
أكد مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان اننا ما تعلمنا لا من مأساة فلسطين، ولا من مأساة سورية، ولا من مأساة العراق. فحيث ينقسم الداخل في الدول العربية، يتصاعد الخطر الخارجي، وتزداد المشكلات وتتعقد”. واضاف بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج: “لست أدري بالفعل، لماذا استغرق الأمر سنتين ونصفا، حتى انتخبنا رئيسا، وتشكلت حكومة. لكننا نقف من جديد أمام مشكلات تبدأ ولا تنتهي. فحلولنا واتفاقاتنا موقتة وعارضة، وخلافاتنا دائمة ومستمرة. لقد قلنا دائما إنها حروب الآخرين على أرض لبنان. إنما في أزمات السنوات الأخيرة، والأزمة الحالية، لست أرى أحدا خارجيا أو إن الخارج يقول لنا: ساعدوا أنفسكم لكي نتمكن من مساعدتكم ! عندنا الآن أمران عاجلان: قانون الانتخابات، وهذه الإنذارات والتحذيرات بالعودة الممكنة للاضطراب إلى الجنوب الحبيب. وإلى هذين الأمرين الخطيرين، هناك الأزمة الاقتصادية، وهناك الأعباء المتضخمة للجوء السوري. لقد عدنا نسمع عن انشلال النظام، فما هو هذا النظام الذي لا يحل أي مشكلة للبلاد والمواطنين، وما هو النظام الذي يجلب المشكلات بدلا من مجابهتها. كنا نشكو من تعطيل منصب الرئاسة، فلا نريد أن نشكو من جديد من تعطل مجلس النواب أو الحكومة. لأنه ليس من حق فريق مهما بلغت أحقية مطالبه أن يعطل مؤسسة دستورية تهز النظام، وتزيد الأمور سوءا وضنكا وضياعا وانقساما”.
وتابع: “إن كل خلاف جائز إلا في ثلاث قضايا: العيش المشترك، والمؤسسات الدستورية، والتلاعب بأمن الجنوب. نستطيع تحمل أي عبء إلا عبء زعزعة العيش المشترك. والذي أراه أن ما يقال عن التأهل الطائفي أو المذهبي، يخل بالدستور وبالعيش المشترك. وإنه لعار كبير على أي فريق سياسي التهديد بتعطيل البرلمان أو الحكومة بعد السنوات العجاف خلال الحرب الداخلية وبعدها. نحن نريد مؤسسات دستورية منتظمة. وحكومة عاملة. ومجلس نواب شغال بقانون انتخابات لا يخل بالعيش المشترك. لقد تركنا الطائف والدستور، وها نحن محتاجون إلى كل مادة من مواده، لكي يبقى الوطن ويبقى النظام. وقد بلغنا القرار الدولي رقم 1701 بعد حرب إسرائيلية مدمرة. فلماذا هذه العنعنات وخلق الذرائع للعدو، ثم يقال: لكن إسرائيل لا تحتاج إلى ذرائع، وأنا أقول: ونحن لا نحتاج إلى دماء وتهجير وتخريب، نقول بعدها إننا انتصرنا، وما دمنا قد انتصرنا على الأعداء ألف مرة، فالذي أريده أن ننتصر على أنفسنا ومطامحنا ومطامعنا ومكائدنا ولو مرة واحدة. عودوا يا إخوتي إلى الجهاد الأكبر، جهاد النفس، بعد أن طوفتم شرقا وغربا، ألم تسمعوا قول السيد المسيح لمارتا: تسألين عن أشياء كثيرة، والمطلوب واحد! المطلوب أن نتقي الله في أوطاننا وأرواحنا وأرزاقنا، وأطفالنا واستقرارنا وعيشنا المشترك”.
واردف دريان: “أيها المسلمون، أيها اللبنانيون:
لقد انعقد بدار الفتوى في الأيام القريبة الماضية، مؤتمر التقت فيه شخصيات دينية كبرى من مصر والأردن ولبنان، لتدارس تجارب وإمكانيات مؤسساتنا الدينية في نشر رسالة السلام والحوار. السلام الذي يخرج من الاضطراب الديني والسياسي. والحوار الذي يخرج من القطائع والخصومات والتعصب والتبعيات. والرسالتان، رسالتا السلام والحوار، تحتاجان إلى شراكات. فنحن لا نحاور أنفسنا، بل نتحدث إلى شركائنا في العيش الوطني، والعيش المشترك، ونتحدث إلى رفقاء الدين والثقافة والمصالح، وسائر الفئات بالداخل والخارج، حيث نشعر بالحاجة الإنسانية، والاحتياجات المصلحية. والهدف بلوغ تسوية صلبة من التعارف والاعتراف، والتفاهم والتشارك، وصنع الجديد المتقدم في حياتنا، وفي الجوار من حولنا. ما أشد حاجة العالم العربي إلى السلام الذي ما استطاعت أن تعطيه إياه أو تقدمه له لا المؤسسات الدينية ولا المؤسسات السياسية. كيف يمكن التصديق أننا – شعوبا وحكومات ومجتمعا دوليا – لا نستطيع إيقاف القتل والتهجير للأطفال والنساء وسائر فئات المدنيين، وأن دولا تدمر، وديموغرافيا يجري تبديلها. ونحن نشكو من الاستيطان الإسرائيلي، فممن وإلى من نشكو من الاستيطانات الحاصلة، ولمن يشكو ملايين الناس في سورية والعراق وليبيا واليمن، والذين فقدوا ديارهم، وأعزاءهم، وقد لا يرون أوطانهم مرة أخرى؟!”.