
مهما مر من سنين وأيام على تلك الليلة من ذاك النيسان، تبقى في الذاكرة العميقة بكل دقائقها وتفاصيلها المؤلمة والمحبطة… الى أقصى الحدود.
ذاك اليوم الذي تجمعت فيه الغربان و”أبناء يوضاس: يصرخون جميعاً أصلبه أصلبه، بعد أن أصبحوا جميعاً شهود زور على دناءة وسفالة سيدهم المحتل، سيبقى لنا عبرة وتجربة لن ننساها مهما حيينا، نتعلم من إيجابياتها وسلبياتها التي إنطبعت في عقولنا ومعاناتنا.
صحيح أننا مررنا بمعاناة طويلة مريرة وصعبة جداً، وصحيح أن الجميع تقريباً، كان يبني كل إستراتيجياته على أساس منطقي وطبيعي، من وجهة نظره ومن الواقع الذي كان يقول إن “القوات” إنتهت تقريباً وقريباً تلفظ أنفاسها، بعد أن “يتعفن” قائدها في السجن، في حين أن المحتل كان يقوم بكل ما يلزم وبأبشع الأساليب لجعل هذا الواقع دائماً ومستداماً، وطبعاً بسرور فائق من قبل عملائه الذين كانوا في أحسن أحوالهم.
إنقلب السحر على الساحر وخرجنا من النار التي رُمينا فيها، فما هي الجريمة الفظيعة التي نرتكبها اليوم بحق بلدنا وشركائنا؟؟!!
كل جريمة المسيحيين أنهم يريدون أن ينفذوا بنود دستور وطنهم الذي يعطيهم الحق بإنتخاب نصف مجلس النواب، أي 64 نائباً يمثلونهم خير تمثيل ويحافظوا على حقوقهم.
لكن من تعود على الهيمنة على حقوق المسيحيين بمساعدة “سيده” السوري المحتل، لا يمكن أن يستوعب أن تلك المكتسبات المسروقة سيأتي الوقت الذي تعود فيه الى أصحابها، خصوصاً أنه يعتبر انه ما زال في أوج قوته التي تسمح له برفض ما يريد.
تهديد ووعيد ورسائل مبطنة وإستعراضات فارغة… فقط لمنع المسيحيين من الوصول الى قانون إنتخاب ينصفهم، بعد أن عانوا الأمرين من سيطرة وتسلبط الشركاء المفترضين على حصصهم وحقوقهم.
أشبعونا كلاماً بالحفاظ على حقوق المسيحيين والدفاع عنهم والغيرة عليهم وأن لا وجود للبنان من دونهم… وعندما بدت الفرصة سانحة بأن يأخد المسيحيون حقوقهم ليثبتوا أقدامهم ويعودوا الى قوتهم الدستورية ضمن الدولة، قامت قيامتهم وبدأوا بنفث السموم في كل الإتجاهات، كالأفعى التي تستشعر الأخطار تقترب من حولها.
من يظن أن الزمن يتوقف عند قوته وجبروته وأن لا شيء سيتغير على العباد والبلاد، فهو ساذج حتماً.
هل حقاً تظنون أن التاريخ يعود الى الوراء؟ ألهذه الدرجة أصبحتم ضعفاء لتلجأوا الى تلك الأساليب البائدة؟!
هل حقاً تظنون أن ظروفكم اليوم أفضل من ظروف أسلافكم في الـ 75 الذين تجمعوا من كل الأقطار علينا؟!
هل حقاً تظنون أن وضعنا اليوم أسوأ من وضع وظروف آبائنا في الـ 75؟!
حتى في عزّ أيام الإحتلال ودعم المحتل لكم، كنتم خصوماً مجرد عملاء فقط، وكانت كل حساباتنا تصب في إتجاه سيدكم المحتل. نعرف أنكم تتمنون لو أنه ما زال يحتل وطننا، لكن ولي نعمتكم اليوم يتخبط كالثور المذبوح في معمعة لا أحد يعرف متى ستنتهي، فمن سيأتي لنجدتكم؟!
فنصيحة أخوية مجانية، لا ولن يكون هناك أي طريق لنعيش سوية في هذا البلد إلا بالتفاهم والحوار معنا.
لن نرضى، مهما طال الزمن، بأن تبقى حقوقنا مسلوبة لا منكم ولا من أي أحد آخر.
اليوم ممكن، لكن الغد حتماً لن يكون. هكذا علمنا التاريخ، لا قوة دائمة على الأرض، خصوصاً إذا كانت قوة غاصبة حاقدة ومتسلطة.