
كتب نجم الهاشم في إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1608
في 26 نيسان 2005 وقبل مغادرة آخر جندي سوري لبنان عن طريق المصنع كانت قاعدة رياق الجوية التابعة للجيش اللبناني تشهد احتفالا نظمته قيادة الجيش لوداع القيادة العسكرية السورية. كان المشهد سورياليا. لم يسبق أن كان لقيادة الجيش اللبناني هذا الحضور في ظل عهد الوصاية حيث كان القرار السوري يتحكم بمفاصل الحياة السياسية وبالقرار العسكري لكل المؤسسات الأمنية والعسكرية. ذلك النهار كان يؤشر إلى بداية جديدة في لبنان. هذه البداية جعلت قاعدة رياق الجوية تستقبل في 17 نيسان 2017 أول طائرة نقل عسكرية أميركية تحمل معدات عسكرية إلى الجيش اللبناني.
لم يكن إحتفال 26 نيسان 2005 بجلاء القوات السورية يشبه بأي شكل من الأشكال الإحتفال بجلاء القوات الفرنسية عن لبنان في 31 كانون الأول 1946. كانت القوات الفرنسية قد أكملت انسحابها في 17 نيسان من ذلك العام ولكن التسلم والتسليم بين القيادة العسكرية الفرنسية وقيادة الجيش اللبناني انتظرت آخر يوم فيه ليصبح الزعيم فؤاد شهاب وهو يتسلم العلم اللبناني رمز الجيش حامي الجمهورية.
بين بداية الإنتداب الفرنسي على لبنان في العام 1918 وبين الجلاء في العام 1946 بنت فرنسا جيشا لبنانيا حقيقيا ليستلم مهمة حماية الجمهورية. كانت السلطات الفرنسية تعمل على أساس أنها ستترك لبنان للبنانيين بينما النظام السوري كان يعمل ليبقى سلطة وصاية على اللبنانيين وعلى أساس أنه لن يترك لبنان. ولذلك لم يسمح ببناء الجيش الذي يمكن أن يتسلم الراية ويقوم بالمهمة المطلوبة منه محاولا أن يبقي هذا الجيش ضعيفا وأن تبقى هناك حجة لبقاء الجيش السوري في لبنان.
صورة الطائرات العسكرية الأميركية في مطار رياق ليست الأولى في انقلاب المشهد العسكري. فقد سبق أن هبطت الطائرات العسكرية الأميركية في مطار بيروت وفي قاعدة حامات الجوية لنقل المساعدات إلى الجيش اللبناني ولكن الهبوط في قاعدة رياق له رمزيته. تلك القاعدة شهدت عصر القوة في الجيش اللبناني عندما استقبلت سرب طائرات الميراج الفرنسية في منتصف ستينات القرن الماضي وكانت من أحدث الطائرات المقاتلة التي تعمل في منطقة الشرق الأوسط الأمر الذي استدعى تخطيط المخابرات السوفياتية لسرقة واحدة منها بعد حرب 1967، ولكن الطيار اللبناني محمود مطر الذي حاول ضباط من ال كي جي بي إقناعه للقيام بالمهمة فضح العملية التي أفشلتها قوة من مخابرات الجيش وكانت هذه العملية أحد أبرز الأسباب التي أدت إلى فوز الرئيس سليمان فرنجية في انتخابات العام 1970. وتلك القاعدة أيضا شهدت في كانون الأول 1973 لقاء رئيس الجمهورية سليمان فرنجية مع وزير خارجية أميركا هنري كيسنجر الذي تحاشى الهبوط في مطار بيروت بعدما كانت بدأت المنظمات الفلسطينية تقضم من سلطة الجيش اللبناني.
لم تكن تلك هي المهمة الأخيرة والوحيدة التي تقوم بها طائرة أميركية إلى رياق. في 25 نيسان هبطت طائرة ثانية في القاعدة من ضمن المهمة التي تنفذها واشنطن لدعم الجيش اللبناني. ولكن بينما كانت الصورة على هذا النحو في رياق هبطت طوافة عسكرية في مقر قيادة القوات الدولية في الناقورة قرابة الأولى والنصف من بعد ظهر يوم الجمعة 21 نيسان وكانت تنقل رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري يرافقه وزير الدفاع يعقوب الصراف وقائد الجيش العماد جوزف عون، وذلك في إطار جولة قام بها على منطقة الجنوب حيث كان في استقباله قائد قوات “اليونيفيل” العاملة في لبنان الجنرال مايكل بيري وكبار الضباط. كان يمكن أن يكون هذا الخبر حدثا عاديا لو أنه لم يأت بعد أربعة أيام على الجولة التي نظمها “حزب الله” لعدد من الإعلاميين على طول الخط الأزرق ليطلعهم على التغيير الحاصل في الجانب الآخر من الحدود وعلى تحصين الجيش الإسرائيلي لمواقعه بطريقة دفاعية وللقول لهم إن هذا الجيش يخاف اليوم من قوة الحزب ومن إمكانية تجاوزه للخط الأزرق وتوغله في مناطق الجليل الفلسطينية المحتلة بعد التطور الكبير الذي طرأ على تركيبته العسكرية منذ انخراطه في الحرب السورية وتحقيقه إنجازات على الأرض ضد التكفيريين.
إذا كان “حزب الله” تفاجأ بهبوط الطائرات العسكرية الأميركية في قاعدة رياق الجوية فقد تفاجأ حتما بهبوط طوافة الرئيس سعد الحريري في الناقورة وربما تفاجأ أكثر بوجود قائد الجيش الجديد العماد جوزف عون ووزير الدفاع يعقوب الصراف برفقته للتأكيد أمام المجتمع الدولي ومجلس الأمن أن لبنان لا يزال على تعهداته التي قطعها عند صدور القرار 1701 في 12 آب 2006 الذي وضع حدا لحرب تموز. ذلك القرار نص على أن يكون الجيش اللبناني وحده المسؤول عن الأمن في كل لبنان وعلى مساعدة الحكومة اللبنانية على استعادة سيادتها الكاملة على كل الأراضي اللبنانية وعلى هذا الأساس كان يجب أن يكون هناك نحو 15 ألف جندي لبناني إلى جانب “اليونيفيل” في الجنوب وأن لا يكون هناك أي وجود عسكري لـ”حزب الله”. ولكن منذ ذلك التاريخ لم يتقيد “حزب الله” بمضمون تعهداته واستمر في العمل جنوب خط الليطاني وكان على الجيش اللبناني أن يخفف من القوات المنتشرة في الجنوب بسبب الحاجة إليها في الداخل بعد أحداث 7 أيار 2008 وبعد أحداث نهر البارد وخصوصا بعد تدهور الوضع العسكري في جرود عرسال وراس بعلبك والقاع. ومفاجأة “حزب الله” مردها ربما إلى ما تسرب عن أن الرئيس ميشال عون كان على علم بزيارة الرئيس سعد الحريري ونسق معه ولولا ذلك ربما لما كان وزير الدفاع وقائد الجيش قد رافقاه، بالإضافة إلى أنه عندما تم اختيار يعقوب الصراف ليكون وزيرا للدفاع قيل إن ذلك حصل على أساس أن “حزب الله” يرتاح إليه وهو كان استقال من الحكومة في العام 2006 مع وزراء “حزب الله” وحركة “أمل” من أجل إسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي أتت نتيجة انتخابات العام 2005، وقيل أيضا أنه عندما وافق على أن يكون العماد جوزف عون قائدًا للجيش فقد كان ذلك أيضا لأنه يرتاح إليه.
إذا أضيف كل ذلك إلى الأخبار التي تتحدث عن زيارة قريبة قد يقوم بها قائد الجيش إلى واشنطن للبحث مع القيادة العسكرية الأميركية في تنسيق برنامج المساعدات والحرب ضد الإرهاب وإلى أخبار التوجس الذي يبديه “حزب الله” تجاه رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل ومشاريعه الإنتخابية وتحالفه مع “القوات اللبنانية” يمكن فهم التشدد الذي يبديه الحزب في موضوع قانون الإنتخابات. فهو قد يقبل بهبوط طائرات عسكرية أميركية في قاعدة رياق الجوية وبهبوط طوافة الرئيس سعد الحريري في الناقورة ولكنه لن يقبل بهبوط قانون انتخابات تمتد مفاعيله من قاعدة رياق إلى قاعدة القليعات إلى قاعدة الناقورة يؤمن صحة التمثيل المسيحي ويمنعه من التحكم بمسار التوازنات داخل المجلس النيابي. وهذا الأمر لا يمكن أن يخفي حذر “حزب الله: من العهد ومن رئيس الجمهورية. فالرئيس عون أعلن جهارا أن حكومة العهد الأولى ستكون بعد الإنتخابات وأنه يراهن على أن قانون انتخابات جديدًا سيولد يؤمن صحة التمثيل وأن “حزب الله” لن يكون ضد هذه الإرادة قبل أن يظهر العكس. ولم يكن الرئيس ليتصور أن “حزب الله” وحركة “أمل” سيكونان رأس الحربة في معركة التمديد للمجلس النيابي ضد إرادته وأنهما يريدان أن يكون لهما دور في تعيين النواب الذين يريدونهم قبل الإتفاق على القانون.
ربما السؤال الذي يواجهه “حزب الله” اليوم هو كيف يمكنه أن يتعاطى مع ميشال عون الرئيس وليس مع ميشال عون المرشح إلى الرئاسة؟ وهل يستطيع أن يذهب إلى النهاية في معركة التمديد لمجلس النواب على رغم الإعتراضات المسيحية التي أضيف إليها اعتراض الرئيس سعد الحريري الذي ربط الموافقة على تمديد تقني بالإتفاق على قانون للإنتخابات؟
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]