مسيحيو لبنان: حملوا صليبهم… وبقوا

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” –  العدد 1606

13 نيسان 1975…. قالوا إن الحرب اللبنانية، بدأت من هناك. من بوسطة عين الرمانة. وبدأت القصة. تفاصيلها حبكتها الذاكرة 42 مرة كل 13 نيسان وفي كل ذكرى تتكشف حقائق وصور ومحطات ووجع لا يزال ينخر في العظام. وجع أم ثكلى على شهيد كان يملأ الأرض حبا وحياة، وجع أرملة نامت بين ذراعي الأب والحبيب لتستيقظ على كابوس الموت غير الرحيم للزوج والمعيل ومربي الأولاد. وجع ما تبقى من أمهات رحلن وهن يمسكن بحبات المسبحة التي لم تفارق أناملهن في انتظار مفقود أو معتقل في السجون السورية. وجع ما بعده وجع وآهات لم تخمد في أضلع من مست ضنا عمرهم. لكنها الحرب وفي خضمها لا مكان لفتوى الرحمة. هنا إما ان تكون قاتلا أم مقتولا. لكن من قال إن صليب الجلجة نزل عن أكتاف اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصا؟

من مجازر الدامور والجية والعيشية والجبل وزحلة والقاع وشناطة ودير بللا… وصليب وطن لا بل أوطان حمله المسيحيون ومشوا… وعلى درب الصليب ارتفعت أسماء قوافل شهداء خريف وطن بكاملة ولوائح مفقودين ومعتقلين في السجون السورية.

لكن درب الجلجلة لم يبدأ في 13 نيسان 1975. ثمة بدايات أخرى منها بدأت قصة ألام مسيحيي لبنان والشرق لاحقا في انتظار يوم القيامة.

13 نيسان 1975 كان الخوف حينذاك من قذيفة مفاجئة من رصاصة قناص همه أن يعود من مهمته بأكبر صيد ممكن من الطرائد البشرية، من حاجز طيار وسبت أسود يجعل من الناس الوافدين إلى أعمالهم إلى دفء بيوتهم وعائلاتهم مجرد ارقام في سجلات المفقودين والمعتقلين في السجون السورية. في ربيع 1975 كانت دائرة الحرب محصورة وضيقة لكن كلها كانت تؤدي إلى دائرة الحرب… إلى أرض المعارك. لكن من قال إن صليب المسيحيين ارتفع في ربيع ذاك اليوم من نيسان 1975 ولو كان كذلك لماذا لم ينزل عن اكتافهم مع انتهاء الحرب وتوقيع اتفاق الطائف في العام 1990؟ ولماذا لم تتحقق القيامة من حينه حتى اليوم؟

“صليب المسيحيين لم يرتفع في 13 نيسان إنما مع بداية خلق الكيان اللبناني”. الكلام للأب هاني طوق الذي يحمل في فكره ووجدانه الوطني والمسيحي تاريخ صليب آلام المسيحيين. ومن هذا التاريخ تبدأ طريق الجلجلة. “منذ 1500 عام والمسيحيون يحملون صليبهم. من الإضطهادات التي عاشوها في زمن الصليبيين والمماليك والفتوحات العربية والإحتلال العثماني والمسيحيون يسيرون على دروب الجلجلة التي مشاها السيد المسيح. ومع نشوء دولة لبنان الكبير لاح لهم حلم بتحقيق نوع من الإستقرار النفسي والتاريخي والديني والإقتصادي فسعوا إلى استثمار كل هذه العذابات ووضعها في خدمة الوطن الصغير لخلق ما يسمى بواحة من الحرية والحداثة والتقدم والتطور والإنفتاح على العالمين الشرقي والغربي والإسلامي. واستطاع المسيحيون أن يلعبوا هذا الدور بتجذرهم في الشرق وانفتاحهم على الثقافة الغربية فكانوا رسل اللغة العربية وواضعي ثوابت نهضتها”.

عدم تحميل لبنان وحده عبء الصراع العربي الإسرائيلي مع بداية الأزمة الفلسطينية وضع المسيحيين الذين رفعوا هذا النداء في خانة الإتهام. فخُوّنوا، واتُّهموا بالإنعزالية والإمبريالية ليس لشيء إلا لأنهم أرادوا الدفاع عن الوطن الحلم والإستمرار في العيش في كنف الحرية والإستقرار الذي كانوا يشيدون ركائزه لأجيال المستقبل. ويقول الأب طوق: “بين العامين 1920 تاريخ نشوء دولة لبنان الكبير والعام  1948 تاريخ نشوء دولة إسرائيل وبداية الصراع العربي – الإسرائيلي عاش المسيحيون فترة ذهبية غير مضطهدين. آمنوا بالدولة ألقوا سلاحهم، وانكفأوا إلى اعمالهم ومدارسهم ململمين تداعيات حرب المجاعة والجراد التي نالت من أجساد وأرواح مسيحي جبل لبنان في الحرب العالمية الأولى. مع بداية الصراع العربي الإسرائيلي تحولوا من جديد إلى شوكة في خاصرة العرب وعادوا ليكونوا عرضة للإضطهاد المباشر من خلال المجازر والإغتيالات التي ارتكبت في حقهم على أيدي فصائل المنظمات الفلسطينية وغير المباشرة من خلال التحريض الإعلامي. إلى أن كان الإنفجار الكبير في 13 نيسان 1975.

ذاك الربيع ربيع 1975 حمل المسيحيون وحدهم صليب المقاومة والدفاع عن الوجود لأن الجو العام في العالم العربي كان حاضرا لاحتقان القضية الفلسطينية وبما أن المسيحي كان يشكل الحلقة الأضعف في العالمين العربي والإسلامي تغير وجه الصراع من عربي ـ إسرائيلي إلى صراع فلسطيني ـ مسيحي. وآنذاك يقول الأب طوق ارتأى اللبنانيون المسلمون والعرب أن يقفوا في صف المنظمات الفلسطينية ظالمة كانت أم مظلومة. فشيطنوا المسيحيين ونعتوهم بأقصى عبارات التجني. ومن حينه بدأت مسيرة جلجلة جديدة لمسيحيي لبنان لكن هذه المرة تحت عنوان الدفاع عن الأرض والأعراض ،عن الحرية والتعددية وأيضا عن أسلوب الحياة في الوطن الحلم. ومن صفحات تلك الجلجلة يتذكر الأب طوق المجازر وحروب التهجير التي ارتكبت في حق المسيحيين، من العيشية والدامور والقاع وشناطة ودير بللا وزحلة والجبل وتل الزعتر… تعديات وحروب ومجازر ارتكبتها الفصائل الفلسطينية بالتعاون مع الحركة الوطنية ومما زاد من فظاعتها وتمددها غياب دور الجيش وانقسامه وتعطيل هيبة القوى الأمنية من خلال تشريع الوجود الفلسطيني مع توقيع اتفاق القاهرة عام 1969 وتطييف الصراع في لبنان. كل هذا عزز لدى مسيحيي لبنان هاجس بأن حربا إلغائية تخاض ضدهم فكان خيارهم الوحيد في حمل السلاح لمواجهة الطغاة والمقاومة بكل ما أوتوا من قوة وعلاقات داخلية وخارجية للحفاظ على وجودهم الحر الذين بذلوا لتحقيقه أرواحهم ولم يسألوا”.

جرح المرأة النازفة لا يزال مفتوحا. وصليب المسيح لا تزال تحمله أمهات الشهداء والمفقودين والمعتقلين في السجون السورية. جرح لا يزال مفتوحا في قلوب مئات العائلات في انتظار أن تصلها كلمة او برقية أو ربما رفات إبنها من داخل المعتقلات السورية. واللافت يشير الأب طوق أنه على رغم كل العلاقات والإتفاقات الثنائية اللبنانية ـ السورية لم يحدث أي خرق إيجابي في ملف المفقودين والمعتقلين في السجون السورية ولم يتمكن أي من السياسيين الذين أوكلوا مهام التحقيق في الملف أن يحمل خبرا جديدا أو أن يجرؤ على الإعتراف بوجود معتقلين في السجون السورية. أكثر من ذلك لم تكلف الدولة خاطرها في التعويض على الأسرى المحررين من السجون السورية بفلس واحد حتى، على غرار الأسرى المحررين من السجون الإسرائيلية. مع ذلك بقي المسيحي حاملا صليبه ويمشي يكافح ويقاوم ويناضل من أجل أن يبقى وطن الحلم مساحة للحرية والإلتقاء والوقوف إلى جانب المستضعفين لكن هذه المرة من دون أن يُستضعف ويُهاجم ويُشيطن ويُلعن.

تشرين الأول 1989 تم توقيع اتفاق الطائف، لكن صليب المسيحين بقي يسير معهم على طريق جلجلة الوطن الذي حلموا به سيدا حرا مستقلا. “وحدهم المسيحيون بقوا مستهدفين على الرغم من اتفاق الطائف الذي ارتضوا به إيمانا منهم بالتعددية والمشاركة والحفاظ على هذا الكيان .كانوا يأملون يقول الأب طوق، أن يعترف الآخرون بنهائية هذا الكيان لكنهم لم يوفقوا في تحقيق ذلك”. لماذا المسيحيون دون سواهم؟ نسأل. ويجيب الأب طوق: “لأن منطق المسيحي غفراني وينشد السلام “. لكن المسيح حطم الهيكل على رؤوس التجار، فهل يمكن ان يبقى المسيحي مهادنا ومستضعفا في محيط مشيطن؟ نستطرد. ويقاطع الأب طوق “صحيح والمسيح قال لنا “أرسلكم كالخراف بين الذئاب لكنه يدعونا أيضا لأن نكون حكماء كالحيات والحكمة في المفهوم المسيحي تقتضي أولا مخافة الله ومحبة القريب وتقتضي أيضا قبول الآخر أيًا يكن هذا الآخر. من هنا نفهم سبب عدم تفهم الفكر العربي الإسلامي لمنطق التعددية الذي كان مرفوضا في الماضي باستثناء ما كان يعرف بالذمية، بمعنى آخر يحق لك الوجود لكنك غير متساو مع الآخر”.

منطق يدعو ربما إلى القلق وإلى ضرورة مراجعة بعض المفاهيم الدينية وحتى تحديثها لتكون أقرب إلى منطق قبول الآخر وحقوق الإنسان والمواطنة والمساواة أمام القانون.

في أحد الشعانين عبَّد أطفال أقباط مصر طريق الجلجلة بدمائهم الطاهرة بعدما فجر إنتحاري نفسه في كنيسة مار جرجس في طنطا وآخر في كاتدرائية الكرازة المرقسية في الإسكندرية. وفي العراق التي لم يعد يتخطى عدد مسيحييها الواحد في المئة بعدما دفعوا ثمن الصراع الطائفي والدولي وإرهاب التنظيمات الإسلامية المتطرفية وصولا إلى مسيحيي سوريا وفلسطين… كلهم حملوا صليبهم ورحلوا عن أرضهم ليس حبا بالهرب “بل لأنهم أقلية ولأن المسيحي لا يؤمن بالسيف ولا يريد أن يقاتل وقد رُوّض على احترام القانون والدولة ويعرف في عمق إيمانه أن ما أُخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ. وبالتالي لا يستطيع مسيحيو الشرق الذين يشكلون أقلية في محيطهم أن يبادروا الشر بالشر ولا أن يقتلوا عدوهم”.

وحدهم مسيحيو لبنان حملوا السلاح ودافعوا عن أرضهم ووجودهم وهنا يطرح السؤال: هل كان صليب مسيحيي لبنان أقل نزفا؟ يجيب الأب طوق: “تطور مراحل الكنيسة المارونية والوجود الجغرافي في جبل لبنان أدى إلى تطوير مفهوم الدفاع عن النفس والمقاومة حتى لو تطلب منه ذلك أن يحمل السلاح وفعلها. ليس حبا بالقتل إنما للدفاع عن النفس والوجود. لذلك لم يكتب التاريخ مرة أن المسيحيين عموما والموارنة خصوصا بادروا في اقتحام قرية أو اعتدوا على أرض غيرهم ونكلوا بأهلها. حتى في خضم الحرب اللبنانية التي فرضت علينا لم يحصل ذلك. حتى شهداؤنا استشهدوا في قراهم دفاعا عن أهلهم وأرضهم وشرفهم.

ثمة من فكر أنه بعد خروج الإحتلال السوري من لبنان في نيسان 2005 تنتهي درب الجلجلة لدى مسيحيي لبنان. لكن صليبهم لا يزال ينزف والحروب التي تشن عليهم سببها عدم السماح لهم باسترداد روح المبادرة والعودة إلى كيانية الدولة المتمثلة بالمؤسسات والمشاركة في القرار وفي إعادة إحياء الوطن الملجأ والحلم والحرية واللقاء والمصالحة والمصارحة بين ابناء المنطقة الواحدة وبين الشرق والغرب.

إلى متى سيصمد هذا المسيحي الحامل على كتفيه صليب الجلجلة منذ ما قبل نيسان 1975؟ العارفون بتاريخ المسيحيين الذين عاشوا في مغاور وادي قنوبين يجزمون “مسيحيو لبنان قادرون على الصمود والبقاء على الرغم من كل محاولات تهميشهم واضطهادهم. مسيحيو لبنان لم ييأسوا منذ 13 نيسان 1975 ولم يستسلموا ولن يفعلوها اليوم. ما زالوا يبادرون ويقاومون بالقانون وبسيف الدولة من أجل البقاء والتعددية وقيام الوطن الذي من أجله استشهد الآلاف اللبنانيين. لكن ماذا لو خذلهم القانون ومحاولات فرض سلطة الدويلة على الدولة؟ يجيب الأب طوق: “اليوم هناك استحقاق قانون انتخابي جديد وأنا على يقين بأن قانون النسبية الذي تحاول بعض الأطراف السياسية فرضه لن يبصر النور لأنه يشكل نوعا من الإستعباد والإضطهاد غير المباشر في بلد مقطع طائفيا وتسيطر عليه الفصائل الدينية بإسم المقاومة وأسماء أخرى. النسبية الكاملة في بلد على غرار لبنان تعني “كل ما هو لي هو لي وكل ما هو لك هو لك ولي” وبذلك أصبح كمسيحي تحت رحمة العددية والسلاح والتكفير والتهجيرأو العودة من جديد إلى الذمية والقبول بالأمر الواقع. من هنا أطرح السؤال على مسيحيي لبنان: “هل تريدون العودة إلى الذمية أم الصمود من جديد والمقاومة والنضال من أجل وطن تحترم فيه حقوق الناس سواسية امام القانون؟

مات وقبر وقام في اليوم الثالث. وفي اليوم الثالث ستكون القيامة الحقيقية في لبنان. تلك القيامة التي من اجلها حمل المسيحيون صليب المقاومة منذ 13 نيسان 1975 وقبل هذا التاريخ ربما. القيامة آتية؟ لا محالة يجزم الأب طوق ولبنان لن يفرغ من مسيحييه لأن الموارنة مع الزمن أصبح انتماؤهم إلى الأرض أقوى من انتمائهم إلى الكنيسة. فالأرض بالنسبة إلى موارنة لبنان هي أرض اورشليم والتخلي عن هذه الأرض يعني التخلي عن الله ومع يسوع إبن الله سنحمل صليبنا ونبقى في هذه الأرض.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or:[email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل