#adsense

نور على “نور”… زواج القاصرات في ظلامته وظلمته

حجم الخط

كتبت جوزفين حبشي في مجلة “المسيرة” العدد 1608

تفيد بيانات الأمم المتحدة أن ثلث الفتيات في دول العالم الثالث باستثناء الصين يتزوجن قبل سن 18 عاماً، وواحدة من كل تسع فتيات تتزوج قبل سن 15 عاماً. لبنان، يا للأسف، لا يزال في هذا الموضوع تحديدا وغيره من المواضيع الانسانية والحياتية، من دول العالم الثالث، والشريط  السينمائي”نور” يسلّط  حاليا النور على هذا الواقع الأليم،  في الصالات اللبنانية.

الفيلم عن سيناريو واخراج خليل زعرور الذي كان قد فتح  شباكا نحو السينما مع شريطه القصير الأول “الشباك” عام 2003 ، وطرح موضوع امهات المخطوفين في شريطه الوثائقي الثاني “ملاكي” ، وها هو اليوم يفتح الباب واسعا على آفة اجتماعية حساسة جدا، مسلطا الضوء على موضوع زواج القاصرات او الملائكة الصغيرات في فيلمه الروائي الطويل الأول “نور” .

الفيلم من بطولة مجموعة من الممثلات اللبنانيات كجوليا قصار التي تعتبر نجمة 2016-2017 السينمائية من دون اي منازع بعد مشاركتها في عدد كبير من الافلام مثل “ربيع” و”يلا عقبالكن شباب” و”محبس” و “نور”، وعايدة صبرا في دور الخادمة صاحبة اللسان الطويل، ونيبال  عرقجي، وإيفون معلوف، إضافة الى خليل زعرور مخرج الفيلم وكاتب نصه بالاشتراك مع إليسا أيوب، والوجه الجديد فانيسا أيوب بدور نور الفتاة القاصر المراهقة ابنة ال 15 عاما التي تعيش مع عائلتها الفقيرة في إحدى البلدات اللبنانية. مصير نور سيتغيّر عندما سيصل المغترب اللبناني (خليل زعرور) الى البلدة، فيعجب بها ويقرر الارتباط بها على رغم فارق العمر الكبير بينهما. طبعا العائلة الفقيرة ستفرح بالعريس الميسور، ضاربة عرض الحائط بحقوق “طفلتها” التي كانت تحلم بلعبة وشهادة جامعية بدل الطرحة والعذاب الذي ستختبره على يد زوجها وعائلته الثرية.

“نور” شريط مؤثر بحضور فانيسا أيوب وهادف بطرحه واحدة من أبرز القضايا الانسانية والاجتماعية  التي من المفيد جدا تسليط الضوء عليها بهدف التسريع في إصدار قوانين تحمي القاصرات من جلجلة الزواج المبكر الذي يسلخهن من طفولتهن وبراءتهن واحلامهن.

الشريط  مستوحى من قصص حقيقية يمتلئ بها مجتمعنا اللبناني. فقد أجرى المخرج وكاتب السيناريو بحثا طويلا قبل البدء بالكتابة، وزار عددا كبيرا من القرى النائية التي لا تزال تجبر قاصراتها على الزواج ، جاهلين أن ما يقومون به يدمّر حياة بناتهم. أيضا قابل المخرج سيدات تزوجن في سن صغيرة جدا واطلع على معاناتهن وصدم بما قالته بعضهن، من انها تفضل الموت على إعادة تجربة الزواج، او انها مستعدة لقتل ابنتها على تزويجها باكرا. واللافت في الفيلم انه يثبت بأن آفة تزويج الفتيات القاصرات ليست مرتبطة بدين معين بل بالجهل، فهكذا موضوع قد يتم في اي مكان  وزمان وفي المجتمعات المسلمة كما المسيحية. ولمزيد من المصداقية  والواقعية اختار خليل زعرور تقديم قصة تجري في مجتمعه المسيحي.

أيضا وأيضا اللافت في الفيلم انه لم يعتمد طريق الكوميديا التي تضمن للمنتجين الى حد ما استعادة ما خاطروا به من ميزانية، وفضّل (الفيلم) عرض الواقع المؤلم بكامل دراميته (مع بعض المشاهد الطريفة التي ساهمت في تطرية الجو المشحون والدرامي)، متسلحا بقوة الرسالة التي من شأنها ان تهز الجمهور وتؤدي ربما الى التغيير. نعم التغيير، فالسينما قادرة على تحريك الرأي العام وتسريع اتخاذ قرارات من شأنها تعديل القوانين الجائرة.

الأمثلة كثيرة، ونكتفي بذكر شريطين بارزين في تاريخ السينما العربية، هما “جعلوني مجرما” و”أريد حلا”. الأول من بطولة فريد شوقي عام 1954 الذي روى قصة صبي صغير سينضم الى عصابة سرقة ويتم القبض عليه، ويفشل لاحقا في إيجاد وظيفة لأن سجله العدلي ملطخ بسابقة أولى. وقد تم تعديل القانون بعد عرض الفيلم ونصّ على عدم إثبات السابقة الأولى في صحيفة الحالة الجنائية. أما “أريد حلا” فقدمته سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة عام 1975 وجسدت من خلاله دور سيدة ستلجأ الى المحاكم للحصول على الطلاق الذي يرفضه الزوج ويلجأ الى شهود زور لمنعه. وبعد عرض الفيلم الذي أثار زوبعة في المجتمع المصري، صدر قانون يسمح للزوجة بأحقية الخلع من زوجها في حال استحالة الحياة الزوجية بينهما، بشرط التنازل عن كافة حقوقها.

بدوره يأمل فيلم “نور” بتحريك عجلة قانون يمنع زواج القاصرات، هذا مع الإشارة الى ان معالجة هذا الموضوع لا تعد سابقة في السينما اللبنانية، فقد سبق ان عولج من خلال أفلام عديدة، وثائقية وروائية وقصيرة وطويلة، نذكر منها الشريط الوثائقي التركي “أن تكبري متزوجة” للمخرجة إيليم أتاكاف، الذي عرض تأثير تزويج الصغيرات من خلال أربع نساء تزوجن في سن المراهقة في غرب تركيا. أما الشريط الأهم فهوالفيلم اليمني “أنا نجوم بنت العاشرة ومطلقة” الفائز بجائزة أفضل فيلم روائي في مهرجان دبي السينمائي الذي روى قصة فتاة عمرها 10 أعوام فقط، زوّجها أهلها من رجل في الثلاثين من عمره، حتى يتحرروا من مصروفها. الطفلة ستعاني وحشية الزوج الذي لم يراع حداثة سنها،  فيغتصبها ليلة الزواج وكل ليلة  ويضربها ويشتمها ويجبرها على القيام بأعمال شاقة، مما سيدفعها للثورة والهرب واللجوء الى القضاء،  فتواجه بشجاعة مواقف عبثية وتشحن الرأي العام وتحصل في النهاية على طلاق شكّل سابقة في اليمن. الفيلم  مستوحى من قصة حقيقية صدرت عام 2008، فأثارت انتباه  خديجة السلامي كاتبة السيناريو والمخرجة والدبلوماسية والمستشارة الإعلامية للسفارة اليمنية في باريس، التي عانت بدورها تجربة زواج مبكر يوم كانت في سن ال 11، قبل ان تثور على مجتمعها وعائلتها وتطلب الطلاق وتسافر الى أميركا لمتابعة دراستها. وهذا ما أمدها بالقوة لإنجاز عدد من الأفلام الملتزمة بشأن المرأة في بلدها، ودفعها لتصوير “أنا نجوم بنت العاشرة ومطلقة” بشكل سري في اليمن.

“نور” حاليا في الصالات اللبنانية وهو يسلّط النور على آفة من شأنها تحويل أحلام صغيراتنا كابوسا، ومن المعيب ان يظل القانون قابعا في ظلمة تأييد الجهل والتخلّف وعدم احترام حقوق الإنسان.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل