
كتبت “المسيرة” في العدد 1607
“في يمين المولى ـ التعصّب في ميزان التحليل النفسي” لجيرار حداد واحد من الكتب المحفّزة على التفكير بعمق في الإجرام الجماعي الذي ينمو في عقل جماعي مريض. صدر الكتاب أولاً بالفرنسية تحت عنوان “dans la main de Dieu” وقد عمل القارئان/ الناشران رشا الأمير ولقمان سليم على تعريب كتاب حداد، وهو مهندس زراعي، تونسي المولد، فرنسي الجنسية، بدقة وبراعة، فأضافا إلى القيمة البحثية، قيمة لغوية، وهما في هذا المجال، مجليّان.
أبدأ بإشارة وردت في واحدة من صفحات الكتاب الأخيرة ميّزت بين “التعصّب” وبين “التطرّف” على سبيل المثال إن تطرف المرء في تدينه، بحسب الكاتب، معناه أن يزداد منسوب الإيمان لديه، وبهذا المعنى يمكن وصف البعض من الصوفيّة ومن المترهبنين به، بينما التعصّب شيء مختلف كل الإختلاف. وهو مبني على صفات عدة منها الكره إلى حد القتل، بل إلى حد الإبادة، كل من لا يشاطرك الإيمان نفسه، وفي التاريخ المعاصر، من النازية إلى الداعشية نماذج.
ينقسم كتاب حداد إلى قسمين رئيسين: الأول بعنوان القوانين الأساسية للتعصّب، والثاني تناول البنية النفسية للمتعصّب. ويتفرعّ من كلا القسمين غصون ومرتكزات وخلاصات، تضيء جوانب غامضة أو ملتبسة بموضوع التعصّب.
“إن الحقيقة التي يستند إليها المتعصب أشبه ما تكون بكتلة غشيمة صلدة لا وجه لها ولا عمق ولا حنايا ولا أبعاد”، يكفي التفكّر بهذه العبارة وإسقاطها على الساعين إلى أمة الخلافة على حد السيف.
يحدد جيرار حداد، المتأثر بجاك لاكان، معالجه النفسي، أشكال التعصّب بأربعة: القومية، وهي بحسب إيشعيو ليبوفيتش، الطريق الأخصرُ إلى الهمجية ثم التعصب العنصري (الأفظع والأكره)، وثالث الأشكال التعصّب القائم على الإيديولوجيا التوتاليتارية، كما الإيديولوجيا الشيوعية، والشكل الرابع من أشكال التعصب هو التعصّب الديني “الذي ينزِلُ منه التعصّب الإسلامي، اليوم، منزلة المثال البليغ.”
ولاحظ المؤلف، وهو أساساً مهندس زراعي، أن للتعصّب طبيعة خيالية مستنداً إلى مشهديات النازيين في نورنبرغ وفظاعات معسكرات الإعتقال، وصولاً إلى مشهديات القتل الداعشية وما شهدناه ونشهده في كوريا الشمالية، (في عهد الديكتاتورالشاب كيم جونغ أون) وينسب المؤلف إلى بعض الدعوات الدينية إلى الكونية أنها تستنبط نوازع تعصب، ويعطي أمثلة ونماذج من الديانات التوحيدية الثلاث… ويرى في فصل آخر، إن المهدوية، أي المشروع الرامي إلى إنشاء عالم مثالي على أكوام من الجماجم، هو الطيف الملمّ بكل أشكال التعصّب.
في القسم الثاني، فصول بعناوين جذابة للعقل منها “من عقدة الأخوة إلى الكراهية المرسلة” وفيه عود إلى علم النفس الفرويدي وتجاوز للمسألة الأوديبية وإلى لفظة أخ والتباساتها، ثم يأتي فصل “في التعصّب من حيث هو انتشاء ومتعة” و”التعصّب: أرجوحة القلق والحبور”… ألخ. استوقفني في خاتمة الكتاب نقض لمقولة عامة: “لقد ساد الإعتقاد، ذات حين، أن تقدّم العلوم والمعارف يقطع الطريق على هذا الطاعون، ولقد بُني هذا الإعتقاد على أن التعصّب هو وليد الجهل وقلة المعرفة المودية إلى الخطأ. غير أن هذا الإعتقاد لا يَني يُثبتُ خطله. فمعتقد التعصّب هو القيم. والمتعصّب أشبه بالخادم المتفاني بين يدي قيمة ما أو منظومة قيمية”. واستوقفني وصف التعصب”بالكمامة التي تكُمُّ الوعي” ومتعني، مرة أخرى، ما لا يمكن “تطفيفه” وهو صياغة عربية لا “تتدنى” قيمة عن المضمون التحليلي، وهذه ليست بجديدة على “دارالجديد”.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]