#adsense

بعدما صدم ترامب العالم… فرنسا قد تصدم مارين لوبان

حجم الخط

كتب د. فادي الأحمر في “المسيرة” – العدد 1608

بعد صدمة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الاميركية، ها هي الدورة الاولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية تشكّل صدمة للفرنسيين والعالم. لقد خرجت الاحزاب التقليدية من السباق الرئاسي. سيتنافس في الدورة الثانية ايمانويل ماكرون ومارين لوبان. الاول شاب برز حديثاً على الساحة السياسية. لا ينتمي الى اي حزب. ولم يرتكز الى اي حزب في حملته الانتخابية. إنما ارتكز إلى مجموعة شباب مناصرين له ومؤيدين لمشروعه السياسي. وقد بلغ عددهم عشية الانتخابات حوالي 250 الفاً.

اما مارين لوبان فهي زعيمة حزب اسّسه والدها في العام 1973. انتصارها كبير. فهي أخرجت مرشّح اليمين من السباق الرئاسي. إنها المرّة الاولى في التاريخ. في انتخابات العام 2002 وصل لوبان الأب الى الدورة الثانية ليس بفضل شعبيته. إنما بفضل نجاح تكتيك انتخابي “شيراكي” (نسبة الى جاك شيراك) قضى بإخراج خصمه اليساري ليونال جوسبان. اما اليوم فيمكن القول ان مارين لوبان وصلت الى الدورة الثانية بأصوات ناخبيها. هذا لا ينفي ان جزءًا من اسباب نجاحها يعود الى خصومها، كما الحال في كل انتخابات، رئاسية كانت ام برلمانية ام مناطقية ام غيرها. والسؤال اليوم لماذا نجحت مارين لوبان في الوصول الى الدورة الثانية؟ وما هي أخطاء اليمين التي ساهمت في ذلك؟

أولاً، ان انتصار اليمين المتطرّف في الدورة الاولى من الانتخابات الفرنسية يشكّل نتيجة للتطرّف المتنامي في العالم. هذا التطرّف ليس فقط دينياً. إنما هو ديني ومذهبي و”شوفيني” وايديولوجي… فهو يبرز مذهبياً في منطقتنا الشرق اوسطية ودينياً في العلاقة بين الشرق والغرب. ولكنه “شوفيني” في الولايات المتحدة الاميركية وفي بعض دول اوروبا. و”الجبهة الوطنية” في فرنسا هي احد الاحزاب والتيارات السياسية التي تغذّي هذا التطرّف وتستفيد منه لزيادة شعبيتها. كما تساهم في صعود هذا التطرّف عوامل أخرى ابرزها: “الارهاب الاسلامي”، كما عبّر عنه العديد من الزعماء الغربيين، وطغيان العولمة على الهوية الوطنية للشعوب، وتقدّم مصالح الاتحادات الاقليمية على مصالح البلدان الاعضاء فيها وانتهاك سيادتها الوطنية احياناً.

ثانياً، ارتكب اليمين اخطاء عديدة ساهمت في وصول مارين لوبان الى الدورة الثانية. هذه الاخطاء عديدة. اوّلها، اصرار فرانسوا فيون على مواصلة ترشّحه على رغم ملف الفساد الذي فُتح له خلال حملته الانتخابية. الملف جدّي. وفيه مادة دسمة للحكم عليه بالفساد وسرقة المال العام. وكان الفرنسيون قد اصدروا حكمهم. تداولوا فيه خلال الحملة الانتخابية. وأعلنوه في صناديق الاقتراع يوم 23 نيسان الفائت. الخطأ الثاني بحسب مصادر فرنسية مطّلعة، هو عدم اصرار نيكولا ساركوزي على انسحاب فيّون من السباق بعد الفضيحة. فهو فضّل “خسارة فيون على ربح آلان جوبيه” صديقه اللدود في الحزب. فالرئيس السابق ينظر الى انتخابات العام 2022. ويطمح لأن يكون مرشّح حزبه فيها. المصالح الشخصية والحسابات الضيّقة ليست فقط عندنا في لبنان! “بفرنسا كمان”!

بعد هذا العرض السريع لاسباب نجاح مارين لوبان، السؤال الأهم كيف تمكن ايمانويل ماكرون من أن يتصدّر الفوز في الدورة الاولى ويكون المرشّح الاوفر حظاً للنجاح في الدورة الثانية؟

يعود ذلك الى عوامل عديدة مجتمعة:

العامل الاوّل، هو رغبة الفرنسيين في التغيير. لقد سئم هؤلاء الاحزاب التقليدية: اليمين الديغولي واليسار الاشتراكي. لقد حكمت هذه الاحزاب فرنسا منذ ما يقارب الاربعة عقود. نجحت أحياناً. وفشلت أحياناً اخرى. ولكن بعد هذه المدّة آن الاوان للتغيير. إنها حركة المجتمعات. في بعضها يتم التغيير والتطوير من خلال الأطر القائمة. أما في المجتمع الفرنسي فالتغيير لا يتمّ إلا بالثورة. وفوز ماكرون بالامس كان أشبه بثورة. وهذا ليس غريباً على الفرنسيين. فناخبو الامس هم احفاد قادة الثورة الفرنسية التي غيّرت مفاهيم الحكم ليس فقط في فرنسا إنما في اوروبا والعالم!

العامل الثاني، تخبّط فرنسا في ازماتها الاقتصادية والاجتماعية التي بدأت في العام 2008 وفشل الحزبين في إخراجها منها. ساركوزي اليميني، اطلق وعودًا كثيرة وكبيرة. قام بمبادرات سياسية تجاه الولايات المتحدة الاميركية واوروبا ودول المتوسط وافريقيا وغيرها. ولكنه لم يفلح. فسقط في انتخابات 2012 أمام خصمه فرانسوا هولاند. هذا الاخير كان فشله ذريعاً. لذلك انخفض مستوى تأييد الفرنسيين له الى 13 في المئة. وهو رقم قياسي تاريخي. ما حرمه من الترشّح لولاية ثانية.

العامل الثالث، هو تأييد دول خارجية لترشّح ايمانويل ماكرون وربّما تأثيرها غير المباشر على التصويت. ابرزها المانيا. في آذار الفائت زار ماكرون برلين واستقبلته انجيلا ميركل (كما استقبلت فرانسوا فيون). وفي الامس حيّت وسائل الاعلام الالمانية نجاحه في الدورة الاولى. ونقلت بعض الصحف الفرنسية عن زميلاتها الالمانية بأنها استعادت انفاسها بنجاح ماكرون. وقد برز هذا التأييد بتحسّن مؤشرات البورصة في باريس وارتفاع قيمة اليورو وذلك في اليوم التالي لنجاح ماكرون.

مساء الاحد 23 نيسان عند الساعة الثامنة ظهرت نتائج الانتخابات على شاشات التفزيونات. هنا فرز الاصوات سريع وامكانية الخطأ ضيئلة. غالبية مراكز الاقتراع اصبحت الكترونية. بعد دقائق بدأ المرشحون الخاسرون بإلقاء خطاباتهم. تقبّلوا خسارتهم. لم ينقلبوا على النظام. ولم يتظاهروا في الشوارع بـ”القمصان السود” او بـ “عراضات” مسلّحة. باستثناء جان لوك ملانشون، كل المرشحين الخاسرين تحمّلوا “شخصيا” مسؤولية الهزيمة. اعتذروا من جماهيرهم. شكروها. هنا الديموقراطية حقيقية وعريقة. الخاسر يعترف بهزيمته، يهنئ الفائزين، ويدعو ناخبيه الى التصويت لأحدهم. باستثناء مرشح اليسار المتطرّف ايضاً، الكل دعا الى انتخاب ايمانويل ماكرون. ما يعطيه تقدّما واضحاً على منافسته مارين لوبان.

غالبية هذا التأييد اتى لقطع الطريق على لوبان. بالنسبة إليهم القضية لم تعد منافسة بين حزبين، وبرنامجين انتخابيين، ولا اختلاف بين توجهات اقتصادية او اجتماعية او غيرها. إنما اصبحت خيارًا استراتيجيًا بين فرنسا التي نعرفها اليوم والمؤسِّسة للاتحاد الاوروبي. وفرنسا الخارجة من الاتحاد والمهدّمة له. لذلك دعا فرانسوا فيّون مناصريه الى عدم التصويت بورقة بيضاء. دعاهم الى التصويت ضد “انقسام البلاد”. كما دعا آلان جوبيه الى التصويت ضد “الجبهة الوطنية الكارثة”.

اذا عشية انتهاء الدورة الاولى بدأت التعبئة ضد اليمين المتطرّف. فهل تنجح؟ كل المواقف التي اطلقت واستطلاعات الرأي التي صدرت تؤكّد فوز ايمانويل ماكرون. ولكن السؤال بأي نسبة؟ هل سيكون الفوز بنسبة الـ 60 في المئة او اكثر التي يطمح لها وتوقّعتها مراكز الاستطلاع؟ الامر ليس مؤكداً.

هنا في باريس يبدو ان العديد من الناخبين لن يتقيّدوا بدعوات مرشحيهم. ولن يتوجّهوا الى صناديق الانتخاب يوم الاحد في السابع من أيار. ربما سيختارون الخروج في عطلة طويلة تمتد حتى يوم الاثنين 8 ايار (ذكرى نهاية الحرب العالمية الثانية). والسبب إما عدم حماستهم لماكرون او لقناعتهم بأن فوزه اصبح مضموناً.

بالتالي ما ينتظره الفرنسيون في الدورة الثانية ليس معرفة اسم الفائز إنما النسبة التي سيفوز بها. فلننتظر معهم حتى الساعة الثامنة من مساء السابع من أيار المقبل. إلا إذا كانت فرنسا تحضر للعالم ولأوروبا مفاجأة غير منتظرة…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل