كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1607:
26 نيسان 2005 ـ 26 نيسان 2017:
من 40 ألف جندي سوري الى مليون و800 ألف نازح
متى الخروج الثاني؟




26 نيسان 2005… وتدحرج حجر القيامة، قيامة الوطن مع خروج آخر قافلة لجيش الإحتلال السوري. يومها لم يكن فرح اللبنانيين عاديا ولا حتى صدفة. فالظروف التي تكونت منذ 14 شباط تاريخ اغتيال الرئيس رفيق الحريري مرورا بمشهد المليون في ساحة الشهداء ذاك الرابع عشر من آذار والهتافات التي أطلقت مطالبة برحيل جيش الإحتلال… محطات مهدت لربيع مزهر ذاك ال26 من نيسان عام 2005. ودقت الساعة. وسوريا طلعت برا لكن طريق بيروت – دمشق تحولت إلى طريق حج لبعض الأحزاب والشخصيات طيلة السنوات الست، لكن بلا نكهة سياسية، إنما بـ”طعمة” أمنية وأخرى شخصية.
15 آذار 2011. ثمة مشهد جديد يظلل المعابر الشمالية، لا بل قل إحتلال من نوع آخر مغمس بلقمة الموت والخوف والظلم. سوريون يجتازون الحدود اللبنانية السورية بالمئات بالآلاف. أطفال مسنون نساء تحت غطاء النزوح. الآلاف صاروا مليون، والمليون صار مليونين وكلفة النزوح السوري المترتبة على الدولة اللبنانية بلغت 20 مليار دولار بحسب البنك الدولي.
هذا الوطن بات رازحًا تحت ضغط هذا النزوح أمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. والنازحون رازحون تحت ضغط التشرد والمخيمات والمساعدات. لكن هذا الوطن لا يتحمل هذا العبء ولا بد بالتالي من أن يعود النازحون الى مناطق آمنة في بلادهم ليتحقق الخروج الثاني من لبنان.
تحت غطاء الجامعة العربية وبذريعة وضع حد للنزاع العسكري وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الحرب اللبنانية في 13 نيسان 1975 دخل الجيش السوري إلى لبنان في كانون الثاني 1976. درب الجلجلة، جلجلة الإحتلال كان طويلا، والأيام النازفة التي وقّعها ابطال وشهداء في المعارك وعلى الجبهات أفضت إلى كتابة تاريخ جديد في سيرة وطن إسمه لبنان. ومن هذه السيرة كان تاريخ 26 نيسان 2005..
ظلّت سوريا ممسكةً بالساحة اللبنانية على رغم خروجها من لبنان، إلى أنّ دقت الساعة واندلعت الثورة السورية في 15 آذار 2011 وبدأت خارطة “إحتلال” من نوع جديد في لبنان تحت عنوان: النازحون السوريون.
أوّل حالة نزوح إلى لبنان سجلت بتاريخ 28 نيسان 2011، أي بعد 13 يوما على اندلاع الثورة في سوريا. وخلال هذا العام سُجل دخول 4139 نازحاً، في حين تزايد هذا العدد خلال العام 2012 ليصِل الى 22580 نازحاً، من ضمنهم 6841 فلسطينياً، ليشهد العام 2013 دخول حوالى 2600 نازح يومياً، حتى نهاية شهر كانون الثاني. وعلى رغم كل الأصوات التي كانت تطالب بتنظيم حركة النزوح وضبطهاعلى المستويين الأمني والإجتماعي إلا أن عمليات تدفق النازحين بقيت مستمرة نحو الشمال والجنوب مرورا بالقرى والجرود، وصولا إلى العاصمة بيروت وضواحيها… المئات صاروا بالآلاف ووصلوا إلى المليون، المليونين. والنازح في توصيف المجتمعات الدولية بات لاجئا. تلك العبارة التي لم ينس اللبنانيون بعد طعهما المر الذي شربوه جرعة واحدة بعد نكبة العام 1948. مع تحول لبنان إلى ملجأ آمن للنازحين الفلسطينيين، وتحول النازح إلى لاجئ…
هل يعيد التاريخ نفسه؟. نقرأ.
المجتمع الدولي يربط إقامة السوريين الموقتة في لبنان بالحل السياسي في سوريا. وهذا المجتمع الدولي بات يقدم صفة لاجئ وليس نازح عند ذكر النازحين السوريين، والعودة الطوعية “وليس “القسرية”. وأخيرا وليس آخرا القرار الذي اتخذه الاتحاد الاوروبي بالحد من تدفق السوريين الى دوله لقاء تقديم إغراءات مالية لدول الجوار لتنفيذ مشاريع في البنية التحتية والانماء والتعليم مع شرط ابقاء النازحين في أماكن تواجدهم ومنحهم اجازات عمل واقامات. وبحسب القوانين الدولية فإن صفة اللاجئ في بلد ما ترتب على سلطاته واجبات وحقوق حيالهم بالإضافة إلى أعباء انسانية واقتصادية واجتماعية ومسؤولية حمايتهم وتوفير الملجأ والامن والظروف الملائمة لمعيشتهم. ويعطى اللاجئ حقوقا وامتيازات تتساوى مع مواطني دول اللجوء كما يُفرض على الدولة واجب احترام مبدأ “عدم الإبعاد” حتى انتفاء أسباب اللجوء. ماذا نفهم من ذلك؟ المكتوب بات يُقرأ من عنوانه.
نصل إلى الأرقام وتداعياتها. بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان، وصل عدد النازحين السوريين المسجلين لديها إلى المليون و17 ألف و433 نازحا (علما أن العبارة الواردة في التقرير هي لاجئ وليس نازح) حتى شهر تشرين الثاني 2016. هذا في الأرقام المسجلة أما غير المسجلة فيرجح أن يكون العدد وصل إلى المليونين. فما هي التحديات الإقتصادية والإجتماعية والمالية والقانونية التي تترتب على هذا الدفق البشري من النازحين السوريين إلى لبنان؟
*اقتصاديا: يقدّر البنك الدولي الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الأزمة السورية والنزوح في فترة 2012 – 2015 بحوالي 13.1 مليار دولار منها 5.6 مليار دولار في العام 2015 أي حوالى 11 في المئة من الناتج المحلي وتصل الخسائر حتى نهاية العام 2016 الى 20 مليار دولار.
*ديموغرافيا: أدى النزوح السوري الى ارتفاع معدل الإكتظاظ السكاني في لبنان ووصلت الكثافة السكانية الى 520 شخصا بعدما كانت لا تتجاوز ال370 شخصا في الكيلومتر المربع. في المقابل لا تتعدى الكثافة السكانية في الأردن الى 62 شخصا وفي تركيا الى 100 شخص في كل كيلومتر مربع بعد النزوح السوري.
*جغرافيا: ينتشر النازحون السوريون بشكل عشوائي في لبنان في أكثر من 1400 موقع وفي معظم المناطق اللبنانية مع وجود عدد كبير من هذه المواقع خارج سيطرة ورقابة الدولة ممما فتح ثغرات وبؤر أمنية قابلة للانفجار وآخرها تفجيرات القاع الإرهابية التي أدت إلى استشهاد 5 وجرح حوالى 17 من أبناء البلدة.
*اجتماعيا: تسبب النزوح السوري بارتفاع معدلات البطالة من 11 في المئة الى 25 في المئة من القوى العاملة ووصل المعدل الى 34 في المئة لدى فئة الشباب نتيجة زيادة عدد طالبي العمل بنسبة 50 في المئة كما تسبب باتساع العمالة غير النظامية من 50 في المئة الى 60 في المئة، (مع الإشارة إلى أن 92 في المئة من العمالة السورية غير نظاميـة)، وتخفيض مستويات الأجور (الدخل المتوسط الشهري للنازح السوري العامل 418 ألف ليرة اي أقل بنحو 40 في المئة من الحد الأدنى للأجور في لبنان البالغ 675 ألف).
وتظهر البيانات أن نسبة 62 في المئة من السوريين المسجلين تفوق أعمارهم 15 سنة، مما يعني أنهم قادرون على الإنخراط في سوق العمل. كذلك تسبب النزوح السوري في ارتفاع معدل الفقراء في لبنان بحيث وصل الى حوالي 160 ألف نسمة أي بنسبة 32 في المئة بعدما كانت لا تتعدى ال 28 في المئة. في المقابل تصل نسبة الفقراء لدى النازحين السوريين الى 70 في المئة.
*قانونيا: لم يوقع لبنان على معاهدة الأمم المتحدة لعام 1951 أو على بروتوكول العام 1967 الخاص باللاجئين ولكنه في المقابل وافق على ان تسجل مفوضية الأمم المتحدة اللاجئين لديها ما قد يترتب على لبنان مستقبلا مسؤوليات وأعباء وواجبات حيالهم لا سيما ان المفوصية تتعامل معهم على أساس أنهم لاجئون وليسوا نازحين.
وتحدد التقارير الدولية نسبة النازحين لأسباب أمنية ب 60 في المئة وحوالى 32 في المئة لأسباب سياسية. لذلك فان عودة النازحين السوريين الى سوريا لن تكون قريبة وهي مرتبطة بالأحداث الأمنية والسياسية في سوريا.
*ماليا: يعود ضعف المساعدات الدولية الى صعوبة المنظمات الدولية في تحديد اعداد النازحين وحاجاتهم في ظل عدم وجود مخيمات للنازحين على غرار الاردن وتركيا، والى انقسام افرقاء الحكومة حول طريقة تعاطيهم مع ملف النازحين، والى الهدر وعدم الشفافية في استخدام المساعدات بين بعض المنظمات الدولية والجهات اللبنانية.
*أمنيا: تمّ استغلال النازحين من قبل جهات متطرفة سياسياً ودينياً، إضافة الى تدخّل النازحين في الشؤون الداخلية اللبنانية، فضلاً عن ارتفاع معدل الجريمة (سلب، نشل، تعدّي، قتل)، حيث تبين أنّ العدد الأكبر من الجرائم نفّذها أو اشترك في تنفيذها أشخاص من النازحين السوريين، استغلّوا صفة نازح لتشكيل عصابات تتعدى على الناس والأملاك العامة والخاصة بهدف الحصول على المال.
*صحيا: شكل النزوح السوري ضغطا كبيراً على المستشفيات إضافة الى الارتفاع في استهلاك الأدوية، ترافق مع عامل تفشّي الأمراض (السل، الجرب). وتجدر الإشارة إلى أن الطلب على الخدمات الاستشفائية شكل ارتفاعا ملحوظا لا سيما على مستوى الأمراض الجلدية التي وصلت نسبة تفشيها إلى 47 في المئة وتحولت أزمة النازحين من قنابل موقوتة إلى قنابل أوبئة.
المسؤولون الدوليون الذين زاروا لبنان أخيراً، اطّلعوا من المسؤولين وفي مقدّمهم رئيس الجمهورية ميشال عون على أرقام تتعلّق بواقع النازحين السوريين في لبنان، وكلّها تستنطق أخطاراً ديموغرافية يصعب عليه تحمُّلها أو التعاطي معها بمنطق يتجاهل قرع ناقوس الخطر. إذاً الخطر بات مكشوفا بعد مرور 6 أعوام على ثورة النزوح السوري إلى لبنان، ولعل أبرز المشاكل في المدى المنظور مشكلة الولادات التي وصلت إلى 50 ألف طفل سنويا في مقابل 23 الف طفل لبناني. وجميعهم غير مسجلين، وقد يتحوّلون في المستقبل القريب إلى مكتومي قيد لبنانيين، في حال لم تعترف الدولة السوريّة بهم لسبب من الأسباب.
ثمّة ظاهرة تتعاظم أيضاً، وهي زيجة نازحات سوريات من لبنانيين، وذلك لدواعي حِفظ أنفسهنّ من الفقر ومواجهة الاستغلال الرخيص. هؤلاء النسوة النازحات المرتفعة أعدادهنّ يمثّلون نوعاً مبطّناً من توطين نسبة غير قليلة من السوريات من طريق الزواج.
إلى ذلك، توجد أرقام معبّرة سياسياً، فيما لو تمّت قراءتها من منظار الواقع اللبناني الشديد الحساسية تجاه توازناته الديموغرافية. كل هذه المعطيات تؤشرإلى اتّجاه جديد لقراءة نسبة النازحين السوريين في لبنان ليس فقط انطلاقاً من حجمهم داخل المجتمع اللبناني ككل، حيث باتوا النصفَ تقريباً، بل أيضاً من نسبتهم كمسلمين في مقابل نسبة مسيحيّي لبنان التي تدنَّت، بحسب بعض الأرقام، لتصبح 30 في المئة.
في مؤتمر بروكسل الذيعقد في 5 نيسان الحالي تحت عنوان “دعم مستقبل سوريا والمنطقة”، أُدرج بند احتواء تأثيرات النزوح السوري على جواره، بهدف الحصول على موافقة عالمية، وتحديداً غربية، لتأمين ضمانات وإيجاد حلول لأزمة النازحين تتناسب مع خصوصية لبنان وحساسية وضعِه الديموغرافي، خصوصاً أنّ النزوح السوري بدأ ينتج مساراً تراكمياً من الحالات الديموغرافية داخل البنية السكّانية في لبنان مما يهدّد استقراره الميثاقي الداخلي. وتركز البحث من قبل الجانب اللبناني على إيجاد آليات تدمج بين تمويل عملية النزوح السوري فيه وبين إعادتهم إلى بلدهم، بمعنى آخر، أن يتمّ صرفُ أموالِ المانحين المخصّصة لإيواء النازحين السوريين في لبنان، ليس على عملية استيعابهم في داخله، بل على إنشاء ملاذات لهم داخل مناطق في سوريا، لا تشهد قتالاً بين النظام والمعارضة.
…وبعد، هل ثمة 26 نيسان جديد تحت عنوان خروج آخر نازح سوري من لبنان؟
*دراسة التحديات الإقتصادية للخبير الإقتصادي الدكتور غازي وزني
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
