“تدمر” شهقة الموت في فيلم!

 

 

كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1607:

 “تدمر” شهقة الموت في فيلم!

علي أبو دهن: فور دخولنا الى “المهجع” عدنا مساجين

لقمان سليم: أنا سعيد لأن “القُرصان” سيوزع الفيلم في لبنان

 

 

 

 

26 نيسان 2017 ذكرى انسحاب الجيش السوري من لبنان تعود بعد اثني عشر عامًا لتنكأ الجرح والقروح معه من ظلم وقهر وتنكيل وإذلال وقتل تحت التعذيب وإعدامات جماعية في حق لبنانيين قاوموا مخرز النظام البعثي السوري بعيونهم، وكل ذلك موثق في فيلم حمل اسم “تدمر”. 23 معتقلا عادوا من موت ذاك السجن وجسّدوا يومياتهم فيه بمرّها وقهرها ليكونوا شهودًا على ظلامة حكم آل الأسد من الأب الى الإبن وليقولوا للعالم أن ما يقترف اليوم من مجازر وظلم في حق الشعب السوري ليس وليد الحرب المستعرة في سوريا الآن، بل تكملة لنهج كانوا هم من ضحاياه ومن حسن حظهم أنهم ولدوا من جديد بعدما تحرّروا من سجونه.

تراهم كيف كسروا قيود الخوف وحطموا جدار الصمت؟ من صانعي “تدمر” الفيلم، سنعرف.

 

 

 

في يوم الجمعة العظيمة، وفي الوقت الذي كان المصلوب على الجلجة يُكفن ليُدفن، كان هذا اللقاء نسأل فيه معتقلاً سابقاً عن سجن “تدمر” ودرب الجلجلة التي مشاها طيلة 13 عامًا. أتراها صدفة؟ في هذا اليوم بالذات تسأل الله أتراه رفع ألمهم معه على الصليب؟! تراه كيف رافقهم؟

من فم المعتقل الشهير تسمع الجواب، “تدمر سجن ممنوع أن يدخله الله بأمر من الرئيس حافظ الأسد”، هكذا قالوا للمساجين فيه وإذا آمن أحدهم أنه قادر أن يستنجد بالله ورحمته، كان يقتل تحت التعذيب، ليكون عبرة لغيره ممن يؤمنون برحمة الخالق ومعونته، “وعلى رغم ذلك دخل الله وسكن في قلب كل منا وساعدنا لنصبر على الجوع ونشفى من دون أدوية وننتظر الحرية بلا ملل. الإيمان الكبير الذي زرعه الله فينا هو الذي نجانا وخلّصنا”. إيمانهم خلّصهم. ما كان يمكن أن يعودوا من براثن الموت لولا إيمانهم يجزم علي أبو دهن الناجي من سجن “تدمر” قبل نحو 15 عامًا، ورئيس “جمعية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية” التي تضمّ 580 معتقلًا سابقًا جمعتهم ذاكرة الوجع.

معتقلون قررّوا أن يتحدّوا تهديد النسيان بكل ما بقي لهم من قوة، فكتبوا تجربتهم في كتب بينها كتاب “عائد من جهنم” لعلي أبو دهن، وجسّدوها في مسرحية عرضوها في ألمانيا وبعض دول العالم المتحضّر الذي يسمع ويصغي لوجع الآخرين، وما استكانوا إلا بعد أن صوّروا مأساة إعتقالهم في فيلم أطلقوا عليه اسم سجنهم “تدمر” كي يرى العالم ويسمع الى أجيال وأجيال مآثر النظام السوري البعثي بقيادة عائلة الأسد. وكل هذا النضال كان بدعم من جمعية “أمم للتوثيق والأبحاث” التي يرأسها الناشط السياسي والحقوقي لقمان سليم.

23 سجينا سابقًا تطوّعوا لخوض تجربة التحدّي الجديد يروي أبو دهن، وقرّروا أن يرفعوا الصوت ليصل صداه الى ضمائر حكام العالم رحمة بالمعتقلين اللبنانيين الذين ما زالوا أحياء في السجون السورية ولا حول لدولتهم ولا قوة باستعادتهم او تأكيد وجودهم حتى في مقابل نكران النظام السوري لفعل إعتقالهم، فيما هناك نحو 622 سجينًا من بينهم يملِك أهاليهم إثباتات موثّقة بأحكامهم واعتقالهم في السجون السورية.

في منطقة عاليه وتحديدًا في مدرسة كانت مركزًا للجيش السوري لم يُعَد ترميمها، إختار المعتقلون سابقًا أن يجسِّدوا تجربتهم فبنوا مهجعًا مطابقًا لمهاجع سجن تدمر بكل تفاصيله، ومن دون سكريبت أو إدارة ممثلين إتخذ كل منهم موقعه وبدأ التصوير تحت إدارة المخرجة الألمانية مونيكا بورغمان وزوجها لقمان سليم. مركز “أمم للتوثيق والأبحاث” تولى مهمة تمويل إنتاج الفيلم التمثيلي الوثائقي الذي صور في 103 دقائق معاناة أعوام من الظلم والتعذيب المعنوي والجسدي.

التوثيق لذاك التاريخ الأسود لم يكن سهلا على سجناء “تدمر” السابقين. يروي أبو دهن أن أحد المشاركين في الفيلم ولدى سماعه صوت أقدام السجّان تقترب من المهجع صرخ كالمجنون “طلعوني لبرا دخيلكن ما عاد فيي اتحمّل…”، خرج الى الهواء وهو يرتعد غير مصدّق أن الكابوس ليس سوى تمثيل بتمثيل هذه المرة! ويضيف أبو دهن “فور دخولنا الى المهجع عدنا مساجين! بلحظة كل منا عاد الى ماضيه ولم نحتج الى سيناريو وحوار وتقسيم أدوار، ومع أننا جسّدنا قصص يومياتنا إلا أننا خفّفنا من قسوتها رأفة بأهالي المعتقلين حتى الآن في السجون السورية أو من يسميهم البعض المفقودين”.

صِدق شهاداتهم والترويع المجرم الذي عاشوه وأعادوا تمثيله حتى شهقة الموت إستحق 4 جوائز من مهرجانات سينمائية عالمية. عرض الفيلم في ألمانيا وسويسرا وقرطاج وإسبانيا وتركيا وحيفا… ويعرض حاليًا في صالات السينما في سويسرا وفي الخريف المقبل يعرض في صالات السينما الفرنسية والتونسية. “إجرام الأسد عملنا دعاية كبيرة” يقول أبو دهن العاتب على الدولة اللبنانية والمسؤولين فيها الذين أشبعوهم وعودًا لا تثمِن ولا تغني من جوع، ويضيف “في حسابي في البنك شي 1800 تضامن و5 آلاف إنت بطل و3 آلاف الله يخليلنا ياك… عتبي كبير على مسؤولينا الذين وعدونا بتعويضات إسوة بالمعتقلين المحررين من السجون الإسرائيلية ولم يفوا بوعودهم”. لقدرهم تركوا مرّة ثانية لا تعويضات ولا وظائف ولا ضمان صحي ولا أي التفاتة خاصة تعوض عليهم ولو لحظة من عمر ضاع في “قاووش”.

لقمان سليم بدوره يقول عن تجربة المعتقلين السابقين أنهم يجمعون مجد هذا الوجع من طرفيه فقد كانوا مفقودين في لبنان ومن ثم وجدت آثارهم في السجون السورية، “من هنا بدأ إهتمامنا بالسجناء السياسيين في السجون السورية. في العام 2009 تطورت علاقتنا مع الجمعية التي يرأسها علي أبو دهن وأنجزنا معًا مجموعة من النشاطات والمطبوعات التي تحاول أن تلقي الضوء على قضيتهم. فبعد اتفاق الدوحة وإتفاقية السين سين (السعودية وسوريا) بدت الظروف سانحة لأول مرة لمناقشة موضوع السجناء السياسيين في السجون السورية وهم عمليا جزء من مفقودي الحرب اللبنانية وبشكل رسمي بين الدولتين اللبنانية والسورية. حصل شبه إعتراف بهذا الملف بمعزل عن ملف مفقودي الحرب. جمعنا المئات من الوثائق وسجلنا مئات الساعات من شهادات المعتقلين المحررين فبدأت فكرة تصوير فيلم وثائقي تختمر أكثر وأكثر. وعندما نتكلم عن فيلم وثائقي وليس عن وثائقي للتلفزيون فهذا يعني إختلافاً في المعايير الفنية من التصوير الى الإنتاج ليكون عملا سينمائيًا مكتملا. وهذا الأمر تقاطع مع عمل “أمم” للتوثيق والأبحاث ومع عملي أنا ومونيكا الذي نسعى من خلاله الى تصوير وتجسيد قصص الناس في السينما”.

ويتابع “في العام 2011 بدأنا العمل على المسرحية وكانت تمرينا لما يسمى “بناء القدرات”، ولولا رابط الثقة بيننا لما قبلوا بأن تصورهم كاميرتنا وائتمنوننا على قصصهم ومعاناتهم، ففي مرحلة المونتاج لا أحد منهم كان معنا. لقد صورنا قصة واحدة بأصوات متعدّدة وأعتبر ذلك جزء من علاقتي بهذا البلد”.

ذاكرة الحرب والاحتلال السوري للبنان ما زالت مثقلة بقصص ضحايا إجرام النظام السوري وبشاعة سطوته، وخروجه العسكري من لبنان ذات يوم من نيسان 2005 بفضل الضغوط الدولية والقرار 1559 لم يمح مآثره طيلة أعوام من الذلّ والطغيان من ذاكرة اللبنانيين، فهل يأتي فيلم “تدمر” في سياق سعي “أمم” لتنقية الذاكرة اللبنانية من ندوب الحرب؟

برأي لقمان سليم قد يتحوّل فيلم “تدمر” ذات يوم الى أداة من أدوات تنقية الذاكرة اللبنانية ـ السورية واللبنانية ـ اللبنانية باعتبار أن العديد ممن انتهوا في السجون السورية سُلِّموا الى السلطات السورية على أيدي مواطنين لهم أو أجهزة أمنية لبنانية. ولكن إلى أن يكون هذا اليوم الموعود فمونيكا ولقمان يفضلان أن يضعا الفيلم تحت العنوانين اللذين يستأثران بالكثير من جهدهما واهتمامهما، الأول هو محاولة فهم “الفظاعة” البشرية وجسدا ذلك في فيلم “ماساكر؟ مقاتل”. وثانيًا إدانة النظام البعثي في سوريا الذي يعتبرانه رمز “الشر” اليوم بامتياز. تنقية الذاكرة عنوان مغرٍّ للثنائي المناضل ولكن يقول سليم “قبل تنقية الذاكرة لا بد من رواية الرواية التي يفترض تنقية الذاكرة من مفاعيلها. بهذا المعنى “تدمر” لم يعد ملكًا لا لأصحاب الشهادات التي يحتويها ولا للمخرجين وسواهما ممن عمل عليه. “تدمر” اليوم ملك لمن يتكبدون مشاهدته ولكل واحد منهم وواحدة أن يذهب في تأويله المذهب الذي يشاء”.

عن عرض الفيلم في لبنان يجيب سليم “بصراحة هناك محاولة لعرضه، لكن على المستوى الشخصي لا جلد لي على الغباء اللبناني، وعلى أمل أن نجد موزعًا لبنانيًا يقبل بأن يسعى مع الأمن العام اللبناني للحصول على تأشيرة العرض في الصالات اللبنانية تبقى سعادتي كبيرة بأن الفيلم بات مقرصنًا بعدما عرض على شاشة قناة “العربية” التي شاركت بالإنتاج! فليكن القرصان موزعنا في لبنان الى حين ننتهي من مسألة أقنية الرقابة البائدة والتافهة”.

ليست المرّة الأولى التي يحاول فيها ضحايا السجون السورية الكشف عن التعذيب الوحشي الذي تعرضوا له إن في شهادات مصورة او في وثائقي أو تقارير رسمية ودولية، وسبق لمنظمات حقوقية أن أكدت وجود أدلة دامغة على إرتكاب جرائم ضد الإنسانية في سجن صيدنايا وتدمر وغيرها ودعت المجتمع الدولي لوضع حد نهائي لهذه الانتهاكات المروّعة المستمرة طيلة أعوام حكم البعث الدموي في سوريا والسعي الى مثول مرتكبي هذه الانتهاكات أمام المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبتهم عن جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية.

حتى اليوم لم يحصد هؤلاء الضحايا الا الخيبة والخذلان المشين للمجتمع الدولي أمام معاناتهم.

لكن إيمانهم ولو كان بمقدار حبة خردل قد يزحزح الجبال ويدق مسمارًا إضافيًا في نعش النظام السوري الدموي البائد. على هذا الأمل يعيش 580 ناج من السجون السورية بينهم لبنانيون وفلسطينيون وسوريون وينتظرون تاريخًا مجيدًا جديدًا كما 26 نيسان 2005، يومًا مجيدًا يؤرخ سقوط طاغية آخر مآثره مجزرة بالقنابل الكيماوية في خان شيخون!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل