.jpg)
طالعتنا بعض الآراء في الآونة الاخيرة منتقدة مواقف الثنائي المسيحي (قوات لبنانية – تيار وطني حر) في موضوع طرح قانون الانتخابات، ويأخذون على “القوات اللبنانية” ما يعبترونها عودة خطابها الوطني الى لغة التقوقع المذهبي والطائفي، فيما في المقابل نرى “حزب الله” كل يوم وعند كل محطة، لايتوانى عن اظهار تمرده على منطق الدولة وعلى توجهات العهد الجديد وتأكيد كونه دويلة مغردة خارج الدولة وآخرها مشهدية الحدود الجنوبية وادعاء الدفاع عن كل لبنان رغم انوف اللبنانين …
امام هذا الواقع نلفت نظر المنتقدين الى الحقائق التالية:
اولاً: اثبتت التجارب السياسية والوطنية على مر السنوات من تاريخ لبنان الحديث، أن وحدة المسيحيين كانت دائماً هي الشرط الاساسي لوحدة لبنان، أما انقسامهم فكان من أسباب الانقسام الحاد بين اللبنانيين، كما اثبتت التجارب ان نهضة المسيحيين كانت في اساس نهضة لبنان، وعندما تبعثر المسيحيون فقد اللبنانيون توازنهم وهددت الصيغة التي قام عليها العيش المشترك، وقد لعب المسيحيون على الدوام دور جسر العبور بين مختلف المكونات الطائفية والمذهبية الاخرى.
وبالتالي وانطلاقاً من هذه الحقائق اعلاه، لا نستطيع بناء الدولة القوية والقادرة والمستقلة والسيدة، الا من خلال معبر الزامي يبدأ ببناء موقف مسيحي سيادي واحد وموحد يُرسي قواعد الوحدة الداخلية التي تشكل نواة الوحدة الوطنية الحقيقية… فتبعثر المسيحيين اسكت على مر سنوات عجاف الصوت الصارخ في البرية المنادي بالسيادة والاستقلال… حتى كانت ساعة 2005 التي لم تكن لتقوم، لولا التضحيات المسيحية التي تلاقت مع تضحيات المكون اللبناني الاخر، فكانت ثورة الاستقلال الثاني… ثورة السيادة والحرية …
ثانياً: لماذا يكون المسيحي طائفياً ومذهبياً إن هو طالب بحقوقه الدستورية والمشروعة، بينما يكون الاخرون وطنيون ان هم طالبوا بحقوقهم المذهبية والطائفية! وللتذكير فقط، الشعور المتنامي بالغبن والاستبداد لدى المسلم اللبناني مما كان يسميه “مارونية سياسية”، ادى به عام 1975 الى التحالف مع قوى خارجية لقلب النظام والانقضاض على الدولة… اما اليوم فان مطالبة المسيحيين بحقوقهم وبرفع الغبن المتراكم عنهم منذ العام 1992، تأتي من ضمن الأطر الدستورية والشرعية والمشروعة… والتي لا يحق لاحد ان يعيبها عليهم …
فاين يمكن تحقيق الشراكة التي يطالب بها المنظرون ان لم تتحقق مع المسيحيين وفقاً للمساواة والدستور والثوابت الوطنية التي قام عليها لبنان منذ نشأته؟
لا بل كيف يمكن الحديث عن مساواة بين اللبنانيين “ووقف العداد” إن بقي الصوت المسيحي والارادة المسيحية والقرار المسيحي مبعثرين بين كتل طائفية اخرى وقوى سياسية لا تعكس حقيقة الرأي العام المسيحي؟
ثالثاً: بالامس قام “حزب الله” بجولة اعلامية حدودية استعراضية في الجنوب في توقيت جاء متماهياً مع ازدياد الضغوط الاقليمية والدولية على ايران المحاصرة بدفتر شروط اميركي – اسرائيلي جديد مع وصول ترامب على رأس الادارة الاميركية… و”حزب الله” نفسه الذي تورط وورط لبنان، رغماً عن انوف القسم الاكبر من اللبنانيين في مواجهة مع الارهاب وفي مواجهة دولية واقليمية لا طائل منها، هو نفسه لا يزال عند كل محطة لا يتواني عن اثبات تمايزه وانفصاله السياسي عن القرار السيادي اللبناني… فلم ننسَ الضربة الديبلوماسية التي وجهها الى دول الخليح لاجهاض مسعى العهد اللبناني الجديد في اعادة العلاقات الى صفائها …
كما لم ننسَ ملف الاجراءات المالية والمصرفية المقررة ضده والتي من شأنها توريط اقتصاد لبنان في ازمة قد تطيح هذه المرة بقطاعه المصرفي الوحيد الصامد الى الان في وجه كافة الضغوطات السياسية والامنية…على مر سنوات الحرب وما بعدها …
فكيف يمكن الركون الى معادلة وطنية داخلية لا تزال تكرس غلبة لفريق من اللبنانيين على سائر الافرقاء ويؤخذ على “القوات اللبنانية” مطالبتها بتصحيح التمثيل المسيحي في ام المؤسسات لتتمكن مع حلفائها من ضمان الحد الادنى من الضمانات التي تحافظ على القرار المسيحي الحر والسيادي والميثاقي؟
انها بالضبط المعادلة غير المتوازنة داخلياً مع “حزب الله” التي تزيد المسيحيين اصراراً على ضمان قرارهم وسيادة لبنان ….
انها بالضبط تلك الغطرسة المتمادية لـ”حزب الله” في ازدواجية خطابها الوطني الداخلي وخطابها الاقليمي – الذي يزيد مطالبة المسيحيين بحقوقهم الحاحاً وتشبثاً بحقوقهم وباستعادة صحة تمثيلهم …
فما يواجهنا به “حزب الله” بسلاحه غير الشرعي نواجهه نحن به بسلاح شرعي، قوامه الدستور والطائف والثوابت الوطنية والحقوق المؤسساتية …
وما يطالب به المسيحيون اليوم هو لكل لبناني، مسلماً كان او مسيحياً… وهو بداية تصحيح الخلل الكبير والخطير في التركيبة الداخلية والمشهد السياسي والوطني المنحرف باتجاه تحديات اضافية لا قوة للبنان واللبنانيين على تحملها …
اليوم “القوات اللبنانية” تطالب بتصحيح الخلل التمثيلي ليس لها ولحليفها “التيار الوطني الحر” فقط، بل وايضاً للمسلم السني والدرزي والشيعي ايمانا منها بان الثنائي الشيعي لا يختصر كل الطائفة الشيعية تماماً كما يعتبر الثنائي المسيحي نفسه بانه لا يختصر الطائفة المسيحية كاملة ..
فالمساواة في الصفة التمثيلية اساس لعودة صحة التمثيل وعودة للصيغة اللبنانية وللعيش المشترك الحقيقي… وهذا هو رهان “القوات اللبنانية” .