لبنان من خطر الاحتلال السوري الى خطر النزوح السوري: محطة انتظار موقت أم وطن بديل؟

كتب د. فادي الأحمر في “المسيرة” –  العدد 1607 

يوم لا يجب ان ينساه اللبنانيون. ولا السوريون. إنه السادس والعشرون من نيسان عام 2005. يوم خروج آخر كتائب الجيش السوري من لبنان. في ذاك النهار انهى رستم غزالة زياراته الوداعية لاصدقاء نظامه. وغادر. وجهه العابس كان خير تعبير عن الصدمة والإحباط اللذين انتابا النظام بأكمله في دمشق. فبعد تسعة وعشرين عاماً خرج نظام الاسد الاب والابن من لبنان خاسراً. لم يحقّق حلمه بضم لبنان الى سوريا، او اقله بجعله المحافظة السورية الخامسة عشرة. ولو انه كذلك في الممارسة.  طيلة خمسة عشر عاماً كان خطر تدمير الدولة اللبنانية،  خطراً فعلياً. وكاد يودي بالكيان اللبناني. كيف؟

في العام 1976 كان الهدف المباشر والسريع لدخول الجيش السوري الى لبنان وقف التقدّم العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية على حساب القوى المسيحية. ولكن بالنسبة الى حافظ الاسد، الذي كان يتمتّع بعقل استراتيجي، كان الهدف ابعد من ذلك بكثير:

اولاً، السيطرة على لبنان وعلى الثورة الفلسطينية، “المقيمة” فيه، في إطار صراعه الشرق اوسطي ضد اسرائيل وضد خصومه العرب. يجب التذكّر والتذكير انه في ذاك الوقت كان هنري كيسنجر قد نجح في فصل المسار السوري عن المسار المصري في المفاوضات مع اسرائيل بعد حرب العام 1973.

ثانياً، كان يهدف حافظ الاسد الى توثيق حلف الاقليات في مواجهة الغالبية السنّية في سوريا التي لها علاقات وثيقة مع سنّة لبنان وامتدادات مع سنة العالم العربي. وهنا ايضاً يجب التذكّر والتذكير ان حافظ الاسد كان اوّل رئيس سوري ليس مسلماً سنّيا. وقد واجه في بداية عهده معارضة شرسة من السنّة ومن تنظيمهم الاساسي “الإخوان المسلمون”. في العام 1973 نجح مرحليا في استيعاب معارضة الاخوان بإدخال تعديلات على الدستور وفي استيعاب البرجوازية السنّية، بخاصة “الدمشقية”، بتخفيف حدّة النظام الاشتراكي. ولكن في الوقت نفسه نسج تحالفاً مع شيعة لبنان. فأصدر الامام موسى الصدر فتوى اعتبر فيها ان العلويين جزء من الشيعة الاثني عشرية. ودعم الاسد تأسيس حركة “أمل” لوقف تجنيد منظمة التحرير الفلسطينية لفقراء الشيعة. وحاول الاسد التقرّب من مسيحيي لبنان، ولذلك صوّر أن أحد أهداف دخول جيشه عام 1976 إيقاف الخطر العسكري الفلسطيني عن القوى المسيحية. فشل الاسد في استيعاب الاقلية الدرزية. فاغتال زعيمها كمال جنبلاط في آذار 1977.

تحالف الأقليات الذي كان حافظ الاسد يسعى اليه في مواجهة الغالبية السنّية في سوريا والعالم العربي، كان ضربًا للكيان اللبناني الذي قام على الميثاق بين الموارنة والسنّة. وعَى المسيحيون الأمر. فتراجعوا. وراحوا يواجهون مشروع الاسد في لبنان منذ ربيع 1978. ولكن الاسد لم يتراجع. كاد ينجح في العام 1985 من خلال “الاتفاق الثلاثي” الذي تمّ بين الاقليات الثلاث: الشيعية والمارونية والدرزية، في ظل غياب المكوّن السنّي. اراد ان يكون ذاك الاتفاق “دمشق” لبنان (نسبة الى “طائف” لبنان في ما بعد). ينهي الحرب فيه ويؤسّس للجمهورية الثانية. ولكنه فشل وأسقطت “القوات اللبنانية” هذا الاتفاق في 15 كانون الثاني 1986.

الحدث الجيوسياسي العالمي المتمثّل بسقوط الاتحاد السوفياتي وقرار القوة العظمى الوحيدة في العالم (الولايات المتحدة الاميركية) القيام بـ “إنزال عسكري” في الخليج العربي ذي الأهمية الجيوستراتيجية، كان “هدية تاريخية” لـ”القائد التاريخي” في سوريا. كان فرصة لتحقيق حلمه الجيوسياسي. انضم الاسد الاب “رمزياً” الى التحالف الدولي ضد خصمه التاريخي في العراق صدام حسين، وحصل “فعلياً” على “صك دولي” لحكم لبنان. وبدأت مرحلة جديدة من تدمير الدولة اللبنانية والكيان اللبناني مع بدء “الجمهورية الثانية”. تجلّت بشكل اساسي بتدمير الحياة السياسية الديموقراطية التي تُميّز لبنان في هذا الشرق المحكوم بأنظمة ديكتاتورية، وتحويله الى نظام أمني – عسكري، وتغييبه عن الساحة الدولية.

كل هذه الممارسات دمّرت أسس النظام اللبناني فعلياً وكادت ان تدمّر الكيان. ولم يبقَ من لبنان، الدولة الديموقراطية، سوى عظات البطريرك التاريخي نصرالله صفير ومعارضة “القوات اللبنانية و”لقاء قرنة شهوان”. ولاقاها من الخارج الجنرال ميشال عون الذي ساهم، من خلال لقاءاته في الولايات المتحدة الاميركية، في تصويت الكونغرس على “قانون محاسبة سوريا من أجل لبنان” في العام 2003، والقرار الدولي 1559 في العام 2004، الذي أعاد لبنان الى الساحة الدولية.

في العام 2005 انتفض لبنان، اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري. أخرج الجيش السوري من أرضه. أزال خطر ذوبان لبنان في “سوريا الكبرى”. ولكنه منذ العام 2012 بدأ يواجه خطر النزوح السوري. إنه أشبه بـ”اجتياح” ديموغرافي يهدّد بتغيير التركيبة الديموغرافية اللبنانية التي هي في اساس الميثاق اللبناني وتركيب السلطة اللبنانية. إنه خطر جيوسياسي!

لقد أصبح معلوماً لدى الجميع ان عدد النازحين المسجّلين لدى المفوضية العليا للاجئين يبلغ حوالى 1.1 مليون نازح. وانه في الواقع حوالى 1.5 مليون. يشكّل هذا العدد الكبير مخاطر جمّة على لبنان، أبرزها:

اولاً، إنه عبء كبير على الوضعين الاقتصادي والاجتماعي وعلى البنى التحتية في لبنان. أصبح لبنان من أكثر الدول كثافة للسكان. زادت منافسة اليد العاملة السورية لليد العاملة اللبنانية بخاصة لدى الفقراء وذوي الدخل المحدود. هذه المنافسة تخطّت المهن التقليدية التي يعمل فيها السوريون (البناء والزراعة) الى الحرف (النجارة والحدادة والحلاقة وغيرها). ما زاد من نسبة البطالة. بالتالي من عدد الفقراء. وهذا يجري في ظل غياب شبه تام للدولة اللبنانية وعجز عن المراقبة والمحاسبة. فبحسب مصادر مسؤولة في الدولة اللبنانية، من اصل حوالى مليون عامل سوري في لبنان فقط حوالى 5000 تقدموا بطلب رخصة عمل من وزارة العمل! كما يثقل النازحون كاهل البنى التحتية من كهرباء ومياه واتصالات وطرقات وغيرها. وغني عن القول ان هذه البنى التحتية في الاساس لا تلبي حاجات اللبنانيين. كما زادت نسبة الجرائم بعد تزايد عدد النازحين. وفي مقدّمها السرقة. ما اضطر بعض البلديات الى اتّخاذ تدابير محلية، وفي بعض الاحيان غير قانونية وغير انسانية، بفرض حظر تجوّل على السوريين في اوقات معيّنة من الليل.

كما يشكّل هؤلاء النازحون خطراً امنيا وارهابيا على لبنان. يكفي ان نعرف ان 35 في المئة، اي حوالى الـ400 الف، من النازحين اعمارهم بين 5 و 17 سنة. فقط 26 في المئة منهم، اي 100 ألف، يتابعون تحصيلهم العلمي في المدارس الرسمية اللبنانية، على الرغم من تنظيم وزارة التربية دواماً اضافيا بعد الظهر من اجل استيعابهم. ما يعني ان هناك جيلاً من السوريين سيكون أمّيًّا. وبالتالي سيكون ارضاً خصبة لانتشار الافكار الدينية المتطرّفة التي تؤدي الى الارهاب.

قبل ذهابه الى مؤتمر بروكسيل الدولي لدعم سوريا ودول الجوار، حذر الرئيس سعد الحريري المجتمع الدولي من عواقب عدم مساعدة لبنان على تحمّل عبء النزوح. ومن بينها هجرة قسم من هؤلاء الى اوروبا. ما استفز بعض السوريين المعارضين الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي. فقد برز لديهم شعور عنصري ضد اللبنانيين. هذا الشعور مرشّح لأن يزداد اذا ما اتّخذت الدولة اللبنانية تدابير بحق النازحين لحماية مصالحها. ما ينذر بعواقب سيئة استراتيجية على العلاقة بين الشعبين الجارين. يُضاف هذا الشعور الى حقد قسم كبير من السوريين على حزب الله (وربما الشيعة اللبنانيين) الذي شارك في قتلهم وتهجيرهم من قراهم ومدنهم وتشريدهم في سوريا وخارجها.

ولكن السؤال الأكبر هل سيعود كل النازحين السوريين بعد ان تضع الحرب السورية اوزارها؟ الجواب كلا. وكلما طالت الحرب هناك زاد عدد الباقين هنا، خصوصًا ان العديد من النازحين أتوا من اماكن بعيدة عن الحدود مع لبنان لأن “الحياة هنا افضل من العراق والأردن وتركيا”. وما يزيد من استحالة عودتهم كلهم هو تدمير العديد من القرى والمدن التي نزحوا منها في إطار خطة ممنهجة من قبل النظام السوري وإيران و”حزب الله” لمنعهم من العودة. وهكذا يكون لبنان قد انتقل من خطر الاحتلال السوري الى خطر النزوح السوري…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل