ذاكرة فتى ليلة إعتقال الحكيم… وسجن مصير مجتمع بأكمله

كنت في التاسعة عشر من العمر، لم تكن تلك المرحلة مرحلة الإنترنت ومواقع التواصل الإجتماعي، وكانت جميع الأخبار محصورة بالقنوات المحلية والإذاعات المسموعة، ننتظر نشرات الاخبار لنعرف ما حصل، أو بأحسن الأحوال خبر عاجل يفيدنا بما يجري من حولنا.

ولانني ترعرعت ببيئة المقاومة اللبنانية، تجرعت من فخر كأسها المناضل الذي أبقاني على قيد الحياة بفضل شهداء صاموا عن ارواحهم لنبقى، كان يكفي أن تمر دورية للقوات لتشعر بالأمن والأمان، تلك البدلات الزيتية كانت مصدر قوة لكثير من الناس، ومع مرور الوقت وانتهاء الحرب اللبنانية، كان الوضع ضبابياً غير واضح المصير، “القوات” سلمت سلاحها، ولم نكن نعلم بتداعيات تسليم السلاح، وكبقية المواطنين ظننا بأن مرحلة بناء الدولة بدأت.

21 نيسان 1994، كانت ليلة ترقب، مع العلم انني لم أكن على دراية كافية بما يدور في فلك الأوضاع السياسية، لكن وجه أبي الشاحب كان كافياً للرد على جميع ما يدور في فكري من أسئلة عن مصير “القوات” التي عشقتها وكبرت في ظل انفاسها في المدرسة والبيت.

إعتقل “الحكيم”… خبر صحيح او إشاعة؟ كيف لقائد دافع عن منطقة الشرقية وعن مجتمعه أن يعتقل، هل يعقل أن تكون “القوات” التي حملت صليب المقاومة تحت شعار “بك ننتصر” وراء تفجير سيدة النجاة، وكيف لهذه القوة العظيمة المعروفة بإسم “القوات” ان تتهاوى، كيف لهذه القوة التي قهرت النظام السوري ان تعتقل على يد أزلامه؟.

نظرت إلى والدي سائلاً، إنتهت الحرب فلماذا أخذوا الحكيم؟ وبنبرة خافتة وعيون شاخصة نحو التلفزيون قال: “الآن بدأت الحرب”!

لم أفهم ما قصده، لم أفهم أن في تلك اللحظة لم يكن الحكيم ذاهباً إلى المعتقل بفرده، بل كان المجتمع المسيحي بأكمله رهن الإعتقال، وكان النظام السوري ينفذ ما لم يستطع تنفيذه أيام الحرب.

عدت وسألته، أي حرب هذه و”القوات” بلا سلاح، هل سنعود إلى الملاجئ ونغفو على أنغام القذائف؟ فرد قائلاً: “هذه الحرب أصعب من حرب القصف والقذائف، لكن لا تسأل كثيراً لأن ليس لدي أجوبة، ولا تفكر كثيراً”، مردداً الجملة الشهيرة التي يستعملها جميع الأهل: “ركز على درسك”.

بعد تلك الليلة ومع مرور الأيام، غاب الأمن مع غياب “القوات”، لم تعد تلك الأحياء آمنة، غاب حراسها، بعدما كانت كلمة “القوات” تشعرنا بالأمان، أصبحت كلمة تعرّض قائلها للإعتقال.

مع اعتقال “القوات” غابت قوة المجتمع المسيحي وأصبحت في السجن، مكبلة، منعزلة، وضعت مع “الحكيم” تحت الأرض ونكل بها.

سُلم لبنان كلياً إلى النظام السوري، نظام لا يشبهنا بشيء، نحن المجتمع الحر العاشق للحياة، وهو النظام العاشق للقتل وقمع للحريات.

وما أكثر الذين إقترعوا على ثوب “القوات” في تلك المرحلة ونادوا بأعلى صوت “فلتصلب”.. “فلتصلب”، لم ينتظروا صياح الديك لينكروها، لم يدرك يهوذا ما فعله ليشنق نفسه، بل تباهى بما فعل، ولم يكن الثمن 30 من الفضة، بل من وطن تم بيعه ورهنه للسوري ليصبح سجناً كبيراً نعيش فيه.

من المجتمع المسيحي فوق كل إعتبار، إلى مجتمع بلا أي إعتبار، وحده الأمل بخروج مبكر للحكيم كان يعطينا قوة من أجل البقاء، لكن من آمن بقضيته وتسلّح بإيمانه لن تقوى عليه أبواب الجحيم السوري.

نعم هذا قدرنا كقوات، وليس من السهل ان تكون “قوات” وتؤمن بقضية بدأت مع الأجداد وحملها الآباء، وأكمل بها الأبناء، واليوم إنتقلت إلى أجيال وستبقى لانها قضية وطن وكيان ووجود مجتمع أبى أن يعيش كأهل ذمة.

11 عاماً من الإعتقال والغياب عن الساحة السياسية، يكفينا فخراً أننا عدنا مع مع عودة الحكيم، وفي اللحظة التي نفكر فيها ونتساءل أين هي “القوات”، علينا أن ننظر أين كنا، وما حلّ بنا، عندها ندرك فعلاً أن ما تحقق هو إنتصار عظيم، وقيامة فعلية لمجتمعنا المناضل.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل