.jpg)
كتبت نجاح بومنصف في “المسيرة” – العدد 1608
أربع سنوات على ذاك التاريخ المشؤوم، يوم رحل بيار صادق، خلناه رحل، وتراه لا زال الغائب الحاضر الكبير، هو “توما” الفلاح “المسيّس”، هو “الكاريكاتوريست” العبقري الحر، هو المقاوم المتمرد العاشق للحرية حتى الموت، هو “الملك” مؤرخ لبنان الحديث بالريشة اللاذعة وعلى مدى 50 عاما…
من أين نبدأ؟ 50 عاما، 30 ألف رسم كاريكاتوري، انتظرناه مع صياح ديك “النهار” فجر كل يوم متلبسا ذاك ال”توما”… فلاح لبناني يطل علينا بطربوشه وسرواله محنكا سياسيا، ظريفا لاذعا ساخرا، برسمة، بكلمة “يفش خلقنا” و”يرقص” عظام أجهزة الاستخبارات وجنرالات الوصاية السورية وأزلامها في لبنان، غضبا وغضبا وغضبا حتى التهديد بالقتل، وما استكان “توما” يوما، ولا عرف الخوف ولا كل ذاك التهديد والوعيد طريقا الى إسكاته، هو بيار صادق “الملك” الذي أرّخ بريشته لبنان الحديث نلملم بعضا من “مجلدات” حكاياته، من ذكريات رفيقة المشوار “الحلو”، تستعيده بكل ذاك الاشتياق، بكل ذاك الحنين ودموع العين تشي بكل ذاك الحب، بكل ذاك الانبهار بسيرة كبير في قلبها نحت اسمه كبيرًا بين كبار من بلادنا…
.jpg)
50 عاما بالكاريكاتور
“بيار كتب تاريخ لبنان بريشته.. بالكاريكاتور على مدى 50 عاما”، وتسترسل حنان صادق “منذ العام 1964 كلما رسم بيار كاريكاتورا لجريدة “النهار” كان يعود بالنسخة الأصلية الى المنزل يسلمني إياها وانا أحفظها، هكذا تمكنت من جمع كل رسومه، أحفظها وأسجلها، بس ولا مرة فكرت إنو بيار راح يروح بكير وانا من دون ما أعرف كنت عم احفظ إرثه وثروته الكبيرة تلك لعائلته.. لوطنه”.
قصتها مع بيار صادق بدأت عام 1962 “كنا ولاد لما تزوجنا، أنا في السابعة عشرة من عمري وهو في الرابعة والعشرين، أنا من كفرشيما وهو من بعبدا، قرابة كانت تربطنا تعرفنا على بعض، انغرمنا وبعد 19 شهرا تزوجنا، كان حبا نظيفا عذريا، كانت ثمرته 3 أولاد، وتفرغت كليا له ولعائلتنا”.
عندما تزوجت حنان من بيار صادق كان قد بدأ العمل في “النهار”، لكن مسيرته مع الكاريكاتور بدأها باكرا في السابعة عشرة من عمره، منذ خمسينات القرن الماضي، وكان لا يزال طالبا في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (ألبا)، حين بدأ بيع رسومه الى وسائل الإعلام اللبنانية. وما كان هو أول كاريكاتوريست لكنهم كانوا آنذاك إثنان معروفان في لبنان: ديران عجميان وخليل أشقر، فأصبح هو ثالثهما.
.jpg)
كيف اكتشف موهبته في رسم الكاريكاتور؟ تخبرنا “كان الفنان التشكيلي الكبير قيصر الجميل أستاذه في معهد “الألبا” وحين كان يرى رسومات بيار كان يقول له “في شي برسوماتك انا مش عم بعرفو، مش عم بفهمو”، ولما كان والد بيار أيضا رساما نصحه بالتوجه نحو الكاريكاتور وهذا ما حصل، وحين رأى قيصر الجميل لاحقا رسومه قال له “إنت اكتشفت نفسك، بس أنا أستاذك ما عرفت كيف اكتشفك”.
في السنوات الثلاث الأولى رسم بيار صادق لعدة صحف لبنانية منها “الجمهور” و”الأفكار” وصولا الى “الأنوار” و”الصياد”، وكان رئيس تحريرهما الراحل سعيد فريحة من المعجبين بشخصية الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر وكان يبدي انزعاجا من الأسلوب الذي كان بيار صادق يصوره به، لكن علامات “تمرد” صادق برزت منذ ذاك الحين وقد روى بنفسه يوما: “كان سعيد فريحة يقول لي إنني أجعل عبد الناصر يبدو قبيحا في رسومي، وكنت أجيبه بأنني رسام كاريكاتور وليس مصورا للأشخاص”.
.jpg)
الى عالم “النهار”
وفي أحد أيام سنة 1958، إلتقى بيار صادق صدفة برئيس تحرير جريدة “النهار” غسان تويني، الذي عرض عليه العمل معه، لم يتردد للحظة، غادر “دار الصياد” وانخرط في عالم “النهار” وما تأخر حتى صار ركنا من أركانها.
.jpg)
لولا “النهار” هل كان ليلمع نجم بيار صادق؟
لا تنكر أرملة الراحل الكبير ان “النهار” كانت المحطة التي أطلقت اسمه عاليا وعاليا جدا في عالم الكاريكاتور، لكنها تستطرد “كيف لغسان تويني ان يشتلق على موهبة بيار صادق ويطلب منه العمل في “النهار” لو لم يكن بارزا، ولو لم يجد فيه تلك اللمعة، ولو لم يجد أنه سيحقق ذاك النجاح الكبير لما خصص له 8 أعمدة في الصفحة الأخيرة”. كيف تم كل ذلك؟
في “النهار”، بدأت رسوم بيار صادق في السنة الأولى تنشر على الصفحة الثانية، وسرعان ما انتقلت الى الصفحة الأخيرة لتتمدد على ثمانية أعمدة وتفرض نفسها رديفا لمانشيت الصفحة الأولى “كاريكاتورا” في سابقة ما عرفتها الصحف سابقا. وما اقتصر الأمر على ذلك، إذ سرعان ما صارت أكشاك بيع الصحف في بيروت تعرض صحيفة “النهار” مقلوبة على صفحتها الأخيرة بدلا من صفحتها الأولى، لتجتذب القراء من زاوية ذاك الكاريكاتور، فما كانت تستعرضه “النهار” في مانشيتها العريضة كان بيار صادق يختصره رسما بريشته، وهكذا يوما بعد يوم وسنة بعد سنة رأينا بيار صادق يؤرخ أحداث لبنان الحديث بريشته، بذاك الأسلوب السهل الممتنع، المضحك المبكي، الساخر المستفز، يضع الإصبع على الجرح حتى الوجع الكبير، وعلى مدى 50 عاما وحتى وفاته في 24 نيسان عام 2013.
على الصفحة الأخيرة للجريدة اللبنانية الأعرق صار بيار صادق عمودا من أعمدتها الأساسية يختصر الحدث السياسي برسمة، بكلمة من “توما”، وكانت “النهار” له الجامعة “كان يقول أنا تخرجت من جامعة “النهار” ناسجا مع ميشال أبو جودة صداقة مميّزة ليشكلا معا ثنائي الجريدة الأشهر والأبرز: الكلمة والريشة”.
.jpg)
الريشة في صلب الحدث
أدمن بيار صادق الرسم كاريكاتورا، حتى العشق، فكان دائم التأهب، يتابع الحدث دقيقة بدقيقة يستلهم منه الأفكار ويرسم، وتخبرنا رفيقة العمر “أحيانا كثيرة كان يترك “النهار” وقد أنهى عمله، لكن ان جدَّ حدث ما سرعان ما يعود أدراجه ليضع رسما جديدا يتناغم والحدث، ما كان ليقبل يوما ان يكون رسمه خارج ذاك الحدث بل في صلبه. وهذا ما حصل يوم توفي عبد الناصر وكان عائدا الى المنزل حين بث الخبر فعاد فورا الى “النهار” ليرى في طريقه الناس تصرخ وتبكي، وفي صباح اليوم الثاني وقف اللبنانيون مبهورين أمام كاريكاتور “النهار” “هرم يبكي عبد الناصر”، الصورة التي تلقفتها وكالات الأنباء العالمية ونشرتها. وهذا الأمر تكرر مرارا، لطالما لفتت رسومه أنظار وكالات عالمية وبينها كاريكاتور عن الزعيم السوفياتي الراحل ليونيد بريجنيف يبيع الكعك على حصان وغيرها.
.jpg)
“شو باك يا بيار ناسينا”
لم يترك صادق حدثا محليا، إقليميا أو دوليا إلاّ وأرّخه رسما، ولم يترك شخصية كانت وراء ذاك الحدث إلا وطاولتها سهام ريشته، حتى صارت تلك الريشه سيفا مسصلتاً فوق رؤوس الكثيرين، والنتيجة كانت أن ضغوطاً كثيرة مورست عليه، وحتما الكثير من التهديدات، لكن عبثا. يا جبل ما يهزك ريح. “يللي بدو يرسمو، يللي بدو يعملو، لا أحد كبيرا كان أم صغيرا، قريبا أم غريبا، كان ليمون عليه أو يخضعه أو يخيفه”، هكذا بدأ وهكذا استمر وهذا كان شرطه الأول والأخير ليعمل… وكان له ذلك دائما ومتى تعثر شرطه حمل ريشته ومضى!
“كثير من السياسيين الكبار كان يزعجهم، لكن الغريب انه عندما تغيّب ريشته وجوهههم يتصلون مستفسرين شو باك يا بيار ناسينا”.
.jpg)
المكتب الثاني… تهديدات وإغراءات
ولن تنسى حنان صادق خبرياته ومغامراته مع المكتب الثاني وما أكثرها “كان الرئيس شارل حلو يسكن في القصر الجمهوري في سن الفيل، فوضع بيار يوما كاريكاتورا يصور الفيل (نسبة الى سن الفيل) والخرطوم والدبابة مشتبكين ببعضهم، ما أثار غضب المكتب الثاني فاستدعوه الى المحكمة العسكرية وأخرجوه بحكم سجن لشهرين مع وقف التنفيذ”.
وتخبرنا ان أجهزة المخابرات لطالما سعت لإغرائه واجتذابه إليها بعروض سخية جدا حتى انه في العام 1968 استدعي بيار الى وزارة الدفاع ليعرضوا عليه العمل كرسام لدى الوزارة براتب “فاحش”مع منزل وسيارة وسائق ومع تأمين دراسة أولاده لقاء ترك جريدة “النهار”، فأجابهم “بيت عندي، سيارة عندي، ولادي حاططن بأحلى مدارس، وانا ما بقدر أدخل مؤسسة كل يوم وألقي التحية العسكرية”، وانصرف.
.jpg)
بعيدا عن “نهاره”
عام 1978 أجبرته الحرب اللبنانية على اتخاذ القرار الأسوأ الى قلبه، مغادرة “النهار”، ما عاد بإمكان الرسام المهدد والملاحق التنقل بين الغربية والشرقية، ولما شعر بالخطر الكبير، اضطر الى ترك “جريدته” والانتقال الى صحيفة “العمل” التاعبة لحزب الكتائب، ليستمر فيها زهاء عشر سنوات، وكما العادة بشروطه “حريته المطلقة في الرسم والتعبير”.
طبعا “العمل” استجابت لشروطه، وما سهل الأمور كما تقول زوجته ان ميول بيار السياسية “كانت دائما يمينية ما يعني ان العمل في “العمل” ما كان غريبا على توجهاته” مع تشديدها انه لم ينتمِ يوما الى حزب، لكنها لا تنكر “كان معجب جدا بالشيخ بشير الجميل، وبعد سنوات أعجب بالرئيس رفيق الحريري”.
وتخبرنا “كان بيار يحترم الجميع، لكنه كان يتقصد البقاء على مسافة بعيدة، لأنه بذلك أراد ان يؤمن الحصانة لعمله، الحصانة لحريته، ليتمكن دائما من انتقادهم متى اقتضى ذلك”..
.jpg)
غير بشير… ما حدا ظمط من ريشتو
هو الذي أحب بشير كثيرا هل طالته ريشته يوما؟ تسرح حنان صادق بأفكارها “بشير كان غير قصة، فات على عقول وقلوب الكل، رسمه كثيرا منذ انتخب رئيسا للجمهورية وحتى حادثة اغتياله، لكن الوقت كان قصيرا جدا وما لحق بشير يعمل شي لحتى ينتقدو، بشير إجا على حياتنا وراح متل البرق، وهكذا صوره بيار على أحد أغلفته “برقا”.
وغير بشير، تؤكد حنان صادق “ما حدا خلّص مع بيار”. زعماء وسياسيون يمينيون ويساريون “ما حدا ظمط من ريشتو”، فكيف بأزلام الوصاية السورية وفي عز هيمنتها على لبنان؟ فلهؤلاء كانت حصة الأسد من أعتى سموم ريشته، فكانت حربا عليه…
تخبرنا أرملة الراحل “المتمرد” انه يوم كان في جريدة “العمل”، وجه إليه السوريون عبر أزلامهم رسائل وتهديدات ليكف عن تناولهم في رسومه، طبعا هو ما استجاب، لكن الشيخ بشير خاف عليه وأراد ان يضع له عناصر لحراسته لكنه رفض، فاضطر بشير الى فصل عنصرين لحراسته ومواكبته سرا أينما ذهب من دون ان يعرف.
حرّ، قوي، مستقل ولا يخاف أحدا، “الفكرة التي تأتي على رأسه ينفذها بلا أي حسابات، ما كان ليخاف من أحد حتى الخطر، حاول السوريون وعملاؤهم في لبنان إخضاعه، أرسلت إليه التهديدات بواسطة أشخاص، هُدِّد بعمله، بعائلته بأولاده، والنتيجة هجرنا من منزلنا في الحازمية، لنتنقل في الثمانينات من شاليه الى آخر، واستمرينا هكذا 10 سنوات”.
وفي حديث صحافي روى بيار صادق يوما “في عهد رئاسة إميل لحود تمادى الجنرالات السوريون واستدعوني ليبلغوني بأن رسم رئيس الدولة أمر مناف للقانون، فاضطررت إلى أن أجيبهم بأنني أرسم رئيس بلادي وليس رئيس بلادهم هم”. وتوالت الرسائل المهددة، ولم يستسلم ليستمر حصرمة في عيونهم.
.jpg)
وعاد الى “النهار”
وضعت الحرب اللبنانية أوزارها، وكان الحدث الجميل، “طلب غسان تويني من أنسي الحاج ان يعرض على بيار العودة الى “النهار”، وما كان ليرفض حتما العودة الى مكان لطالما اعتبره بيته الثاني “عاد وبشروطه إياها… ما حدا بدق بكاريكاتوره.. وكان له ذلك.
وإن كانت ظروف سياسية او أمنية استثنائية استلزمت تدوير زوايا ذاك الكاريكاتور كان جوابه سليطا “لا” كبيرة ومش مستعد أرسم كاريكاتور آخر بديل، والحل صدور “النهار” بلا كاريكاتور صادق، ليشكل غيابه الحدث بحد ذاته. ولا تخفي حنان صادق ان ذلك “ما حصل يوما مع غسان تويني، لكنه حصل لاحقا، وعندما ترك بيار صادق “النهار” بعد 40 عاما، بكى غسان تويني”.
كاريكاتور… رسوم متحركة
عام 1985، إنجاز آخر غير مسبوق حققه بيار صادق، ليقتحم عالم التلفزيون بفكرة مبتكرة، رسم الكاريكاتور السياسي المتحرك للتلفزيون، وتحديداً لقناة الـ”إل.بي.سي”
حكايته مع الكاريكاتورالـمتحرك ترويها حنان صادق “كان يقول لي دائما لازم الصورة تتحرك، التجدد كان هاجسه الدائم، الى ان اجتمع بالدكتور سمير جعجع الذي كان قد أطلق المؤسسة اللبنانية للإرسال يومذاك، فطرح عليه الفكرة كي ينفذها في ال “ال بي سي”، قال له “بدي أعمل كاريكاتور متحرك” سأله جعجع بتصير هيك؟ أجابه نعم، وعلى هذا أعطى جعجع توجيهاته ليعطى بيار صادق ما يريده، وفتحت أبواب ال “ال بي سي” أمامه، وبدأ العمل على إطلاق الكاريكاتور المتحرك المتلفز الذي شكل سابقة في لبنان والعالم العربي “بالأول بدا هذا الكاريكاتور كطفل يمشي خطواته الأولى، وبعد شهر بدأنا نتحسس تقدمه وبعد سنة صار الجميع ينتظره ومن كان ذاهبًا ليسهر أصبح ينتظر كاريكاتور بيار صادق ليراه وبعدها يمضي الى سهرته، وصار الكل يتتبعه كبارا وصغارا”.
وهكذا دشّن بيار صادق أولى شخصياته المتحركة في أيار عام 1986، وبعودته لاحقا الى “النهار”، صار عليه كل يوم أولا إنجاز رسمه التقليدي للجريدة وثانيا الرسم المتحرك للتلفزيون، وصار اللبنانيون على موعدين يوميا مع صادق صباحا على الجريدة ومساء على التلفزيون.
.jpg)
هل أخذ كاريكاتور ال”ال بي سي” وهج رسم “النهار”؟
تجيب حنان صادق فورا “برأي بيار كاريكاتور التلفزيون المتحرك كان عليه رسمه بطريقة كي يتمكن المشاهد في دقيقة ونصف من استيعاب الصورة وفهم رسالتها، بينما في الجريدة تبقى الصورة أمام القارئ طوال النهار لتحليلها واكتشاف رسالتها، بالنسبة إليه لكل من “ولديه” خصوصيته وجماله”.
السيّد خيّر الضاهر.. إقفال الLBC إو إسكات صادق
“عام 2002، غادر بيار صادق قناة ال”إل بي سي”والسبب الضغوط والتهديدات التي كان يمارسها اللواء جميل السيّد”. تخبرنا السيدة صادق وتضيف: “كنا لا نزال تحت الوصاية السورية وكان الضغط كبيرًا جدا على بيار الضاهر لمنع بيار صادق من المساس بكل ما يتعلق بالأداء السوري في لبنان، وصل الى حد تخييره بين إقفال ال”ال بي سي” أو إسكات بيار صادق”.
وعلى هذا، وبتلميح مبطن لعدم وقوف الضاهر بوجه تهديدات السيّد “ولأن بيار ما حدا بيقدر يسكتو اختار ان يترك، وما ان عرف الرئيس رفيق الحريري بذلك حتى استدعاه طالبا منه العمل في تلفزيون المستقبل ليكمل في المستقبل ما بدأه ولمع به في ال”ال بي سي” وبالشروط ذاتها”، وتقول حنان صادق “كانت ساعة خير، الرئيس الحريري أبدى تقديرا ومحبة كبيرة له وكان يناديه بـ”الملك”.
ألم يمارس السوريون الضغط على “المستقبل” لإسكاته؟
تجيب وضع ال”ال بي سي” كان مختلفا، كانت المحطة الأقوى في لبنان والعالم العربي والكل أنظارهم عليها ما جعلها هدف السوريين الأكبر، علما ان المستقبل ما “ظمطت” من هذا الجو ولطالما قال الحريري لبيار صادق “انتقدني قد ما بدك بس خفف عن السوريين”، لكن كما العادة اشتغل على راسو ومتل ما بدو في “المستقبل” والرئيس الحريري كان مبسوط في كتير”.
ما نكاد نسأل حنان صادق أي تفصيل في حياة زوجها المهنية حتى يكون الجواب حاضرا، وتشرح وقد اغرورقت عيناها دمعا “أنا أحب زوجي كثيرا، عشت معه سعادة كبيرة وطبيعي ان أدخل عالمه ويصبح جزءا من عالمي”، ومع هذا تنفي هي تدخلها أو تأثيرها في عمله “ما حدا، ما حدا بيقدر يتدخل أو يؤثر بشغل بيار لا أنا ولا غيري، ما تجاوب يوما مع أحد ولا سمع لأحد، لا يسمع إلا لأفكار بيار صادق”، وتستطرد ضاحكة “هو الذي أثر بنا، حوّل بيتنا الى جو جرايد وصحف وسياسة، جعلنا مسيسين”.
.jpg)
في مواجهة المرض
وتقول “بيار كان تاريخًا جميلاً، لكأنه ولد تحت نجمة الحظ، كل حياتو كان الحظ مرافقو، ما أخافه شيء ولا هزه أحد يوما إلا شيء واحد: المرض، ومع هذا واجهه بجبروت وقاومه، لكن المرض انتصر عليه.. ورحل باكرا جدا”.
سنة ونصف السنة حارب صادق المرض، أخبره الطبيب مباشرة باصابته بسرطان الرئة، علما انه كان قد ترك السيجارة منذ 20 عاما، تقبل الأمر بشجاعة وسأل الأطباء ماذا علينا ان نفعل؟ “وبدأنا العلاج الكيميائي، ومعروف ان تأثيره مزعج جدا على المريض، ومع ذلك كان بيار يصر على الذهاب الى عمله يوميا لينفذ رسمه ويعود الى المنزل ليرتاح واستمر هكذا حتى الشهرين الأخيرين من حياته، عندها كان قد استوى والمرض نال منه، وتوقف عن العمل”.
بيار صادق… في ذاكرة الاجيال
رحل بيار صادق لكنه لا زال حيا في ذاكرة الكبار كما الصغار، ولكي يبقى في ذاكرة الوطن والأجيال، ولأن لبنان ما اعتاد ان يقدم لكباره ومبدعيه ما يستحقونه لإبقاء ذكراهم وإرثهم الحضاري الكبير، ما وقفت العائلة تتفرج على اضمحلال اسمه، “طحشت” بمبادرة منها، ومنذ أربع سنوات لتثبيت ذكراه ونثر إرثه على الجامعات، على الأجيال الجديدة.
والزوجة التي شكلت لولب ومحرّك ذكرى بيار صادق الى جانب أولادها الثلاثة، انطلقت أولا الى فرز وتسجيل الكمّ الهائل من نتاجه الكاريكاتوري، وكي يبقى بيار وشخصيته الكاريكاتورية في البال، ولدت “مؤسّسة بيار صادق”، وبعدها فتحت العائلة أرشيفه وعممّت أدبه الكاريكاتوري على الجامعات اللبنانية التي تعنى بالفنون، ليكون هذا الإرث في خدمة طلاب الرسم ولا سيما فن الكاريكاتور.
والى ذلك نشاطات عدة تصاعدت تدريجيا، بدءا من تسمية شارع باسمه في الأشرفية، فإلى إصدار طوابع بريدية حملت رسمه، فإلى نصب تمثال نصفي له في جامعة سيدة اللويزة، وصولا الى إطلاق جائزة “ريشة بيار” لتوزع في آذار الفائت أولى جوائزها.
وتعود إليه لتقول “بيار ليس أول ولا آخر رسام كاريكاتور في لبنان، لكن ما عرف لبنان شبيها له، كان ولا يزال الأول، هذه حقيقة” وتذكرنا “منذ 50 عاما يرسم أحداث لبنان ومعروف انها كانت تعيد نفسها، لكنه ما وضع يوما رسما كاريكاتوريا يشبه سابقا له، حتى انه كل ليلة وحول الحدث ذاته كان يعطي لـ”النهار” كاريكاتورا يختلف تمامًا عن كاريكاتور ال”ال بي سي”.
وآخر ما تقوله ولا زال الكثير الكثير ليقال ولا تسعه المجلدات هو عن إيمان بيار صادق “نعم كان مؤمنا لا ينام قبل ان يصلي، لا يخرج من منزله إلا ومعه تمثال صغير لشفيعته القديسة ريتا”، وتختم “من قضى العمر يرسم كل يوم كاريكاتورا نابعا من إيمانه بوطنه متحديا كل الأخطار، اليس ذاك أيضا صلاة”.
ويرن هاتفها،هي الموسيقى التي اعتدنا سماعها معلنة فقرته الكاريكاتورية على ال”ال بي سي” ومن ينساها، جعلتها تلك السيدة رنّة هاتفها الدائمة لتبقيه ملاكا يحيطها في كل تفاصيل حياتها، هو الغائب الحاضر أبدا يحيا فيها وتحيا بذكراه ولأجل ذكراه في كل لبنان.
- الصور والرسوم الكاريكاتورية من أرشيف “المسيرة” والسيدة حنان صادق – حقوق النشر محفوظة.
- للإشتراك في “المسيرة” Online:
- http://www.almassira.com/subscription/signup/index
- from Australia: 0415311113 or: [email protected]