نسبيّة أو أكثري أو مختلط أو ستّين أو … تعدّدت التّسميات والهدف واحد. نعم، الهدف واحد وهو التّمثيل الصّحيح، لكن هنالك من يمثَّل بغضّ النّظر عن شكل القانون وذلك لأنّ أعداده تكفل له في ظلّ الأنظمة المطروحة وجودًا تامًّا، على حساب غيره ممّن لا تكفل لهم أعدادهم الوصول. وهنا لبّ المشكلة، وهي في أن ينتَج برلمان يمثّل السّلطة السياسيّة تمثيلًا صحيحًا. فهل سيرضى من احتكر تمثيل غيره بالتّنازل عمّا ليس له في الأساس؟ وهل سيرضى من ولّاهم ليقوموا بدور البديل في ظلّ التّغييب القسري للأصيل؟
لقد أنتجت القوانين الإنتخابيّة التي تعاقبت بعد الطّائف مجالس متجانسة من لونٍ واحدٍ ومن هوى مشتركٍ. فلا عجب من نوّاب مسيحيّين في الهويّة يفاخرون بالنّسبيّة المطلقة التي تؤمّن وصولهم بغير أصوات المسيحيّين حيث يبلغ معدّل النّاخبين المسلمين لكلّ نائب مسلم نحو 27000 صوت بينما لا يتجاوز الـ19000 ألف ناخب لكلّ مقعد مسيحيّ. لذلك، فالنّواب المسيحيّون الذين سيصلون في مناطق الأطراف أو حيث توجد أكثريّة غير مسيحيّة، هم نفسهم الذين يصلون اليوم بقانون أكثريّ وبأصوات غير المسيحيّين.
أمّا كلّما تمّ تقسيم الدّوائر أكثر على القانون النّسبي كلّما تحرّر الصوت الأقلّوي أكثر بالإضافة إلى الصّوت التّفضيلي الذي يعطي حقّ التأثير للأقليّات في ظلّ الأكثريّات وليس فقط المسيحيّين. من هنا، فالمعيار هو نفسه وهو مشترك. ومن يدّعي بأنّ نسبيّة المختلط أو الأكثري المعتمد فيه لا معيار مشترك يحكمه، إنّه كذلك الذي يذرّ الرّماد في العيون. ولا عجب من النواب سليمات فرنجيّة أو ميشال موسى أو إميل رحمه أو غيرهم من النوّاب الذين وصلوا بغير أصوات ناخبيهم بأن ينادوا بالنّسبيّة المطلقة، لأنهم يسعون لتأمين عودة سليمة لهم إلى البرلمان، بحجّة الدّيمقراطيّة لأنّه باعتقادهم هم من يمثّلون أبناء منطقتهم. فلتحرّر أصوات النّاخبين ليتّضح لكلّ شخصيّة حجمها التّمثيلي الذي لا يستطيع أحد نكرانه، وإن كان هذا الحجم يؤمّن الفوز فهنيئًا لكلّ الفائزين عنها. أمّا أن يجاهروا بالنّسبيّة المطلقة بحجّة وحدة المعيار فهذه مشكلة لمن لم يفهم بعد، ماذا تعني النّسبيّة المطلقة لكلّ هؤلاء.
وكلّ نظام انتخابيّ يراعي خصوصيّة المجموعات الحضاريّة ويعطيها حجمها الحقيقيّ، ونشدّد على كلمة ” الحقيقيّ”، هو موضع ثقتنا وثقة كلّ اللبنانيّين. ولا ضمانات تقدّم لأحد على حساب أحد. لأنّه ليس بتوسيع حجم الكتل بنوّاب لا يمثّلون قواعدهم الإنتخابيّة تعطى الضّمانات، بل هي تعطى فقط بالتّمثيل الصّحيح وبالممارسة الصّحيحة للإنماء المتوازن وللعيش المشترك وبتأمين كلّ مقوّمات العيش من قبل السّلطة التّنفيذيّة من دون التّمييز بين أبناء الوطن الواحد.
ويخطئ من يظنّ بأنّ المسيحيّين يرفضون قانون السّتّين فقط لأنّهم كما يروجون لا يعطي أكثريّة للثنائي المسيحي. أفلا يوجد نوّاب يتأثّرون بالصّوت المسيحيّ في الجبل مثلا، أو في جبيل، أو في البقاع؟ إنّ قانون السّتين سيعطي للثنائي المسيحي كتلة من أكبر الكتل النّيابيّة في البرلمان. لكن المرفوض أن تبقى أصواتًا مسيحيّة أو حتّى أصوات غير مسيحيّة من دون تأثير، والمرفوض أيضًا أن يحصل نائب مسيحيّ على أكبر عدد من الأصوات في كلّ لبنان والأقلّ من عدد ناخبيه. من هنا، لن يتخلّى كلّ هؤلاء عمّا يعتبرونه حقّهم الشّرعي متناسين بأنّ هذا الحقّ سيسقط حتمًا مع سقوط قدرة مانحيه.
منطق المحادل زال إلى غير رجعة، ومنطق البوسطات الإنتخابيّة لن ينفع أزلام الوصاية بعد الآن. والتّمديد مرفوض من الأساس إلا لأسباب تقنيّة بحتة. من هذا المنطلق، إن لم تصل القوى السياسيّة الممثّلة في البرلمان اليوم إلى إيجاد صيغة قانون انتخاب قبل 15 أيّار القادم، يكون المسؤول عن ذلك من قرّر أن يفرض بقوّة سلاحه انقلابًا سياسيًّا لن يمرّ طالما في الوطن من هو مستعدٌّ كلّ لحظة بأن يذود عنه حتّى الرّمق الأخير. ومن يصارع اليوم ليأخذ الثلث الرّئاسي المعطّل لمرحلة ما بعد “بيّ الكلّ”، سيسقط رهانه لأنّه لا يوجد شيء ثابت في السياسة بل كلّ شيء يتحوّل. لكن ماذا لو سباق اللحظة الأخيرة أفشل كلّ المبادرات؟ هل سنواجه مرحلة تعطيليّة جديدة بحجج جديدة؟
