10452 كلم حبّ وشو بعد يمّي؟!

كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” – العدد 1606

ماذا فعلت بنا تلك الـ 10452 كلم مربع؟ لماذا تفعل بنا ما تفعله تلك المساحة الصغيرة بحجم كون؟ يجلس الشهيد الى حافة نضاله يسأل بإلحاح مؤلم “هل قطفت الثمرة مذذاك النيسان 1975؟ هل استحقّت الأرض دمائي الغالية؟ هل نبتت عند قبري السنابل أو غمر العشب البري بابي وطمرني النسيان؟ يا 10452 كلم مربع أين أنا فيكِ، أين أنتِ مني، هل ابتلعتني الأيام وصرت غبار النسيان”؟…

لن نرتاح يوما، لم يُكتب لنا ذلك حتى اللحظة، نحن أبناء المسيح، نحن نمشي خلف المصلوب، صليب شُطب لفرط ما حفر وجودنا بالتراب والصخر ووعر الأيام، نحن نلحق بالمصلوب لكن نحن بشرا، نغضب نحزن نخاف نقع في الخطيئة وأولها، لا ليست تلك ما يسمى بالخطيئة الأصلية وما شابه، نقع في خطيئة الشك، قلة الإيمان، نخسر حالنا لفرط ضعفنا، تأخذنا الهواجس الى غير مواقع، لكن من حقنا أن نسأل، ألم تشبع الأرض من أجسادنا، من إبتلاعنا شهيدا وراء شهيد، نضالا بعد نضال ولا حصاد، نحن نزرع ويأتي من يقطف الكروم عنا وينهب الثمر تحت أنظارنا بحضورنا بأصوات ناسنا، وفوق تراب شهدائنا وبعد؟ مذذاك النيسان حتى اليوم كم صار عددنا؟ ألا لوائح شطب تضم أسماءنا؟ أم لعل أسماءنا شُطبت من مفكرة الوطن، نحن الذين بدمائنا سطّرنا كرامته وعزّته؟

وهو جالس يداعب التراب تحت شمس نيسان، يبتسم لعمره الذي مضى “كنت أود لو أني ما استشهدت باكرا لأحيا انتصاراتي مع رفاقي وأهلي في شوارع لبنان، هناك في المطعم الواسع وأدبك على منجيرة زكي ناصيف، فوق في الضيعة أرقص في ساحة الكنيسة على قرع أجراس القيامة وطبلة بو يوسف، هنا في الحقل أغني الصباح مع فيروز وأصرخ موال لبنان مع وديع الصافي، كلها تفاصيل صغيرة لكنها تفاصيل رائعة من تفاصيل لبنان. ما زلت أجده الوطن الجميل، ما زلت أحب أن أسمع تلك العبارة التي يراها الناس تافهة، وأجدها حقيقة حين تقول مرشحة الى ملكة جمال ما “بدي فرجي للعالم إنو لبنان بلد التلج والشمس بذات الوقت”، حتى لو كانت تفاهة هي حقيقة، هو ذاك الوطن الذي تلتقي فيه الشمس عند حدّين متناقضين في آن واحد، فوق عند التلال شمس ساطعة يلمع من تحتها الأبيض المترامي، وتحت عند الشاطىء تلمع الشمس فوق ثوب المياه الزرقاء المترامية، أليس رائعا لو بقيت لأستمتع بكل ذاك المزيج؟… لحظة، لكن ألم أستشهد ليبقى كل ذاك المزيج المتناقض الألوان والحرارة والجغرافيا والمزاج؟

يقف الشهيد فوق قبره حائرا، في الدنيا يستذكرون 13 نيسان، وفي الكنيسة يحتفلون بالجمعة العظيمة وأحد القيامة، تسرح نظراته فوق وريقات الورد اليابس المتطاير عند بابه، ينحني ليلملم ما تبقّى من باقة زرعتها أمه وحمّلتها كل قبلاتها ودموعها وأشواقها “وينِك يا إمي يا الله شو حلوة ريحتِك، بتذكري بس رحت ع الحرب شو قلتيلي؟ جربتي تقنعيني ما روح وإنو هيدي حرب عبثية وما رح نربح فيها، هني كتار سلاحن الشر والحقد قبل السلاح الكتير لـ معن، ونحنا قلال سلاحنا هالأرض والصلا والقديسين وهالكم بارودة، وبس استشهد رفيقي يمّي حدّي ركضتِ ليي وصرختِ بوجي “أوعا ما تحمل البارودة وتردّ عن بلادك، ليك الغربا شو عملو برفيق دربك، روح ع المتراس وأنا لاحقتك بالمونة”، وصرنا يمّي كلنا مناضلين، أنا وانتِ وبيي وخيي واختي والجيران وحاربنا، متنا وعشنا وطردنا الغريب برّات الأرض ومن باب البلاد الواسعة، واحتفلنا بالنصر وحررنا الوطن الأسير وبقيلنا أسرى بهيديك الأرض الغريبة، عند هيداك النظام، وقدّستوا للشهدا، ألف قداس صاروا، وبس نمنا بصلاتكن يمّي وشي صحيت عيوننا لقينا الغريب نط علينا من الشباك، مد إيديه لناس من ولاد البلد، ناس حاملين لبنان بالوج والهوية يمّي بس قلوبن غريبة عنا أكتر من الغريب، مدّ إيديه ع معجن بلادنا من جديد وعم ياكل من طحين قمحنا، بدك تقوليلي بعد استشهدوا كرمال الـ 10452 كلم مربّع؟ ما شبعتِ بعد من البكي يمّي؟”

سمعَت أم الشهيد دعسات ابنها تخطو على مهل في قلبها كي لا يستيقظ ألمها ويبدأ بالبكاء، سمعت ندمه، أو لنقل ضياعه، لم يعجبها الأمر، على رغم شوقها المتراكم ألما كحربة المسيح التي طعنته فوق الصليب، منذ استشهاده وهي تتحسس الحربة، ما زال الجرح ينزف، تنظر في وجه العذراء مريم، الأم الحزينة، فتسخر من ألمها “إم الله ومات ابنها الوحيد بين إيديها وأنا مين حتى قارن وجعي بوجعها؟”، توجهت الى الصورة، قبّلتها وابتسمت ومسحت الدمعة المالحة المتفلتة من مآقيها، فتحت الخزانة، بدلته الزيتية ما زالت معلقة على حافة المقاومة، رائحتها عطرة، مكوية، نظيفة كما كل أشيائه “وَلَو يا إمي أنا لـ بدي أعطيك المعنويات؟ عيب، لو ما إنتَ تموت أنا كنت متت، بيّك إختك خيّك الجيران الأرض، كانوا ماتوا، إنت يمّي ما متت إنت استشهدت تـ تبقى الأرض، إنتَ استشهدت من هون وزهّرت لـ 10452 كلم مربع من هون، إنتَ ورفاقك صنعتوا مجد لبنان، علّمتونا قيمة الألم ومعنى الكرامة”.

وقف الشهيد يراقب مساحة قلبه، ها هي مفلوشة فوق خارطة هذا البحر الأبيض المتوسط، رائعة المياه حين تلمع حريرا تحت لمسات الشمس، هذا لبنان، يا لطيف كم هي مكلفة هذه المساحة، كم هو غال هذا الاسم، ثمة غيمة، ينظر من فوقها، ينتظرها لتشيح، راحت، عاد الشعاع يغمر المساحة، يجلس ورفاقه القرفصاء يحملون كأسهم الممتلئ من دمائهم، صارت الدم خمرا فيشربون كأس وطنهم، 10452 كلم مربعا إذا ما فلشنا الشهداء لغمروا المساحة كلها ولصاروا هم الأرض بدل الأشجار والزهور، يسألون بعضهم “قديش صار عددنا بالسما؟” ما يكفي ليشكلوا مجلس شعب وشيوخ ونواب ووزراء وأكثر بكثير بعد، أصغر المساحات في هذا الشرق لأكبر عدد شهداء فيه، وهذا لا يحصل إلا في أرض نذرت منذ وجودها للقديسين لحظة وطأتها أقدام المسيح…

استراح الشهيد، اطمأن الى أن استشهاده كان للحياة، وأن الأرض ستبقى، والصليب المغروز في وعر المقاومة لا يُشطب من معادلة الوطن، لأن ثمة حرّاسًا فوق لا يغيبون، وحراسًا تحت لا ينعسون، لأجل ذاك النيسان وتلك الـ 10452 كلم حب وأكثر بعد…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

اخترنا لكم

خبر عاجل