موقع “القوات” ردًّا على الزميل الحاج: أنطوان نجم أيقونة فريدة للقواتيين والمصلحة الحزبية تقتضي التعريف بكلمته لا تجهيلها

كان باستطاعة الزميل إيلي الحاج أن يلفت انتباه موقعنا، بحكم الزمالة، إلى إسقاطه سهواً كلمة تاريخية للمفكر والمؤرخ انطوان نجم، وان المصلحة العليا للقضية تستدعي نشرها من أجل نشر ثقافة المقاومة الحقيقية وتعميمها  للأجيال التي لم تتعرف لا على الدكتور شارل مالك، ولا على الزمن المؤسس لثقافة فكرية جديدة.

ولكنه عوضاً عن ذلك عمد عن سابق تصوّر وتصميم ولأهداف وأغراض مكشوفة، إلى النيل ليس من موقع “القوات” فحسب باتهامه بتجهيل كلمة الأستاذ نجم، إنما باتهام حزب “القوات” بـ”الثقافة التجهيلية”.

وإذ نعيد نشر كلمة الملهم أنطوان نجم مع اعتذاراتنا الشديدة وإقرارنا وجود تقصير غير مبرَّر، ولكن غير مقصود بالتأكيد، نودّ ان نلفت انتباه الزميل الحاج إلى الآتي:

ـ أولاً، الدكتور سمير جعجع وفي مطلع كلمته أمام الطلاب قال إنّ الأستاذ نجم هو الجندي المجهول الذي لعب دوراً أساسياً في صناعة ثقافة فكرية مقاومتية جديدة مبنية على الوضوح والتجرد والاستقامة والشفافية والحرية، وقد ساهمت وتسهم في إعلاء شأن القضية.

ـ ثانياً، يُعتبر الأستاذ أنطوان نجم بالنسبة إلى القواتيين أيقونة فريدة من نوعها، وتحرص قيادة “القوات” على دوره من أجل الإضاءة على حقبة تاريخية محددة ونقل تجربته النضالية إلى الطلاب في “القوات” وتعريفهم على الفكر السياسي المؤسس لخط المقاومة.

ـ ثالثاً، لو كانت لـ”القوات” “أهداف تجهيلية” لما كانت دعت المُلهم أنطوان نجم إلى معراب، ولما كانت شديدة الحرص على تعريف أجيالها المتعاقبة على شخصه وفكره، ولما كانت نظمت دورة باسم شارل مالك الذي وصفه الدكتور سمير جعجع بأنه من “أهم فلاسفة القرن العشرين ومن أهم الشخصيات الوطنية اللبنانية”.

ـ رابعاً، يكفينا فخراً تعريف الأستاذ نجم عن الدكتور مالك، وهو صديقه الروحي والنضالي والفكري، بأنه “شارل مالك السياسي اللبناني القواتي”، وهذا التعريف يعزّز رصيد “القوات” وخطها وصدقيّتها، الأمر الذي يستدعي تسليط الضوء عليه لا تجهيله.

ـ خامساً، نلفت انتباه الزميل إلى أن الأستاذ نجم سلّط الضوء في كلمته على التقاطع بين الدكتور مالك والدكتور جعجع في محطتين تحت عنوان: هذا ما قاله مالك، وهذا ما طبّقه جعجع بعد مرور سبعة وثلاثين عاماً، وبالتالي المصلحة الحزبية في هذا المعنى تقتضي التعريف لا التجهيل وفق قاموس الحاج.

ـ سادساً، إعتقدَ الحاج أنه توفّق بصيد ثمين يستطيع استخدامه للنيل من “القوات” وتوظيفه هنا وهناك، وكنا حقيقةً لا نتمنى أن ينضم الحاج إلى هذه الفئة من الناس.

وأخيراً نقول: كفى تضليلاً وتحريفاً وتزويراً وكذباً (…).

وفي ما يلي كلمة الأستاذ أنطوان نجم خلال حفل تخرّج طلاب أكاديمية الكوادر – دورة شارل مالك، الذي نظمه جهاز التنشئة السياسية في “القوات اللبنانية” بالتعاون مع مصلحة الطلاب، في معراب، وجاءت الكلمة تحت عنوان: شارل مالك السياسي اللبناني القوّاتي.

“أفضّل الكلام على الدكتور شارل مالك وهو في وسط معمعان سياسي ضاغط وخطر.

في هكذا ظرف، تبرز استقامة المرء وصدق نيّاته وفعالية قدراته. فداخله خارجه. وخارجه تجسيدٌ لما في داخله. في مثل هذه الحال، نفهم الشخص على حقيقته. علماً أن “السياسي”، في الدكتور مالك، عنوانٌ من عناوين. لا هو الأفضل ولا هو الأقل شأناً. لكلٍّ منها أهميته الكبيرة في نطاقه، خصوصاً وأنها، كلّها، عابقة بعطر يسوع المسيح.

عاصر الدكتور مالك، في لبنان، أزمتين سياسيتين وجوديّتين، في فترتين لا يباعد بينهما سوى عقدين تقريباً. الأولى بين العام 1956 والعام 1958. والأخرى منذ العام 1975 وحتى رحيله الى بيت سيّده في العام 1987، بعد ذكرى ميلاد حبيبه يسوع بثلاثة أيام. فكان صلبهما دينامياً، ملتزماً فعالاً، ونافذاً قوياً.

في الأولى، عمِل رسمياً من على منبر الدولة اللبنانية. فكان، في الوقت نفسه، وزيراً للخارجية من تشرين الثاني 1956 حتى أيلول 1958، ووزيراً للتربية حتى آب 1957، ونائباً في المجلس النيابي اللبناني، في دورة وحيدة، في العام 1957. في هذه الفترة كان في العلانيّة وصاحبَ سلطة.

أما في الأزمة الثانية، فعاش “المقاومة اللبنانية” في أعماق أعماقه، سواء أفي “جبهة الإنسان والحرية”، أم في “الجبهة اللبنانية” أم ضمن “القوات اللبنانية”. وهذه النقطة هي التي أُلقي عليها، الآن، شعاعةً من شعلة، وهي شبه مجهولة من المواطنين عموماً.

كنا ثلاثة على تواصل دائم: المعلم شارل مالك، والقائد بشير الجميّل وأنا، خصوصاً في اللحظات العصيبة. لم نُخفِ عنه، في الأمور التي ينبغي أن يكون مطّلعاً عليها، لا معلومةً ولا تحرّكاً ولا اتصالاً جرى مع أي كان.

اللقاءات كانت تتم نهاراً وليلاً. نحلل. نناقش. نستنتج. ونتوافق على ما ينبغي القيام به.

ولطالما اجتمعنا وحدنا – الدكتور مالك وأنا – ساعات طويلة، خصوصاً في الليالي، في مكتبه في الطبقة العلويّة من منزله، نتباحث في رؤى المقاومة اللبنانية.

في 27 أيلول 1980، التقينا: الدكتور مالك وبشير وسائر قياديّي القوات اللبنانية، ومنهم الدكتور سمير جعجع والعقيد ميشال عون، في خلوة سرّية في دير سيدة البير في المتن. وكنت قد اقترحت على بشير أن يطلب الى الدكتور شارل مالك أن يرئس اللقاء ويدير أعماله. فوافق بشير بحماسة.

كان الموضوع مركّزاً على المرحلة التي تلي 7 تموز من ذلك العام، وخصوصاً على انتخابات رئاسة الجمهورية في لبنان والتي ستجري بعد عامين.

وضعتُ للخلوة “ورقة عمل” تشتمل على عدد من السيناريوهات، خلاصتها ضرورة أن تتسلم المقاومة اللبنانية السلطة في العام 1982، وذلك بإيصال بشير الى سدّة رئاسة الجمهورية.

في البند الأول من “ورقة العمل”، حددتُ الهدف بالآتي: “الوصول الى السلطة”. فاقترح الدكتور شارل مالك استكمال الصياغة بإضافة عبارة “بقصد التسهيل في تطبيق أهداف القوات اللبنانية”. ثم أبرز أهمّ سبب يفسّر استراتيجياً ما كان يجري، فقال: “… المؤامرة، في أبعادها البعيدة، هي فصلُ مسيحيّي لبنان عن مسيحيّي العالم الغربي، وضمّهم الى العالم الشرقي والاكتفاء بذلك. كل شيء له مغزى متوسّطي – غربي – أوروبي – مسيحي – تحريري – إنساني لا يريده خصوم لبنان. لبنان حجرُ عثرة وشوكةٌ، لأن عنده هذه الخصال. هذا مهم من الناحية الحضارية… وينبغي درس علاقاتنا الخارجية بشكل دائم”.  

في الحقيقة، هذا تفسير واقعي، صحيح، يشرح بدقّة وإيجاز ما حصل. والتفسير إيّاه ما زال صالحاً حتى اليوم. وسيبقى صالحاً الى ما لا أدري من الزمن.

ومما هو جديرٌ بالذكر، بالمناسبة، أنّ الدكتور شارل مالك كشف لنا عن سرّ مهم، فقال: “في العام 1945، حين وصولي الى أميركا، بدأتُ التفاوض لإقامة محالفة معها. وبعد أربعة أشهر، وصلنا الى هذا النص: “في كل مشكلة حيويّة تنشأ لأيّ من الفريقين المتعاقدَين، يتفاوضان يشكل حلّها بالتوافق”. أرسلتُ النص سراً الى بشارة الخوري. جاء الجواب: “لا يمكن السير بهذا التحالف”.

في يقيني، إنّ موقف الرئيس بشارة الخوري هو الموقف الصحيح الحكيم. لماذا؟ لأن لبنان، في تركيبته الديمغرافية، وفي غير الظروف العصيبة والاستثنائية جداً، عليه ألا يدخل في أيّ حلف، في المفهوم المتداوَل للكلمة. وعليه أن يعلن حياده.

وخلال النقاش صرّح أحد الحاضرين عن خوفه من شغور مركز الرئاسة، فعلّق الدكتور مالك: “لا تجوز، مطلقاً، المجازفة، ولا يجوز التأخر في الإفادة منها إذا الساعة قدّمت نفسها. أهمّ شيء هو توحيد الكلمة المسيحية وتوسيعها وتعميقها، وتوطيد مكاسب 7 تموز في الأوساط المسيحية، وتقوية علاقاتنا الخارجية”. وهذا ما طبّقه سمير جعجع بعد 36 عاماً من اجتماع سيّدة البير.

وكرّر الدكتور مالك تحذيره فقال: “الموقف – الأميركي – الأوروبي – الفاتيكاني تجاه الشرعية في لبنان هو موقف طبيعي. الشيء الموجود المعترف به دولياً هو الشرعية على ضعفها. إذا طارت هذه الشرعية ولم تحلّ محلّها بسرعة شرعية أخرى، سيحصل فراغ في لبنان لا يملؤه شكل يلائم المصالح المسيحية. إذاً من أجل مسيحيّي لبنان الشرعية ضرورية في الوقت الحاضر”.

واليوم وبعد مرور 37 عاماً، نلاحظ دقّة هذا الإدراك وصحّته. وهذا، أيضاً، ما حقّقه سمير جعجع.

ثم اقترح تحديد الهدف وأسلوب العمل ووسائله، فقال:

+ “الهدف: خلق وطن يضمن الأمن والحرّية والعدالة والانفتاح لجميع الكيانات اللبنانية.

+ الأسلوب: منطق ثوري.

+ الوسائل:

  • تقوية القاعدة الشعبية بشتى الوسائل.
  • تقوية المحالفات القائمة وخلق تحالفات جديدة.
  • الوصول الى الحكم في النهاية”.

وفي نتيجة الخلوة، اتخذنا قراراً باعتماد أحد السيناريوهات المذكورة في “ورقة العمل”، وأوصلنا بشير الجميّل الى الرئاسة في 23 آب من العام 1982. وكان الدكتور مالك الى جانب بشير والحاضرين في قاعة الاجتماعات في المجلس الحربي، يشاهدون عملية الانتخاب تلفزيونياً. وكان أول المهنّئين.

هذا نموذج حيّ لموقف نظري وعملي للدكتور شارل مالك السياسي اللبنانية القواتي، محدَّد زماناً وظرفاً.

وأختم كلمتي بمقطع من مقال لي بعنوان “شارل مالك: كاهن المعاناة والمتفقِّه بلبنان”، نشرتُه في مجلة “المسيرة” في العام 2004، في ذكرى وفاة الدكتور مالك السابعة عشرة، قلت فيه: “إذا أردنا أن نفيَ شارل مالك بعض حقّه، ونبقيه حياً في وجدان الأجيال المسيحية الطالعة، ومحبّي الحقيقة، والمتفانين من أجلها، علينا أن ننقل “حسّ المسؤولية المرهف” الذي يضرب في أعماق خلُقيّته الرفيعة الى مَن هم حولنا وأبعد من حولنا، والى كل مكان وزاوية من هذا العالم المشرقي. علينا أن ننشر روح المسؤولية. قلق المسؤولية. إرادة الاضطلاع بمسؤولية المسؤولية”.

 

خبر عاجل