كتب عماد موسى في مجلة “المسيرة” – العدد 1608
لطالما تهيّبتُ الدخول إلى مرسم بيار صادق، في الLBC قبل إضافة حرف I )الإنترناسيونال( على القناة أو إلى مكتبه في تلفزيون المستقبل، لشعوري بأهمية اللحظة التي يقبض فيها الفنان على الفكرة، ويستغرق الأمر أحياناً ساعات من القلق. وكان لصادق الفضل في نقل الكاريكاتور إلى الشاشة في العام 1986.
لطالما شاهدت رئيس تحرير صحيفة “العمل” جوزف أبو خليل يفتح “كاريكاتور” بيار صادق المرسل مساء ملفوفاً كـ”فرمان” من الحازمية إلى مبنى الجريدة الكائن على أوتوستراد الكرنتينا. يفتحه. يتأمل الرسم ويبتسم.
ولطالما فاخر غسّان تويني بأن كاريكاتور بيار صادق المنتقل، بطلب من تويني، إلى الصفحة الأخيرة له ما لمانشيت الأولى من تأثير. وما ينطبق على الصحافة المكتوبة ينطبق على النشرة المتلفزة. فآخر النشرة لا يقل وهجاً واستقطاباً للمشاهد عن مطلعها. وكانت “النهار”، في الزمن الأول مع غسان (1958 ـ 1978) والثاني مع جبران (بعد العام 1992…) ملعب حريته الأرحب ويُسجّل له، أنه ما رسم مرةً ما ينافي قناعاته، ولم يوفّر أحداً، حتى ممن أكنّ لهم، محبة واحتراماً وتقديراً كرئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، وكان الشعور متبادلا ولمست ذلك عندما قابلت الحريري لتسجيل شهادة ببيار صادق (في حلقة حوار العمر تشرين 1997)، لم تحدّ صداقاته من حريته الجارفة، فالجميع متساوون على كرتونة الرسم البيضاء، وويل لهم من غضب توما.
عمل صادق الفترة الأطول من حياته في الصحافة اليومية، والنشرات الإخبارية اليومية باستثناء فترة قصيرة من الثمانينيات، عقب مغادرته “العمل”، ويوم سألته عن الفارق بين الرسم في أسبوعية والرسم لصحيفة يومية. قال: “إعتدتُ على الإستنفار اليومي. العمل الأسبوعي يصيب الدماغ بالصدأ”. كان يتابع الأخبار ساعة بساعة ويوما بيوم ويعرف كل صحافيي لبنان وسياسييه من دون أن يغرق في العلاقات الإجتماعية المملة. مرة سألني عن صحافي إسمه عمر موراني. وقد علق صورة عن مقال للصحافي الوافد حديثا إلى صحيفة “الديار” كما استنتج صادق قال: “من وين طلع هالصحافي؟ بنصحك تقراه. بس غريب ما قريتلو غير مقال واحد”. قلت له: “أنت تعرفه جيداً. إنه أنا وقد قررت أن أفنّد مغالطات سياسية بعيدا عما اعتدته في الكتابة. فأرسلت المقال إلى “الديار” باسم مستعار”. هذا لأشير إلى أن الرسام العبقري كان يرصد كل ما يُكتب، بمعزل عن الأسماء. سواء كان الإسم بمنزلة ميشال أو كان اسمه عمر موراني وهو أورثوذكسي بحسب بطاقة الهوية الأصلية.
لطالما، شعرت بما يشبه الفخر، أنني وزملاء لي عاصرنا بيار صادق، إستمع إلينا. واستمعنا إليه قليل الكلام، غاضباً، ساخراً، ضاحكاً راسماً بنظراته غضباً وتمرّداً. عاصرنا رجلاً ما أرهبه تهديد مباشر أو غير مباشر، ألبس رؤساء وزعماء لبنانيين ما يلائم شخصياتهم، فهذا أب جزويتي وذاك بطريرك أبدي وثالث قبضاي، ورابع بنص كم وخامس بسيكار وقرنفلة… إلخ.
وذات يوم طلبت منه أن يرسمني. فقال: ما حاجتك للكاريكاتور تكفيك صورة شمسية. وأخبرني لاحقاً أنه قال مثل هذا الكلام للدكتور إيلي سالم بُعيد تعيينه وزيراً للخارجية في أول عهد الرئيس أمين الجميل، عندما سأله سالم، المتميّز بحجم أنفه كيف سيرسمه. أجاب صادق: لا حاجة للرسم الصورة الشمسية تكفي!
- الصور والرسوم الكاريكاتورية
من أرشيف «المسيرة» والسيدة حنان صادق
- حقوق النشر محفوظة
- للإشتراك في “المسيرة” Online:
- http://www.almassira.com/subscription/signup/index
- from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
