
يبتسم البطريرك الماروني، بطركنا، هكذا نغنّجه نحن العامّة الأحرار من الناس الذين نعتبره والدنا، ليس فقط الروحي، انما الحقيقي، الموجود معنا في كل نبضات النضال والايمان وحكايات الوطن وحكاياتنا. نحكي عن الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير بالتأكيد.
يبتسم بطركنا دائما ونحن نريد منه أحيانا، أن يعيد زمن تلك العبسات التاريخية، حين يعبر حدث ما يمس بكرامة وطن حمله لنصف قرن على الاقل في ضميره ومواقفه وصلواته وتصريحاته التي كانت ما قل ودل، ولكنها تنسكب جبال نار فوق رؤوس الاحتلال وأزلامه وأعوانه الصغار، دائما صغار ولا يزالون…
أشتاق الى عبسة بطركنا تلك ولا أنساه، عمري لن أفعل وخصوصا حين سألوه “متى تذهب الى قصر المهاجرين؟” وبهدوء مرعب وبعبسة الزمان تلك جاءت تلك الاجابة التاريخية المدوية “وين بيوقع قصر المهاجرين؟!” أربع كلمات اختصرت موقفا تاريخيا دونته ذاكرة الاجيال الى الابد، لم يكن يحتاج للكلام المعسول، للف والدوران ليعلن رفضه الاذعان لهيمنة سفاح الشام، سواء أكان الاب أو من بعده ذاك الابن. لم يصرخ البطريك يوما بالصوت العالي، لم يحتاج لذلك، كانت تكفي تلك العبسة وتلك الكلمات المقتضبة ليدخل اللبنانيين والموارنة، الى مجدهم التاريخي الضارب في صخر لبنان مواقف بطولية، مهما حاول ازلام الزمن الصغير نكرانه او الهروب منه وتبقى في مدونة الايام تاريخ التواريخ.
“الطائف منحنا 64 نائبا وبدنا 64 نايب للمسيحيين”، صرخ مرة من على شرفته حين شعر أن ثمة من يسعى الى المسّ بالتمثيل المسيحي في لبنان و…ونقطة على السطر. ما كان يحتاج الى كثير تفسير واجتهاد ليفسّر موقفه، قال كلمته وانتهى الامر وليفهم من يفهم أن لا تراجع عن حقوق مكتسبة لنا، حقوق لا نتوسلها من أحد بل نفرضها على الجميع لاننا نحن هنا ام الصبي وابيه وعيلته كاملة، نحن هنا الضاربة جذورنا في هذا الشرق، نحن هنا أبناء يوحنا مارون، أولاد الأرض والتراب والتاريخ والنضال، نحن، نحن الشركاء الحقيقيين في وطن صارت ينابيعه من دمائنا، وصارت دماؤنا ينابيع متفجرة في صخر وطن حتى اللحظة، حتى اللحظة يا عالم ما زال يرتوي من نضالنا. هذا ما كان يقوله بطركنا، هذا ما زرعه فينا ذاك الرجل الاسطوري، هذا ما ربينا عليه وحملناه كصفحة من صفحات انجيل مقاومة في حياتنا، هذا ما علّمنا اياه ذاك العابس الرائع حين يستشعر بالخطر والمؤامرة على حساب وطن صنعه أجداده.
لا يهمنا من يصوّب سهامه عليه، فتلك ليست سهاما، هؤلاء ليسوا أكثر من قرقعة صدى فوق طناجر فارغة، هؤلاء جوف يطنطن فيه العبث والتفاهة، ورائحة احتلال يذهب ولا يستطيع أن يعود الا عبر أصوات مشابهة، أصوات لا تشبه الا حالها وحالها ليس اكثر من نقيق ضفادع في بحيرات آسنة.
لا نسمح لأنفسنا بالاساءة لسيّد صرح ما كان يوما الا سيدا في مكانه، عبر الرد على أناس صغار صغار في الزمان والمكان والمواطنة، ولا نقبل بالمقابل أن يسيء أحد الى بطريرك صنع بمواقفه كرامة هؤلاء الذين هم من دون كرامة بالاساس. لا تمسّوا بسيدنا، لا تقاربوا خطنا الاحمر، لا تتطاولوا على من يمثّل حالنا ونحن نمثله، كل صوت حر فينا هو صفير، كل كرامة تلبس جسد انسان ولا تهم الطائفة او المذهب، ديننا لبناننا، ولبناننا الاصيل هو الكثير من بطركنا، كل هؤلاء هم عبسة الكاردينال وبسمته أيضا، لولا تلك القيمة الوطنية الكبيرة لما كانت مصالحة الجبل التاريخية، لولا ذاك الرجل المتواضع الكبير لما كان اتفاق الطائف ولما انتهت الحرب العبثية في لبنان، لولا ذاك الصبور المتوغل في التسامح لما بقي حجر فوق حجر على درج الايمان بالمسيحيين وبقضيتهم في عز الاحتلال السوري، وخصوصا بعد اعتقال سمير جعجع ونفي ميشال عون، وقف وحيدا معنا في وجه رياح هوجاء ولم ينحنِ يوما، لم يتراجع عن ثوابته، بالبسمة حينا، بالعبسة أحيانا بقيت أقواس العز منتصبة في بكركي، وكلو صار يحكي تركي الا بكركي بقيت تحكي صح، كما قال يوما ضاحكا ممازحا ناسه في ساحة صرح الكرامة والايمان، عرين الموارنة واللبنانيين جميعا، ساحة بكركي، ساحة البطاركة، ساحة الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير وما كان قبله ومن اتى بعده، يا سيدنا…
