“حزب الله” في أرض المعركة… من جبهات سوريا إلى قانون الإنتخاب والعقوبات

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1607

في 22 كانون الأول 2016 وبعد حسم الوضع العسكري لمصلحة النظام السوري وحلفائه في حلب خرج الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله ليعلن أن هدف إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد قد انتهى. بعد خمسة أشهر على هذا الكلام يبدو أن مفعوله قد انتهى. فما كان يصح قبل تولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقاليد الرئاسة الأميركية لم يعد يصح بعده. وبات على “حزب الله” أن يستعد لحرب طويلة جديدة في سوريا تهدد هذه المرة مصير النظام، بالإضافة إلى استعداده لحروب أخرى من العقوبات الأميركية الجديدة إلى قانون الإنتخاب.

قال نصرالله مبشرا بالنصر الذي طال انتظاره: “إن ما تحقق في حلب سببه التضحيات التي قدمت من قبل الدولة والجيش والشعب في سوريا وبفضل المقاومين الذين كان لديهم العزم على الانتصار، فالانتصارات في سوريا هي نتيجة وجود قيادة وجيش وشعب وحلفاء ومقاومين أصرّوا على منع سيطرة “داعش” و”النصرة” على سوريا”.

وتابع أن “معركة حلب انتصار وتطور كبير وبالغ الأهمية لجبهتنا، وفي المقابل هي هزيمة للفريق الآخر، وبعد معركة حلب سقط هدف إسقاط النظام في سوريا… إن انتصار حلب يمكن أن يفتح آفاقا جديدة أمام حلول جديدة للأزمة السورية… فحلب غيّرت الكثير من الحقائق … هذا الإنجاز هو إنجاز لكل الذين ضحوا وسقطوا في حلب”.

ولكن حسابات نصرالله وإيران والنظام السوري انقلبت رأسا على عقب. لقد حاولوا تحقيق إنجاز عسكري في حلب قبل انتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية من أجل الإستفادة من مرحلة الضياع الأميركي واستمرار سياسة أوباما المترددة. وبعد حلب اعتقدوا مع الروس أن بالإمكان فرض حل سياسي لإنهاء الأزمة بما يمكن أن يثبت ما ذهب إليه نصرالله وهو أن هدف إسقاط النظام قد سقط ولكن ما يحصل اليوم على الأرض السورية يثبت أن هدف إسقاط النظام قد بدأ.

شعار بعد حلب حل محله شعار ما بعد خان شيخون. قبل خان شيخون التي قصفها النظام السوري بالأسلحة الكيماوية كان هناك كلام في واشنطن عن أن إسقاط الأسد لم يعد أولوية وأن هذه المسألة يقررها الشعب السوري. ولكن بعد خان شيخون لم يقتصر الرد الأميركي على الكلام. في العام 2013 تردد الرئيس أوباما وهدد بقصف مواقع سورية تابعة للنظام بعد استخدامه الأسلحة الكيماوية من الغوطة الشرقية. تدخلت موسكو وتعهد الأسد تسليم كامل ترسانته الكيماوية. لم يكن إسقاط النظام هدفا أميركيا ولا مرة منذ بدأ الصراع في سوريا في 15 آذار من العام 2011. كان المطلوب أن يستمر القتال وأن تتحول سوريا إلى خطوط تماس بين قوى النظام وداعميه من الإيرانيين و”حزب الله” وبين القوى الأصولية المتطرفة. بعد ستة أعوام يبدو كأن الحرب تبدأ اليوم من جديد.

كان “حزب الله” يراهن بناء على ما أعلنه أمينه العام السيد حسن نصرالله أن بإمكانه أن يرتاح عسكريا وأن يخرج جزئيا من المعركة وأن يقلل من خسائره الفادحة ولكن ما يحدث اليوم يجعل الحزب في حال استنفار جديدة وبالتالي فهو مضطر لإرسال المزيد من قواته إلى سائر الجبهات السورية وإلى توقع تكبد المزيد من الخسائر في ظل واقع عسكري وسياسي واستراتيجي متغيّر. فقبل القصف الأميركي على مطار الشعيرات السوري كان الروس يمسكون بمفاصل القرار العسكري الذي يتحكم بمسار المعارك على الأرض. ما فعله ترامب في سوريا كأنه نصف انقلاب في انتظار استكمال نصفه الآخر وهو يخوض معركة على جبهتين: القضاء على “داعش” وتحجيم مناطق سيطرة النظام وقوته من أجل فرض حل سياسي في سوريا توصلا إلى إقامة نظام جديد.

يتحرك “حزب الله” وإيران والنظام في سوريا على جبهات كثيرة ولكن المعارضة تتحرك في شكل أساسي على جبهتين: الجبهة الشمالية التي تتولى فيها الأمرة العسكرية قوات سوريا الديمقراطية وتستهدف في شكل أساسي مدينة الرقة آخر معاقل “داعش” الرئيسية بالتزامن مع الإتجاه نحو حسم معركة الموصل في العراق. وفي الجبهة الجنوبية سيكون الإعتماد على قوات تابعة للجيش السوري الحر بمحاذاة الحدود الأردنية وصولا إلى درعا التي انطلقت منها شرارة المعارضة. وفي إطار هذه المعركة يمكن أن تسيطر المعارضة على مواقع التنظيمات الأصولية وعلى آخر ما تبقى للنظام من مواقع على جبهة الجولان في بلدة حضر. هذا الحسم إذا حصل في ظل غطاء جوي أميركي يمكن أن يقود إلى تهديد العاصمة دمشق. وبالتالي فإن أقصى ما يمكن أن يطمح إليه النظام السوري وحلفاؤه بعد هذه المرحلة هو القبول بالدستور الروسي لسوريا الذي يطرح نوعا من الحكم الفدرالي واللامركزية في السلطات الإدارية والعسكرية والسياسية في حال بقي هذا الدستور مطروحا خصوصا أن النظام رفضه وأعطى ملاحظات خطية مكتوبة على بنوده.

تجاه هذا الواقع ماذا يفعل “حزب الله”؟ لا يستطيع الحزب أن يخرج من الحرب السورية. ولذلك لن يتنازل في لبنان. لا يقبل الحزب بخسارة عسكرية متوقعة هناك وبخسارة سياسية من خلال قانون الإنتخابات في لبنان ومن خلال العقوبات الأميركية التي ستفرض عليه. ولذلك سيتشدد في موضوع قانون الإنتخاب من أجل أن يخلق منطقة أمان سياسية من حوله تحسبا لما يمكن أن يحصل في دمشق. وهو يريد أن يحتاط للتخلص من مفاعيل العقوبات الأميركية التي ستكون أكثر تشددا من تك التي اتخذت أواخر عهد أوباما. لذلك يعتبر الحزب أن هناك أياما قاسية تنتظره. فالإنقلاب في المشهد السياسي لا يقتصر على الساحة السورية وحدها بل على مساحة الشرق الأوسط والعالم. من سوريا إلى كوريا الشمالية. واستراتيجية أوباما التي قامت على التساهل مع إيران بعد الإتفاق النووي تتبدل اليوم في شكل كامل لتحل محلها استراتيجية التعاون مع المملكة العربية السعودية ودول العالم العربي. ومن هنا يأتي الحديث عن قطع الطريق البري الذي يربط إيران بسوريا و”حزب الله” في لبنان عبر العراق.

لذلك أيضا يتمسك “حزب الله” بحلفائه ويتشدد في علاقته مع رئيس الجمهورية و”التيار الوطني الحر”. فهو لا يقبل أن تتشكل أي أكثرية نيابية خارج إرادته في هذه المرحلة وبعدما خسر في مسألة التمسك بالفراغ في قصر بعبدا كهدف وارتضى انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية، وبعدما تساهل في موضوع تشكيل الحكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري، لا يمكنه أن يتنازل في ما يتعلق بالمجلس النيابي. ولذلك سيحاول أن يفرض القانون الذي يريده وإن لم يستطع سيعمل على التمديد بالقوة من دون مراعاة اعتراض رئيس الجمهورية والشارع المسيحي لأنه أيضا لا يريد أن يسمح للرئيس بأن يتحرر من شرط العلاقة الملزمة معه كشرط للحكم.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

اخترنا لكم

خبر عاجل