
كتب جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1607
عام 1996 حزمت ألين ديب حقائبها وهاجرت الى كندا حاملة معها رزمة من ذكريات حرب موجعة شهدت عليها، ووقَّعت على صفحات سجلّها أسماء وأسماء لأحباء استشهدوا ومنهم من سبقوها الى عالم الاغتراب. لكن في تلك الرزمة كانت هناك أيضًا مساحة لأحلام الطفولة التي عاشتها في منطقة الكورة الشمالية حيث ولدت وزرعت في زوايا البيت والأرض طموحات أسكتتها أصوات المدافع، فكان القرار بالهجرة.
ومع أنها لم تقرر يومًا الانخراط في العمل السياسي، إلا أنها وجدت نفسها في معترك السياسة والخدمات بعد انتخابها عضوًا في بلدية لافال. ومن حينه حملت ألين الملفات الإنمائية والاجتماعية التي تحرص على تحقيقها خدمة للرأي العام والإنسان الذي يحتل صدارة أولوياتها.
وعلى رغم المسافات بقي الحنين الى وطنها الأم لبنان كبيرًا، وأخباره من ضمن أولوياتها ويومياتها. وهي بدأت تتلمس إيجابيات العهد الجديد الذي انطلق على قاعدة تفاهم معراب والتقاء المسيحيين تحت شعار التسامح “على أمل أن ينسحب التفاهم بين كل الأفرقاء لإنتاج قانون انتخابي جديد”، تقول ديب.
ماذا في تفاصيل اللقاء الذي أجرته الرفيقة تيريز حوراني من مونتريال ـ كندا مع عضو بلدية لافال اللبنانية الأصل ألين ديب؟
في الكورة شمال لبنان ولدت ألين ديب وانتقلت مع العائلة الى منطقة زوق مكايل حيث تلقت علومها الابتدائية في مدرسة العائلة المقدسة والتكميلية والثانونية في مدرسة الرسل في جونية. وبعد نيلها إجازة جامعية في التعليم عملت كمدرسة في مدرسة مار يوسف عينطورة.
تعرفت ألين ديب الى زوجها شربل مارون الذي كان يعمل في كندا خلال إحدى زياراته الى لبنان وتزوجا عام 1996. لكن ظروف الوطن الصعبة اقتصاديًا وأمنيًا واجتماعيًا دفعتها الى الهجرة مع زوجها الى كندا. وهناك بدأت تشق طريقها فكانت الخطوة الأولى في الانتساب الى إحدى الجامعات والتعليم لاحقاً في مدرسة ابتدائية.
واظبت ألين ديب على النشاطات الرعوية والإنسانية التي بدأتها في عمر 15 سنة في لبنان، لا سيما على صعيد الجمعيات الإنسانية، فانتسبت الى رعية مار مارون في مونتريال والى الحركة النسائية في كنيسة مار يوسف في لافال، بالإضافة الى جمعيات إنسانية.
قبل انتخابها عضوًا في بلدية لافال تولت ديب رئاسة جمعية “اتحاد شباب الأرز” التي أسستها وتضم حاليًا نحو 300 شاب وفتاة من المراهقين من مختلف المناطق والرعايا المسيحية. وتهدف الجمعية الى تبادل الخبرات والمواهب من خلال إقامة سهرات ورحلات ترفيهية ونشاطات ومحاضرات. وعلى رغم انشغالها في تربية ابنتيها، حرصت ديب على متابعة تحصيلها العملي في اختصاص إدارة الشؤون الاجتماعية الذي ساعدها في عملها البلدي.
بعد التزامها العمل البلدي سلمت ألين ديب مهام رئاسة الجمعية الى أشخاص آخرين. لكن التغيير الإداري انسحب أيضًا على أهداف الجمعية واسمها، تقول ديب، لكنها إصرّت على تحدي كل المعوقات، فانتسبت الى حزب “حركة لافال” الحاكم في البلدة. وتثني ديب على الدور الذي لعبه زوجها في مسيرة حياتها النضالية، لا سيما على مستوى دعمها ومساندتها على المستويين النفسي والعملي.
كيف دخلت مجال العمل البلدي، وهل يشكل مدخلاً للانخراط في الحياة السياسية؟
لم أخطط يومًا للانخراط في العمل البلدي، لكن حبي واندفاعي للعمل الخيري ومساعدة المحتاجين، لا سيما الأطفال والمسنين، بالإضافة الى الأنشطة التي أقوم بها مع الشباب والجمعيات الخيرية، كل ذلك حمّسني على توسيع أطر أعمالي وطموحاتي. ودائمًا كان همي إبراز الوجه الحضاري والثقافي للهوية اللبنانية والأصالة التي تربيت عليها في لبنان. ومع انطلاق التحضيرات للانتخابات البلدية تقدمت بترشيحي بطلب ودعم من عائلتي وعدد كبير من الأشخاص، وفزت في عضوية بلدية لافال.
الثابت أن مفهوم العمل البلدي في كندا مختلف عما هو عليه في لبنان، لا سيما على مستوى اللامركزية الإدارية. فكيف توصلت الى محاكاة هذا الواقع؟
مفهوم العمل البلدي قائم على الخدمات لكنه أيضا عمل إنساني يترجم من خلال الاحتكاك المباشر مع الناس وتوفير الخدمات المطلوبة. لا أنكر أن المسؤولية كانت كبيرة خصوصًا أنني انتخبت عضوًا في بلدية لافال التي يصل عدد سكانها الى 21 ألف نسمة. ولكل فرد أو عائلة مشاكل عالقة مع البلدية أو مع الدوائر العقارية، والحمدلله أنني تمكنت منذ البداية من إنجاز الملفات وحل القضايا وكنت جاهزة للاستماع الى كل فرد يطرق باب مكتبي.
ما هي أبرز المشاريع التي حققتها فور انتخابك عضوًا في بلدية لافال؟
فور تسلمي مهام عضو بلدي وضعوا أمامي ملفاً عالقاً منذ 15 عامًا وقالوا لي “إذا أردت تسجيل إسمك في بلدية لافال كعضو فاعل عليك إنجاز هذا المشروع لأنه يؤمن خدمة عامة لكل سكان البلدة”. وهذا المشروع هو كناية عن مجمّع رياضي وترفيهي عام، فوافقت على أن أتحدى ذاتي ونجحت. وبدأنا في إعداد الدراسات والخرائط للمشروع الضخم مع فريق عمل من المهندسين والاستشاريين. وانطلق العمل في المشروع الذي كان بمثابة حلم لأبناء البلدة ومن المقرر افتتاحه صيف هذه السنة. ويضم المشروع مجمّعًا رياضيًا ضخمًا لألعاب كرة السلة والمضرب والقدم، بالإضافة الى الألعاب المائية وحديقة عامة. الى ذلك، عمل فريق من المهندسين والمقاولين على شق طريق جديدة تصل بلدة لافال بـ”الأوتوستراد 440″ العام مما يساهم في التخفيف من أزمة السير الخانقة، وسوف يتم تنفيذ المخطط قريبًا، مما يشكل خطوة كبيرة لتطوير البلدة وخدمة الناس. كما بدأنا العمل على مشاريع تنموية لإعمار البلدة وتنشيط الحركة الاقتصادية فيها، مما يساهم في إيجاد فرص عمل جديدة خصوصًا للشباب.
وعلى مستوى الخدمات، هناك مشاريع قيد الدرس تتعلق بالنقل العام واستقدام باصات لتكون في خدمة أبناء المجتمع اللافالي.
هل تخليت عن العمل الرعوي الذي نشأت عليه في لبنان؟
أشارك في الأنشطة التي تنظمها رعية مار مارون، لا سيما المهرجان اللبناني الذي يقام سنويًا. كما أتولى رئاسة القسم التربوي في كنيسة مار يوسف في لافال وأعمل على تحضير الأولاد للمناولة الأولى وشرح تعاليم الإنجيل والصلاة.
هل واجهتك صعوبات على مستوى التعاطي مع الجهات الرسمية والحكومية المعنية في المشاريع الإنمائية والخدماتية التي وضعتها في سلم اهتماماتك في مجال العمل البلدي؟
إطلاقاً، المهم أن تكون المشاريع مدروسة علميًا، وهذا ما لمسته في شق التنظيم المدني حيث تمت الموافقة على المشاريع التي وضعتها كونها تلتزم بالمعايير البيئية والهندسية المعتمدة في بلدة لافال.
ذكرتِ أن العمل البلدي هو إنساني في الدرجة الأولى، كيف تمت ترجمته على أرض الواقع؟
عندما وصلت الى بلدية لافال كان همي الأول خدمة الإنسان، لا سيما المسنّين والشباب، وعلى هذا الأساس بدأ العمل على مشروع تشييد مركز خاص لذوي الاحتياجات الخاصة يضم مراكز صحية وتعليمية وترفيهية لهم. وفي موازاة ذلك، بدأنا العمل على مشروع بناء مجمّع للشباب في وسط مدينة لافال يضم جامعة ومدارس ابتدائية وأخرى ثانوية ونفق ميترو ومساكن للطلاب ومراكز تجارية. أما المسنّون، فأحرص على زيارتهم في المنازل ودور الرعاية دوريًا للاطلاع شخصيًا على أوضاعهم والاستماع الى مشاكلهم والتماس حاجاتهم الضرورية. كما أشارك من موقعي المسؤول في البلدية في القرارات التي تخص البلدة.
في أدراج ألين ديب رزمة ملفات ومشاريع تسعى الى تحقيقها عدا عن الملفات الساخنة التي تدرسها حتى ساعة متأخرة من الليل. انطلاقاً من ذلك فضّلت ديب تقديم استقالتها من منصب مديرة إحدى المدارس الابتدائية لتتفرغ للعمل البلدي والمشاركة في النشاطات الرعوية والاجتماعية. وبنفس الطاقة الإيجابية والحماسة التي تحرص على نشرها في محيطها البلدي والعائلي، تستعد ديب لخوض الانتخابات البلدية في الدورة المقبلة، وتقول: “منذ اليوم بدأت أستعد لخوض الانتخابات البلدية لمتابعة المشاريع التي بدأت العمل عليها. وفي حال لم أوفَّق أتمنى أن يكمل الخلف على الخط نفسه حتى لا نخسر ثقة الناس والناخبين”.
وقبل السؤال عن لبنان ومدى اهتمامها بأوضاعه الداخلية على كل المستويات، تبادر بالإجابة: “حنيني الى وطني لبنان كبير. فأنا ما زلت أنتمي الى هذا الوطن، خصوصًا أنني أودعته كل ذكريات طفولتي وفترة المراهقة والشباب. وأنا على تواصل دائم مع أهلي الذين ما زالوا متمسكين بتراب الوطن. وعندما أزور لبنان أتوجه أولاً الى الكورة “لأنو عندي نقطة ضعف تجاه كل زاروب وشارع وبيت فيا”.
وفي الشق السياسي، أعربت ألين ديب عن ارتياحها للوضع السائد بعد انتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية واستعادة المؤسسات الدستورية هيبتها في المحافل الدولية. وأثنت ديب على تفاهم معراب بين حزب “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر”، “لأن التسامح والمحبة من صفاتنا”، وتمنت أن ينسحب هذا التفاهم على كافة الأفرقاء السياسيين لإنتاج قانون انتخابات جديد.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
