
بدأت خلال اليومين الماضيين، المرحلة الثانية من اتفاقِ المدن الأربع، الموقع بين فصيليْ “هيئة تحرير الشام” وحركة “أحرار الشام” وإيران التي تنوب عن “حزب الله” خلال المفاوضات من دون أن تتحمّل وزر عناصره الذين يسقطون في الداخل السوري ومن دون العودة الى النظام الحاكم الذي لا يكف رئيسه عن دعوة كل من يُعتبر غريباً، للخروج من سوريا. وقد أفضت مرحلة الإتفاق أمس، إلى خروج كامل الفصائل المقاتلة من مدينة “الزبداني” مع جزء ممن تبقّى في بلدة “مضايا” مقابلَ خروج دُفعة من مقاتلي أهالي “كْفريا” و”الفُوعة”.
صباح الجمعة الفائت، خرج من بلدتي “الفوعة” و”كفريا” الشيعيتين في ريف إدلب الشمالي، نحو 75 حافلة و20 سيارة إسعاف تقلّ نحو 5000 من أهالي البلدتين عبر معبر الصواغية تفتناز باتجاه منطقة الراشدين غرب حلب. وفي المقابل، خرجت 60 حافلة تقل نحو 2350 مسلحاً من مدينة “الزبداني” و”مضايا” في ريف دمشق مع عائلاتهم باتجاه مدينة إدلب ترافقهم 7 سيارات إسعاف تنقل جرحى، وذلك تنفيذاً للاتفاق المعروف بإسم “القرى الأربع”، والموقّع بين المعارضة السورية المسلحة، وبين إيران وحلفائها وتحديداً “حزب الله” الذي تمكّن من استعادة بعض من جثث عناصره من بينهم جثة العنصر جميل حسين فقيه التي كانت تحتفظ بها حركة “أحرار الشام”.
إتفاق “القرى الأربع”، يقضي بإخلاء كامل سكان “الفوعة” و”كفريا” الشيعيتين المحاصرتين في ريف ادلب مقابل إخلاء سكان ومقاتلين من “الزبداني” و”مضايا” السنّيتين المحاصرتين في ريف دمشق. وبهذا تكون سوريا قد خطت خطوة كبيرة باتجاه التقسيم على يد الإيراني الذي كان وما زال يسعى منذ أن وطِئ الأرض السورية وذلك بالتعاون مع “حزب الله”، إلى احتلال جزء كبير من مساحتها تحت حجّة حماية المقدسات والقرى الحدودية، وهو المخطط الذي كان قد بدأ باحتلال مدينة “القصير” ثم قرى “القلمون”، والذي استُتبع لاحقاً بمحاصرة بلدتي “الزبداني” و”مضايا” وتجويع الأهالي وفرض حصار خانق على الأطفال والنساء والشيوخ ومنع المصابين منهم من الخروج من البلدة لتلقّي العلاج.
الأنباء الواردة من «مضايا»، تشير إلى أن ايران نجحت حتى اليوم، بإتمام أكبر عملية تغيير ديموغرافي في سوريا، وذلك بمساعدة وسطاء دوليين ودور بارز قام به «حزب الله» على الأرض. وأخطر ما في الأمر، أن الإتفاق قد تم التوقيع عليه بين وفد عسكري من “الحرس الثوري الإيراني” وآخر من الحزب، وبين قادة عسكريين من “جبهة النصرة”. وتُعتبر “الزبداني” ذات خصوصية عالية بالنسبة إلى “حزب الله” الذي صبّ كل جهده لإحداث أوسع عملية تغيير ديموغرافي في تلك المنطقة، بهدف تحقيق طموح إستراتيجي عنوانه تأمين خطوط إمداده من دمشق إلى سرغايا إلى النبي شيت في البقاع اللبناني، إلى جانب تأمين خط امداد آخر بين الجنوب والشمال اللبناني والذي يمر من مزرعة دير العشائر الى النبي شيت مروراً بسرغايا.
من المؤكد أن “حزب الله” قد استعد حتى قبل إنجاز الإتفاق، لتأمين مناطق آمنة لسكان القريتين الشيعيتين، وهناك معلومات تؤكد أن القرى السورية الواقعة عند الحدود والتي احتلها بقوة سلاحه، سوف تكون ملجأ للنازحين من “الفوعة” و”كفريا”، وقد بدأ منذ اللحظة توزيع الخطط والجهود على مناصريه، لاستيعاب النازحين وتأمين كافة المستلزمات التي يحتاجونها. لكن في المقابل، فإن قسماً كبيراً من أهالي «الزبداني» و»مضايا»، يُحمّلون الحزب و»جبهة النصرة» مسؤولية تهجيرهم وإخراجهم من بلداتهم بهذا الشكل “المُهين”.
كما أن اهالي البلدتين سبق أن أعلنوا أكثر من مرّة، بأنهم لا يريدون الخروج من ديارهم لأن الأفق مجهول عندهم حين خروجهم، بسبب امتلاك معظمهم هناك أراضي زراعية ورثوها عن أجدادهم وآبائهم. ويقول أحد سكّان “مضايا” إن “بنود الاتفاق المتداولة مستهجنة ومرفوضة، فكيف لنا بعد سنتين من الحصار الخانق أن نترك أرضنا وبيوتنا؟ الإتفاقية فرضت علينا في سبيل بقاء أطفالنا ونسائنا على قيد الحياة”. ويسأل: “أين سنُقيم؟ وما العمل الذي سنمارسه؟ وهل سنمضي حياتنا على المساعدات التي تقدمها المنظمات الإغاثية؟”. وينسحب الرفض أيضاً على العديد من سكان “الفوعة” و”كفريا” الذين أصرّوا في بادئ الأمر على الخروج من بلداتهم، قبل أن يُجبروا على الرحيل.
التقسيم الديموغرافي الذي يُطبّق اليوم في سوريا، برعاية إيرانية وغض طرف من النظام السوري، أكده الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان بالأمس بقوله: “لن نسمح بإقتطاع أراض ومناطق من سوريا لصالح أي دولة. طهران تنتهج سياسة انتشار وتوسع فارسية وأصبحت تؤلمنا”، مضيفاً: “لديهم حساباتهم بخصوص سوريا والعراق واليمن ولبنان، يريدون أن يتغلغلوا في هذه المناطق من أجل تشكيل قوة فارسية في المنطقة، هذا أمر له مغزى علينا أن نفكر فيه جيداً”.
ما يجري اليوم من مُخطّطات تقسيمية في سوريا بإدارة إيران، كانت قيادة «حزب الله» وضعت جميع كوادرها وعناصرها في سوريا ولبنان في أجوائها منذ سنتين تقريباً. يومها أكدت القيادة لكوادرها وعناصرها إستحالة السيطرة على الوضع الميداني السوري برمّته أو أقله إسترجاع مناطق وبلدات كانت قد سقطت بأيدي الثوار، سواء سياسياً أو عسكرياً. ويومها دعتهم للانتقال إلى (الخطة ب) المعطوفة والمرتكزة على الإستماتة في الدفاع عن البلدات «المحررة» الواقعة عند الحدود اللبنانية – السورية. واليوم يذهب تركيز «حزب الله» أكثر فأكثر إلى تثبيت احتلاله لهذه المناطق، خصوصاً بعد خروجه خالي الوفاض من معركة حلب الأخيرة، وهو الذي كان يُمنّي النفس، بمساحات تتطابق مع الطموح الإيراني.