اعتقلوا الحكيم اعتقلوا الحكيم… واُسر لبنان

 

 

 

 

كتبت فيرا بو منصف في العدد 1607 من مجلة المسيرة:

 

صغارا، حفظنا عن ظهر قلب، أهم درس في كتاب التاريخ وهو قصة الاستقلال، يروي الكتاب فيما يرويه، عن اعتقال الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح بأوامر المفوض السامي الفرنسي الذي يخبرون أنه صرخ يومذاك غضبا بسبب نزعة هؤلاء الى الاستقلال “اعتقلوهم، اعتقلوا رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة” واعتقل معهم وزراء ونواب، وسجنوا جميعا في قلعة راشيا، ومنعت الصحف من الصدور وعمت الإضرابات شوارع لبنان “بدنا بشارة بدنا رياض”، وحصل ما حصل وأُفرج عنهم بعد أيام قليلة وتحقق استقلال لبنان، ليس درسا في التاريخ، لكن أتذكر أني عايشت لحظات اعتقال زعيم مختلف لأجل الاستقلال، ما إن اُدخل السجن حتى صرخ لبنان حرروني… وفجأة قطعت الأخبار وصدر جديد عن مكتب التحرير…

اعتقلوا الحكيم اعتقلوا الحكيم! خبر كاذب بالتأكيد، مستحيل أن يفعلوها، ما رفضنا أن نصدقه كان هو الواقع الصادم الوحيد الحقيقي في بلد، كان كل شيء فيه كاذب مقنّع متفجّر بالشائعات، بلد محتل من رأسه حتى آخر رمشة جفون، ومن أسوأ جيوش الاحتلال على الإطلاق، جيش النظام السوري. كانت صدمة تفجير كنيسة سيدة النجاة ما زالت تدوّي فينا، وتمريرات أزلام السوريين تركّز على اتهام سمير جعجع و”القوات اللبنانية”، ضحكنا بداية، قلنا هذه نكتة تافهة، لم يكن عقلنا الصافي ليتصوّر حجم شر بهذا القدر، أو لنقل حجم حقد يفوق أي تصوّر، حقد تفجّر بأجساد أبرياء على مذبح الرب ليصطادوا “القوات اللبنانية” وسمير جعجع وكل من تسوّل له نفسه ان يطالب باستقلال البلد، “اعتقلوه، اعتقلوه” صرخ زلم غازي كنعان وعبد الحليم خدام، وعاد الزمن الى الوراء من جديد وإن كان الفارق بين الانتداب الفرنسي والاحتلال السوري كالفارق بين الأرض والسماء.

خلص انتهى الزمن، وقف هنا، كان زمن الصوم، كنا نحضر حكاية المسيح على الشاشات، ليلة قبلة يوضاس حين اقتادوا السيّد الى الفريسيين، شعرنا أن المسيح يدخلنا معه في التجربة، صلبنا المسيح على درب جلجلة، على صليب الاحتلال وقال لنا “قاوموا لأجل إسمي، لأجل لبنان الذي وطأته يوما ولم تعرفوا كيف تحافظون عليه”. أكان يقاصصنا؟

جلسنا في الليل نتساءل، هل تخلى يسوع عنا؟ أتقبل العذراء مريم أن يفعل ابنها بنا ما يفعله؟ أتقبل أن يُعتقل ظلما من قاوم وضحى واستشهد لأجل حرية وطنه، أتقبل ان يدخلوه سجون الاحتلال؟! كان الزعل مشوبا بالضياع المطلق، كنا أسرى اللحظة ولم نستوعب ان السجين من هناك، من داخل العتمة، من تحت الأرض وتحت وطأة التعذيب النفسي المتواصل وفي الأغلال، سيتحوّل الى حر وحرَ ونحن المعتقلين…

اعتقلوه واعتقلوا معه قوافل الشباب، قبل وصوله كان رفيقه فوزي الراسي استشهد تحت التعذيب، والتقى الموكبان عند تقاطع طريق واحد، مقاوم خرج من الاعتقال في نعش أبيض يتجه نحو باب القبر، وآخر مقيّد بالأغلال يتجه نحو باب الزنزانة والقضية واحدة. كيف كان لنا في تلك اللحظة بعد أن نبقى نؤمن بالعدالة، بالوطن، بأنفسنا، بما تبقى فينا من نبض مقاومة… مقاومة؟ لأجل من؟ مع من؟ أين وكيف وبمن يمكن أن نثق بعد؟

في الوهلة الأولى سقطنا في التجربة. جلسنا القرفصاء في شارع الوطن نخبئ وجوهنا من عار ما حصل، والطنين وغبار الشائعات والخوف أعمى بصيرتنا، أطفأ شعلة مقاومتنا، هربنا الى ليلنا نختبئ من الآتي الأعظم وكان أعظم بعد. تشردنا حتى في منازلنا، هرعنا الى خزائننا نخبىء البدلات الزيتية كي لا يعتقلوا الأهل والأخوة بسببنا، صرنا خطر البيوت، صرنا اللعنة، صرنا الطريدة الأطيب لعملاء الاحتلال، بالنقيفة يصطادوننا، ومن بيت الى بيت، من ضيعة الى ضيعة، وصارت شوارع المدن حلالا مستباحا لهم، دماؤنا عرسهم، إذلالنا عيد أعيادهم، فرحوا، قهقهوا، سكروا على أصوات شبابنا يصرخون تحت آلات التعذيب “دخيلك يا حكيم”، والحكيم الى الجهة المقابلة يسمع بصمت رهيب ويصرخ في داخله الألم كعويل ليل بين المقابر.

عذبوه بهم، كذبوا عليه وأخبروه أنهم اعترفوا بكل الجرائم المفترضة التي نسبوها له ولـ”القوات”، ولم يصدّق، “هودي شبابي وأنا بعرفهم واحد واحد، لا يوضاس بيننا، لا جبناء بين المقاتلين الشرفاء، شبابي رفاقي أصحابي ولاد عيل بيحبوا بلادن ومخلصين إلها وللقضية، هودي أهلي وكل ناسي، هؤلاء شجعان ما بينهاروا حتى تحت التعذيب الوحشي” وصدق إحساسه، وعلى رغم الضغط المعنوي القاسي ومشاهد التعذيب والإيحاء بأصوات التعذيب كي تنهار عزيمته ويعترف بأي شيء، بأي جريمة لم يرتكبها، بأي ذنب ليشعروا بنشوة النصر عليه، ولم يفعل، لم يمنحهم هذا الشرف، هذه القيمة، عذّبهم حتى الغضب المطلق، قهرهم حتى تفجّر الحقد، لم يتمكنوا من أن ينتزعوا توقيعا منه ولا من الشباب، فحاولوا إقناعه بالاستسلام لإرادة السوريين والدخول في منظومة الاحتلال، ولكنه عذّبهم حتى العظم وهم السلطة وهو المعتقل، هو تحت الأرض ولا شعاع شمس يتسلل ليؤنس عتمة الزنزانة، وهم فوق تحت الشمس مباشرة يسرحون ينكّلون، يكذبون، يضطهدون، لكنهم كانوا آلات بشرية تؤتمر، تنقاد، تعيش تفاصيل الذل والاحتقار والمهانة، تحت الأرض وجهه كان مشعا من حقيقته الناصعة، فوق الأرض كانت وجوههم كالحة لفرط حقدها.

كانوا يعرفون أنه أسرهم معه، كانوا يدركون تماما أن لحظة اعتقاله صاروا هم السجناء التافهين الصغار، وهو الكبير في المساحة الصغيرة يسرح ويمرح في دنيا حرية واسعة لا يمكن للحظة أن ينالوها أو أن يفهموا بعض البعض من شعاعها.

كم يوما اعتقل؟ ولا يوم، هم الذين اعتقلوا، أما نحن وبعدما استوعبنا اللحظة كان علينا ألا نبكي حالنا، كان علينا أن نقاوم من حيث نحن كما يفعل هو من حيث هو، خجلنا من ضعفنا، رجل وحيد تحت الأرض يقاوم، ونحن فوق الأرض أحرارا ننهار؟! مستحيل، نهضنا من القرفصاء في شارع الناس المتهمة، وقفنا بعنفوانه وتحدثنا باسمه، وضعنا الإصبع بوجه الناس المشككة الظالمة وصرخنا “لم نفجّر كنيسة الرب ولم نقتل فلان وفلان وفلان”، حملنا صوره سرا وبدأنا نهرّبها الى القداديس ونصلي ليسوع أن يحميه وأن يبقى قويا لنبقى معه أقوياء لأجل هذه الأرض، وبدأت حكايات النضال منذ تلك اللحظة، مذذاك الـ 21 نيسان 1994 يوم أدخل سمير جعجع الاحتلال السوري وعملائه الى عتم الزنزانة بدل ان يدخلوه، وحررنا بأسره بدل أن يكون أسيرا، وللحكاية تتمات كثيرة بعد…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل