ربع السّاعة الأخير وإسقاط الهيكل

تتزاحم الملفّات الطّارئة في الدّولة اللبنانيّة، منها الإجتماعي والسياسي العام، والأمني والوجودي، لكن الأولويّات لا تتزاحم. فالشّأن الإجتماعي ينظّم في كلّ الأوقات، والشّأن الأمني يعالج مهما كانت خطورته داهمة لأنّنا نملك قوى أمنيّة فاعلةً، وجيشًا قادرًا وقويًّا متى تمّ تحريره من نير القرار السياسي. فلماذا قانون الإنتخاب أولويّة؟ وهل الملفّات الأخرى المطروحة ليست مهمّة؟

لقد دخلنا في ربع السّاعة الأخير ولم نصل بعد إلى قانون انتخابي يُجمع حوله كلّ الفرقاء اللبنانيّين. فالإجماع مطلوب لكن ما ليس مطلوبًا أن يكون هذا الإجماع على حساب أحد، ولو كان هذا “الأحد” أمّ الصّبي. الثّابت الوحيد في قانون الإنتخاب أنّه مسألة وجوديّة لأنّه يؤكّد وجود كلّ مكوّنات المجتمع في صلب تركيبة الدّولة. فكلّ من يشعر بغبن ما إنّما يضمن وجوده في ظلّ قانون انتخابيّ يحرّر صوته من أثقال العدد وتبعيّة السلاح غير الشّرعي الذي يعطي حامليه قوّة استثنائيّة سرعان ما ستزول مع زواله بزوال علّة وجوده الحقيقيّة في ظلّ وجود الدّولة.

نعم يا سادة، إنّ الدّولة هي الضّامن الوحيد لكلّ المواطنين، من هذا المنطلق من مصلحة الجميع أن يعملوا مجتمعين على تمتين أواصر هذه الدّولة التي بقيت موجودة حتّى في سنين الحرب حيث حافظت “القوّات اللبنانيّة” على نواة وجودها من خلال حفاظها على المؤسّسات في مناطق تواجدها، وصولا إلى مرحلة إعادة بنائها، فكانت “القوّات” السّبّاقة في تسليم كلّ مقدّراتها ووضعها في حساب الدّولة اللبنانيّة. وهذا ما أخذه البعض سلبًا على رئيسها الدّكتور جعجع آنذاك وثبّتوا مقولتهم بالممارسات الأمنيّة التي تعرّض لها “الحكيم والقوّاتيّون” طوال سنين الوصاية والإحتلال السوري. لكن الواقع واضح كالشّمس، لم يملك أحد هذه الجرأة، وهم يتحجّجون اليوم بما حدث مع “القوّات” كي لا يسلّموا مقدّراتهم للدّولة ويتناسون بأنّ “القوّات” ليست وحدها هذه الدّولة كما كانوا هم، كيف ذلك وهي التي ارتضت بالشّراكة حتّى على حساب مصالحها الخاصّة أحيانًا، وعملت وتعمل في كلّ حين على تقوية الدّولة التي تعتبرها أساس وضمان وجودها.

من هذا المنطلق ولضمان الوجود الحرّ في لبنان كانت “القوّات اللبنانيّة” الحاضر الأوّل في زمن السّلاح والحرب للدّفاع عن هذا الوجود، وهكذا هي اليوم في الموقع نفسه، الحاضر الأوّل في الدّفاع عن الوجود المسيحيّ الحرّ. لا بل أكثر من ذلك، فما لم ترتضيه “القوّات” من ظلم عليها لن ترتضيه على غيرها. من هنا كان العمل على إيجاد قانون انتخابيّ يضمن حقوق كلّ مكوّنات الوطن الإجتماعيّة بما فيها المكوّن المسيحي. فجاء طرح القانون المختلط ورفض الأورثوذوكسي الذي لم يقبل به كلّ اللبنانيّين وقتما طرح، لا سيّما حلفاء “القوّات”. أمّا اليوم فبالطّرح النّسبي يعودون ليأسروا الصّوت المسيحي بفذلكاتهم النّسبيّة. النّسبيّة المطلقة التي تأسر الصّوت المسيحيّ وغيره من أصوات المكوّنات الوطنيّة لحساب مكوّن واحد يتفوّق بالعدد، مرفوضة رفضًا قاطعًا حتّى لو تمّ إقرار حقّ المغتربين، كلّ المغتربين بالتّصويت في السّفارات اللبنانيّة في أصقاع الأرض قاطبة. ولا يتشاطرنّ أحد على الإحصاءات الطّائفيّة، فالكلّ يعرف أنّ مسيحيّي لبنان صاروا الخمير الذي بواسطته اختمر عجين العالم، من البرازيل إلى أوستراليا فكندا وأوروبا.

والعودة إلى قانون السّتين مرفوضة، والتّمديد مرفوض لأنّه يزعزع الثّقة بالعهد؛ ومن يسعى إلى فرض التّمديد إنّما يكون بطريقة غير مباشرة، يسعى إلى ضرب هذه الثّقة المطلقة التي أولاها كلّ اللبنانيّون للعهد. ماذا وإلا لو كان بعض ممّن أولى هذه الثّقة قد أولاها مرغمًا بعد اتّفاق المسيحيّين. والفراغ ممنوع حتّى لو لم تحذّر منه جهات دوليّة لأنّنا نؤمن بالدّولة؛ وقد ثبّتنا هذا الإيمان من خلال دفاعنا عنها يوم تخلّى الكلّ وأنشؤوا دويلاتهم، وبعضهم ما زال حتّى هذا اليوم يبدّي دويلته على حساب الدّولة، والأكثر يسعى إلى قضم الدّولة كلّما سنحت له الفرصة بذلك. وما ملفّ قانون الإنتخاب إلا وسيلة  “شريفة” من هذه الوسائل.

من هذا المنطلق، ضرورة تحصين الوضع الدّاخلي أولويّة، وأولويّات الأولويّات في هذه المرحلة هي قانون الانتخاب الذي يُعتبَر الضّامن الوحيد لكلّ المكوّنات، في ظل تطوّرات ومتغيّرات دوليّة وإقليميّة متسارعة جعلت من الملف اللبناني يتدنّى في سلّم الأولويّات الإقليميّة والدّوليّة مع تبلور إستراتيجية أميركية جديدة في المنطقة تقوم على عنصرين أساسيين ومتلازمين: القضاء على “داعش” وإحتواء النفوذ الإيراني. كذلك لا يمكن إغفال عمليّة خلط الأوراق على الساحة السورية من جراء التغيير في السياسة الأميركية وتراجع مستوى التّدخلات ليصبح منحصرًا في المرحلة القريبة بالدّولتين الأساسيّتين في الصّراع، أي الولايات المتّحدة وروسيا وتراجع النّفوذين التّركي والإيراني.

كلّ هذه المعطيات الدّاخليّة والإقليميّة تحتّم عدم الفراغ ولا حتّى التّمديد وضرورة إقرار قانون انتخابيّ جديد يعيد إنتاج السلطة السياسيّة بشكل صحيح تتحرّر فيه كلّ الأصوات من حبال وأدران العدد والمحادل الإنتخابيّة. فالملف الإجتماعي ضاغط جدًّا، وبات من الملحّ تحسين الوضع المعيشي من خلال إقرار سلسلة رتب تموّل من هدر الفاسدين، كذلك الملف التّربوي حيث تحوّلت مدارس لبنان الرّسميّة تحت وطأة ملف النّازحين السّوريّين إلى مدارس لهم، فتمّ استنزاف هذا القطاع حتّى الأنفاس الأخيرة.

لبنان لا يريد أموالا لاحتواء أزمة النّازحين، بل ما يحتاجه فعليًّا، هو حلّ حقيقيّ لهذا الملف من خلال عودتهم إلى بلادهم سالمين. لكن قبل كلّ شيء للحفاظ على الوجود الحرّ في لبنان لكلّ المكوّنات الإجتماعيّة فيه، يجب إقرار قانون انتخاب ضامن للكلّ. فهل الغيارى الذين يدّعون الحرص على الوطن والدّولة هم فعلا يريدون الوصول إلى قانون انتخابيّ؟ أم أنّهم يلعبون في ربع السّاعة الأخير في محاولة لإسقاط الهيكل؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل