أقباط مصر لا يهاجِرون ولا يهجّرون… يجب دعم “الازهر” وتشجيعه في الاصلاح الديني

كتب د. فادي الأحمر  في “المسيرة” – العدد 1606

سال الحبر كثيراً منذ أيام. ولكن ليس بقدر ما سالت دماء شهداء أبرار هي دماء اطفال ونساء وشيوخ ورجال سالت في كنائس مصر. الحدث خطير. خطير جداً. ليست المرّة الاولى التي تُهاجَم فيها كنيسة في مصر. ولا في العالم. فبالأمس هاجم احد الاسلاميين المتشدّدين كنيسة في قرية نائية في فرنسا. وقبلها في أماكن اخرى من العالم. ولكن تفجيري كنيسة مار جرجس في طنطا وكاتدرائية الكرازة المرقسية كان لهما وقع مختلف.

إنه يوم الشعانين. الاطفال بالابيض. يحملون الشموع المنيرة. إنهم ابناء النور. تزيّنوا للاحتفال بذكرى دخول المسيح الى اورشليم. ملك سلام. ممطياً حمارا متواضعاً. حاملاً غصن زيتون. رمز السلام. رمز فلسطين المعذّبة. واذ بأبناء الظلام يهاجمون. يُقتلون ويقتلون. ثيابهم سوداء. شعارهم اسود. علمهم اسود. وجوههم مغطاة بالاسود. هؤلاء يرفضون الابيض. يعتبرونه عدواً لهم! يريدون تمزيق الثياب البيضاء على اجساد لابسيها. وتكسير الشموع البيضاء بأيدي حامليها. يريدون اطفاء انوارها. ابناء الظلمة لا يطيقون النور. إنه يكشفهم. يكشف شرّهم وحقدهم وكراهيتهم وبشاعتهم. ولكن هؤلاء لا يعرفون ان الظلمة ليست سوى احتجابا موقتا للنور. وانها فترة راحة للطبيعة والانسان ليستفيقا بعدها وينموا على ضوء النور ويكملا المسيرة، مسيرة الحياة، على هديِ النور.

ليس “الاسلاميون التكفيريون الارهابيون” وحدهم من يرفضون النور. هجوما طنطا والاسكندرية أعادا الذاكرة الى العام 1994. وتحديداً الى تفجير كنيسة سيدة النجاة في الزوق. حينها لم يكن الفاعل تكفيرياً دينياً. إنما نظاماً ديكتاتورياً امنياً. ولكنه ارهابي ايضاً. ومن قال ان الارهاب يقتصر على العصابات؟ الانظمة ايضاً ارهابية احياناً. وما اكثرها في منطقتنا. اليس النظام السوري، الذي زجّ بشعبه في السجون، و”يرجمه” اليوم بالبراميل المتفجّرة ويخنقه بالاسلحة الكيماوية، أليس ارهابياً؟ أليست دولة اسرائيل التي تطرد الناس من بيوتها وتدمّرها وتقطع اشجار الزيتون في بساتينها… اليست ارهابية؟ أمثال تلك الانظمة ليست فقط ارهابية، إنما ايضاً تتحمّل جزءا من مسؤولية التطرّف الاسلامي التكفيري الارهابي.

نعم اصرّ على هذه التسمية. ولماذا الخوف من تسمية الامور بأسمائها؟ كما نقول ونكتب ان الصليبيين هم مسيحيون وان الحملات الصليبية كانت بإسم الدين وكانت خطأً، وكما كتَبَ التاريخ ان الفتح الاسلامي كان حرباً بإسم الدين ولنشره، كذلك اليوم نقول ان هذا الارهاب هو اسلامي تكفيري. يقول البعض انه “استعمال” للدين من اجل غايات سياسية. وأنه لا يمثّل الدين. صحيح. هذا كان يحدث منذ قرون. قامت به العديد من الديانات “الحجرية” (التي تؤمن بالحجر)، و”الكوكبية” (المؤمنة بالكواكب)، و”النارية” (بالنار)… قبل السماوية. قاتلت وتقاتلت بإسم الدين. هذا لا يعني ان كل ابناء الدين، الذي استُعمل من أجل غايات سياسية، هم اشرار. ابداً. ولا يعني ان الدين هو شرير. اطلاقاً. فلا دين شرير على وجه المعمورة. كل الاديان تدعو الى المحبة. ولكن الانسان الذي يريد الاستئثار بالله هو من يختار الشر. يصوّر إلهاً بحدود عقله البشريّ الضيّق. يفسّر احكامه بحسب مصالحه السياسية والمجتمعية والشخصية. فيكفّر من يعارضه. ويستبيح دمه. أليس هذا ما يقوم به اليوم بعض الاسلاميين الاصوليين التكفيريين؟ والخطر ان لهؤلاء أئمتهم ومشايخهم. هؤلاء يستعملون آيات دينية قرآنية. يجرون بواسطتها “غسل دماغ” ديني عقائدي لأتباعهم. ويرسلونهم ليقتلوا أنفسهم. يُقنعونهم انهم بذلك يقدّمون ذبيحة لله (إلههم) ويربحون الجنّة.

من هنا كانت الدعوات الى اصلاح الخطاب الديني. وكانت ابرزها من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. واصلاح الخطاب يتطلّب اصلاح الفكر. كون الخطاب ليس سوى تعبيراً عنه. ونزيد على هذه الدعوة، ضرورة اصلاح الهيكلية الدينية بحيث لا تسمح لأي “معمّم” ان يخطب بما يريد وبمن يريد من على منبر ديني. نتوقّف عند هذا الحدّ. فالمسألة لا تعالج في مقال صحافي. وفي الاصل ليست من اختصاصنا. إنها مسؤولية المرجعيات الدينية الاسلامية. وهي مسؤولية تاريخية اليوم لوقف جنوح العالم اكثر فأكثر نحو التطرّف الديني. لأن التطرّف يستدرج التطرّف.

رغم ضعفها تبقى مصر “ام الدنيا”. دنيا العرب، ودنيا الاسلام. وهذا يعود الى موقعها الجيوسياسي في العالمين العربي والاسلامي. ضعفها انسحب ضعفاً على “العائلة العربية” و”العائلة الاسلامية”. ما سمح لقوى اقلمية غير عربية ببسط نفوذها في الاقليم العربي. ولجماعات الفكر الديني المتطرّف من الاستفادة من أفول المشاريع السياسية الوحدوية واحتلال الساحات في العالم الاسلامي شرقاً (في المشرق العربي) وغرباً (في المغرب العربي) وجنوباً (في افريقيا السوداء). وحتى من العبور بحراً الى اوروبا ومنها الى اميركا. وكما كانت مصر في بداية القرن العشرين منطلقاً لانتشار الفكر الاسلامي المتطرّف التكفيري في العصر الحديث، من خلال جماعة الاخوان المسلمين، كذلك يمكنها اليوم ان تكون المنطلق لاصلاح ديني ينهي هذا التطرّف. ولكن يلزمها مساعدة سياسية واقتصادية وامنية.

سياسياً، يجب دعم النظام المصري في حربه ضد جماعة الاخوان المسلمين. وهذا الدعم يجب ان يكون عربياً واسلامياً ودولياً. عربياً يجب وقف الحملات الاعلامية ضده والتوقّف عن عزل مصر عن احداث المنطقة. اسلامياً يجب دعم “الازهر” كمرجعية دينية اولى في الاسلام – السنّي والعمل معها على اجراء الاصلاح الديني المطلوب والمنتظر ونشره في العالم الاسلامي. دولياً يجب دعم النظام المصري وعدم اعتماد سياسات مزدوجة معه (بينه وبين جماعة الاخوان والتنظيمات المتفرّعة منها). لقاء الرئيسين الأميركي والمصري دونالد ترامب وعبد الفتاح السيسي يبدو واعداً في هذا الاتجاه.

اقتصادياً، مصر ترزح تحت وطأة ازمة اقتصادية واجتماعية خانقة. فالدولة غير قادرة على “إعالة” الـ 90 مليون نسمة. الركود كبير. والنمو بطيء. والفقر يزداد. والنظام يخوض “حرباً اقتصادية” ضد جماعة الاخوان الغنية بأموال العشر والزكاة التي تقدّم لها دينياً، وبأموال الدعم الخارجي سرياً. في العام 2015 حدّد النظام، خلال مؤتمر شرم الشيخ الدولي، حاجته الى 300 مليار استثمارات للنهوض بالاقتصاد المصري. لم يحصل على اكثر من 60 مليارًا. من هنا يجب الاسراع في تأمين استثمارات كبيرة في مصر. كما يجب على النظام إعادة النظر في اولوياته الاقتصادية والاستثمار في القطاعات المنتجة. والاقلاع عن الاستثمارات غير المنتجة التي تهدف الى تخليد اسماء في التاريخ.

امنياً، المهمة صعبة. والمواجهة كبيرة ضد جماعة الاخوان والجماعات المتطرّفة الرديفة.  وهي تتطلّب دعماً مخابراتياً وعسكرياً. الادارة الاميركية الجديدة أعلنت عن استعادة الدعم العسكري للجيش والقوى الامنية المصرية. ولكن المسألة تتطلّب اكثر من ذلك اذا ما كانت واشنطن جادة وجدّية في محاربة الارهاب. صحيح ان “القاعدة” انطلقت تنظيمياً من افغانستان و”داعش” من العراق. ولكن افكار تلك المنظمّتين المتطرّفة انطلقت من مصر، من فكر الاخوان المسلمين.

إرهاصات الاصلاح الديني بدأت تظهر من خلال لقاءات “الازهر” وبياناته. يجب الاسراع به ولكن دون تسرّع. كما يجب دعمه وتشجيعه. وإلا حذار. فأقباط مصر هم الجماعة المسيحية الاكبر في المشرق. وهم مصريون اصيلون. لا يهاجرون. ولا يهجّرون.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

اخترنا لكم

خبر عاجل