملة الدولار وحملة الليرة، إن بين المصارف أو المؤسسات أو الأفراد، ما افقد الطبقة المتوسطة مدّخراتها بالإضافة إلى انخفاض دخلها، ومهّد لسيطرة الرأسمال في مرحلة ما بعد الحرب الذي لا يزال لبنان يعاني من تبعاته الاقتصادية والاجتماعية حتى يومنا هذا.

وفي العام 1976 أصبح حاكم البنك المركزي الياس سركيس حاكما للبنان. ودار يومها سؤال مُلحّ عما إذا كانت انتخابات الرئاسة ستشكل نهاية الحرب أم بداية لفصل جديد؟ في الواقع لم يطل الوقت قبل أن يأتي الجواب بأن سنوات حكم الرئيس سركيس كانت فصلا جديدا من تلك المأساة. ولكن ما عجز الرئيس الحاكم عن فعله في السياسة والأمن كون الأزمة كانت قد باتت مدوّلة، حققه في النقد فتمكن من الحفاظ على سعر صرف الليرة ثابتا حتى تسليمه الأمانة التي لم يطل بها الوقت حتى كادت تتبدد.

 

هكذا كان الحال

موظف في البنك المركزي اللبناني عايش فترة الحرب يروي كيف كانت الأموال ترسل بطرق بدائية في صناديق ويقول: كانت تبدأ الإتصالات قبل أيام من نهاية كل شهر بين قادة الأطراف المتنازعين لتهدئة الجبهات بحيث يمكن لناقلي الأموال العبور من منطقة إلى أخرى لدفع معاشات العسكريين والإداريين وتأمين تغطية المصاريف الجارية. فالإدارات كانت باتت منقسمة لكل منها واحدة في الغربية وأخرى في الشرقية. وكان على البنك المركزي تأمين السيولة للجميع. علما أن العديد من الأطراف كانت تصلهم السيولة من خارج الحدود وبالعملات الصعبة، وهو ما ساهم في تأمين وفرة من الأموال في السوق على الرغم مما أصاب القطاعات الإقتصادية من خراب وشلل.

المصارف الخاصة، ومثلها المؤسسات والمصانع، هي الأخرى تعطلت أعمالها على مستويين: فهناك المراكز الأساسية التي كانت في وسط بيروت والفروع القريبة من خطوط التماس والتي إما طالها الخراب أو باتت هناك مخاطرة في الوصول إليها بسبب القنص والقصف العشوائي فتوقفت عن تأمين الخدمة للمواطنين. وهناك النظام المصرفي برمته الذي راح رويدا رويدا يفتقر لعناصره العاملة بسبب صعوبة التنقل فراح يعمل بنصف طاقة ونصف دوام وبالتالي بخدمة مجتزأة تحاول أن تلبي الأساسيات فقط. وبحسب مصرفيين عايشوا تلك المرحلة، فهم كانوا أحيانا ينقلون الأموال معهم إلى منازلهم وكذلك بعض المعاملات لإنجازها عندما يشتد القصف ويستحيل معه الإستمرار في مكان العمل. لكن التواصل مع المصرف المركزي استمر وكذلك بين الفروع. ويلفت هؤلاء إلى أن ما يجدر ذكره أن مسؤولي المقاومة اللبنانية في جميع المناطق عملوا على مساعدة القطاعات على الاستمرار. ولا ينطبق ذلك على المصارف وحدها التي استفادت كثيرا من هذا الدعم، بل أيضا وحدات الإنتاج الأخرى لا سيما المصانع. وكان ذلك يتم على مستويين حماية مراكز هذه القطاعات من التعدي عليها من مندسين أو عناصر غير منضبطين، وكذلك حمايتها والمساعدة على تأمين سير عملها مما تسببه الحرب الدائرة من معوقات. ويشهد هؤلاء أن حركة الإستيراد والتصدير بقيت طبيعية خلال السنوات الأولى للحرب، ألى أن راحت المرافئ تتعرض هي الأخرى للقصف. ويلفتون الى أن الشيخ بشير الجميل كان شكّل فريق عمل خاصًا مهمته تأمين سير عمل المؤسسات الاقتصادية ومساعدتها على تجاوز صعوباتها.

ويخلص هؤلاء إلى القول، نعم استطاع لبنان أن يبني اقتصاد حرب يمكنه المقاومة للتخفيف من ويلاتها، وما المساعدات التي كانت توزعها “القوات اللبنانية” والمشاريع الخدمية العامة التي أقامتها بين العام 1986 و1988 في المناطق الشرقية إلا أكبر دليل على ذلك، ما جعلها تنعم بتمايز كبير عن سائر المناطق. ليعود لبنان ويغرق بعد ذلك بالويلات من جديد ويعود اقتصاده إلى التقهقر… فعسى أن تحظى المحاولات الحالية بفرصة التحقق وتكاتف الجميع لاستعادة ما فات من نمو وازدهار خلال تلك السنوات.

 

 

كيف تم نقل الذهب من مصرف لبنان؟

 

في كتاب مذكراته “من الفياضية حتى واشنطن/ على دروب الشهامة”، يكشف اللواء المتقاعد أنطوان بركات الدور الذي لعبه في نقل احتياطي الذهب من مصرف لبنان الى الخارج ويقول: “رقّيت في 1 نيسان 1974 الى رتبة عقيد التي تفرض نقلي الى مركز أعلى من قائد كتيبة. كانت كتيبة الاستطلاع الأولى التي أتولى قيادتها مكتملة عدديًا ولوجستيًا وجاهزة للتدخل. وتعتبر بالتالي القوة الضاربة الأساسية للدفاع عن القصر الجمهوري ووزارة الدفاع. طلبت مقابلة قائد الجيش العماد غانم فاستقبلني في مكتبه بحضور العقيد جول بستاني، فقلت له إنه من الأفضل في هذه الظروف أن أبقى في مركزي كقائد لكتيبة المدرعات، وإذا رغبتم، أُعيَّن في الوقت نفسه مساعدًا لقائد سلاح المدرعات. وهذا ما حصل.

قامت هذه الكتيبة في أواخر العام 1975، وقبل انفجار الوضع الأمني، وبالتنسيق مع الشعبة الثانية، بنقل احتياطي الذهب من المصرف المركزي ليلاً وبسرية تامة على مدى أربعة أيام الى مطار بيروت من حيث أُرسل الى الخارج الأمر الذي أبقى الليرة اللبنانية على قوتها على الرغم من سنوات الحرب والخراب. أم الى أين نُقل، فلم أسأل…”

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل