خاص “المسيرة” – واشنطن: إسقاط الأسد ضمن استراتيجية ترامب الجديدة

كتبت “المسيرة” – العدد 1606

بقدر ما شكلت الغارة الأميركية على أهداف تابعة للنظام السوري في تحرك سريع ومباشر من بدء الحرب السورية مفاجأة على المستويين الإقليمي والدولي لا سيما لجهة الانزعاج الروسي والإيراني الواضح من الدخول الأميركي على خط مصالحهما في هذه الدولة، بقدر ما كانت نقطة الانطلاق لعودة واشنطن الى العمل على خريطة التنفيذ والتخطيط والتدخل المباشر بعد التخبط الواضح منذ مغادرة العراق، وبفعل سياسة التراجع الذي انتهجها الرئيس السابق باراك أوباما.

عامل المفاجأة يكمن في مدى سرعة التغيير التكتيكي في التعامل الأميركي مع الأوضاع في سوريا مقارنة مع ما كان سائداً في الإدارة السابقة،  بحيث بدت الغارة – بمعزل عن مدى فاعليتها على المستوى  العسكري البحت على صعيد البدء بتدمير قدرة نظام الأسد الجوية بشكل كامل – كما لو أنها الحدث او القرار المنتظر من قبل إدارة ترامب ولذلك اهتم المراقبون في واشنطن كما خارجها باستشراف الأبعاد الحقيقية التي أدّت إلى اتخاذ هذا الموقف الأميركي على المستوى السياسي وتنفيذه في الزمان والمكان بسرعة قصوى، لا سيما في ضوء عدم استبعاد البيت الأبيض تكرار الغارات في حال جدّد النظام استخدام الأسلحة الكيميائية، إضافة إلى معرفة ما إذا كان يلوح في الأفق تنفيذ أي سيناريو جديد لسوريا وللمنطقة ككل. قد يقترب هذا السيناريو من وضع حلول للنزاعات القائمة أو قد يبتعد بقدر ما تكون عناصر التسوية قد اكتملت على الأرض وداخل الغرف الدولية المغلقة.

وفي ضوء ذلك خرج المراقبون بسلسلة استنتاجات.

أولاً: لقد كان استخدام نظام بشار الأسد للأسلحة الكيميائية بمثابة الحفرة الإضافية التي سيقع فيها في نهاية المطاف، وبالتالي فإن الرسالة الأولى من وراء الغارة الأميركية هو إسقاط عامل الحماية والغطاء الذي توفره روسيا والنظام الإيراني من أجل استمرار نظام البعث في حملته العسكرية، وبالتالي تجريد هذه الحملة من هدفها المعلن من قبل هذا النظام باستهداف الجماعات الإرهابية وإعادة الاستقرار إلى سوريا كما يدّعي، وكشف هذه اللعبة أمام الجميع بأن ما يقوم به النظام هو بالفعل استهداف المدنيين في المناطق التي يعمل فيها على تحقيق ما يشبه ” الترانسفير ” الداخلي في البلاد على أساس عرقي طائفي مفضوح، وبالتالي فإن لعبة  الكيميائي أضحت كمن يدس السمّ لنفسه، ونجحت إدارة ترامب في المبدأ بوضع خط أحمر فعلي على عكس الخط المزيف الذي وضعه الرئيس السابق باراك أوباما.

ثانياً: على هذا الأساس، شكلت الغارة الأميركية وقبل استشراف كامل انعكاساتها في المستقبل أو أنها ستتوقف عند هذا الحد، أو تكون بمثابة التدخل اليتيم، نقطة تحول في قرار المؤسسة العسكرية والسياسية الأميركية على حد سواء، وهي عكست بالتالي توجها واضحاً للعودة إلى لعب الدور القيادي الطليعي على مستوى الأحداث الدولية والإقليمية بعد سنوات من التراجع في عهد الإدارة السابقة، فتكون هذه الإدارة تعوّض ما خسرته من هيبة دولية يوم حرّك الرئيس السابق أوباما الأساطيل الأميركية نحو البحر المتوسط في عراضة عسكرية سقطت عند أول مفترق بأن سار أوباما نفسه في ما يمكن وصفه ب ” مسرحية ” تدمير الترسانة الكيميائية العائدة للنظام السوري. وهكذا تكون الغارة أدّت دورها في هذا السياق لجهة ردّ هيبة واشنطن، فلا تسليم بعد اليوم بأي دور روسي مطلق في سوريا تماماً بعدم كان حاول وزير الخارجية السابق جون كيري التوصل إلى صفقة التعاون مع موسكو عبر قبوله توقيع اتفاق في هذا الخصوص مع نظيره الروسي سيرغي لافروف في فيينا لولا تدخل وزير الدفاع آشتون كارتر خلال اجتماع عاجل لمجلس الأمن القومي عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة بإسقاط مثل هذا الاتفاق الذي لا يمكن أن يقوم بين دولتين عدوتين كونه يتضمن الشق العسكري الحساس، وخروج السفير الروسي الراحل والسابق في الأمم المتحدة فيتالي تشوركين عن طوره بالسؤال صراحة يومها من يحكم واشنطن وزارة الدفاع أم البيت الأبيض؟ وهكذا إذاً تكون هذه الغارة مدخلاً لكي تفاوض الولايات المتحدة روسيا من موقع القوة حول أي خطة مستقبلية لمعالجة الأزمة في سوريا.

ثالثاً: تبعاً لذلك وبعد انطلاق الشكوك قبل نحو ثلاثة أسابيع حول خلفية الموقف الأميركي المستجد لجهة القبول بربط مصير بشار الأسد بما سيقرره الشعب السوري، وتفسير ذلك على أنه موافقة ضمنية  على عدم الإطاحة بالأسد، أعلن مستشار الأمن القومي الأميركي الجنرال المتقاعد ماك ماستر صراحة أن لدى إدارة الرئيس ترامب اليوم هدفان تسعى لتحقيقهما في سوريا وهما: هزيمة تنظيم “داعش”، وإزاحة الأسد عن السلطة، ولعل إضافة الهدف الثاني بإزالة الأسد قد لا يكون مستجداً في قاموس الإدارة الأميركية على قاعدة درس الخيارات المتاحة في سوريا، بحيث يعتبر المراقبون أن واشنطن تدرك حكما أن مقولة ربط مصير رأس النظام في سوريا بما يقرره الشعب السوري، هو ربط ساقط حكماً لأنه لا يعبر عن حقيقة وقائع الأوضاع في سوريا، فالعالم أجمع يدرك حقاً أن الشعب في سوريا أصبح موزعاً – بعد ست سنوات على انطلاق الثورة السورية –  بين القبور والسجون ودول اللجوء، ومن بقي من هذا الشعب ليس إلا قلة قليلة تدين بالولاء الأعمى لنظام البعث في سوريا إما من منطلق عامل المصلحة والولاء العرقي، وإما خوفاً من هذا النظام، وبالتالي فإن الإعلان عن الموقف الأميركي الجديد لجهة اسقاط رأس النظام السوري، سيكون في مقدمة أي صفقة مع الروس حول هذا البلد.

رابعاً: تؤكد مصادر اميركية رسمية أن إدارة ترامب وجدت نفسها أمام إعادة ترتيب الأولويات وفق مبدأ يقوم على اختيار المعركة التي يمكن الربح فيها، وبالتالي فإن معركة واشنطن الحالية التي تحقق نجاحاً هي اولاً الاستمرار في التصميم على هزيمة تنظيم “داعش”، وثانياً التوصل إلى تسوية كبرى مع اللاعب الروسي تقضي برسم خطوط الحل في سوريا مع التشديد من قبل الإدارة الأميركية على ضرورة تقليص وإخراج الدور والنفوذ الإيراني من سوريا بقدر الإمكان وبأسرع ما يمكن حيث طالبت واشنطن موسكو بإيجاد الصيغة المناسبة للوصول إلى هذا الهدف، وتأتي الغارة إذاً في  سياق ممارسة الضغوط في سوريا على شتى اللاعبين حتى يمكن الوصول إلى إحداث التغيير المطلوب في هذا البلد، على قاعدة إرساء حل يقتنع فيه الجميع ان الأسد لن يملك أبدا القوة الكافية لإعادة بسط سيطرته على البلد بأكمله .

خامساً: كانت الغارة بمثابة ” البروفا ” المشجعة للدول التي قد تشترك في حماية المناطق الآمنة بعد إقامتها في سوريا، وتكون الولايات المتحدة قد وضعت المدماك الأول في المناقشة التنفيذية لكيفية إنشاء هذه المناطق مع حلفائها وتحميلهم تبعات ذلك كل بحسب مسؤولياته، وتطرح المصادر الأميركية الرسمية على الأطراف المعنية الأسباب الموجبة لإنشاء هذه المناطق، وفي مقدمها الحفاظ على الانجازات التي ستتحقق في ساحة المعركة بعد هزيمة تنظيم “داعش”، وللحؤول دون ترك هذه المناطق تعيش في فوضى عارمة، حيث أن صيغة المنطقة الآمنة تكفل بداية ضمان الأمن في أي منطقة يتمّ إنشاء حزام أمني فيها بتوافق اللاعبين على الأرض، ومن ثمّ خلق الظروف المؤاتية التي تضمن عودة السكان المحليين أولاً، وفي مرحلة ثانية النازحين إلى هذه المناطق. وتسعى واشنطن إلى ضمان استقرار الأوضاع في المناطق الآمنة حتى ولو بحزام النار من الجو والبحر.

سادساً: تبقى الإشارة إلى أنه على المستوى العسكري أثبتت الغارة ان لدى الولايات المتحدة الأميركية الخطط الجاهزة للتدخل الحاسم في الزمان والمكان المناسبين، وان ما ينتظره العسكر هو فقط القرار السياسي للتنفيذ على الأرض، حيث أن أي تحرك عسكري منذ الآن فصاعداً سيكون معبّرا حقيقة عما تريده الإدارة السياسية في البيت الأبيض.

في ضوء كل ما تقدّم فإن إدارة الرئيس دونالد ترامب مصممة على مواجهة خطري التطرف، المتمثلان بتنظيم داعش، وبنظام الملالي في طهران، وتالياً وضع الأسس الكفيلة بإعادة الاستقرار إلى لبنان.

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل