
لقد دخل لبنان اليوم في الزّمن الأربعينيّ سياسيًّا، قبل التّاريخ الفاصل في العشرين من حزيران الذي سيفرّغ البلاد من السّلطة التّشريعيّة في حال لم تتمّ العمليّة الإنتخابيّة الشّرعيّة. وتبقى المعضلة الأساس قانون الإنتخاب الذي سيحدّد الأسس التي ستقوم عليها هذه العمليّة. لكن المتغيّر الوحيد في هذه المرحلة الثّابتة هو انفتاح الوضع اللبناني على إحتمالات متعدّدة انطلاقًا من المجال السياسي، الطّائفي، المذهبي، الدّيموغرافيّ – النّزوحي والإقتصادي وكلّ هذه الملفّات مرتبطة بهالة الفساد التي تطوّقها وتقوّض الإصلاح والتّغيير فيها. فهل سيستطيع لبنان تجاوز هذه الأزمة، أم أنّ الهيكل سيتهاوى على الجميع؟
تأخذ مسألة الإنتخابات النّيابيّة المقبلة أبعادًا لدى البعض تتخطّى حدّها الديمقراطي التّمثيلي لأنّها بنظر هؤلاء هي التي ستأتي برئيس للجمهوريّة المقبل، وعلى أساسها ستتحدّد أحجام القوى بين السّلطة والمعارضة، بين من يريد مكافحة الفساد وبين من يسعى لشرعنته وجعله موردًا حلالًا. من هنا، ضغط الملفّ الإقتصادي لن ينخفض إلا بمكافحة الفساد.
فضلا عن ذلك كلّه، يفاخر “حزب الله”، الشّرعي الحضور السياسي وغير الشّرعي الحضور العسكريّ، بقوّته العسكريّة التي أمّنت له، شئنا أم أبينا، توازنًا يرعب فيه بعض صغار النّفوس والذّمّيّين في وطن الأرز، وطن شارل مالك، وطن الحريّة الكيانيّة الوجوديّة. ربّما فاته أنّ المقاومة هي نهج حياة اعتمده رهبان مارون منذ قدومهم إلى الوادي المقدّس، وأصبحت ثقافة شعب لبنان العظيم الذي آمن بكيانه وعمل على تثبيته طوال أكثر من ألف وأربعمئة سنة من عمر الأرز. ناهيك عن أنّ الحزب الذي يعتبر نفسه فوق العالم كلّه بات كبش الفداء الفارسي الذي قد تقدّمه إيران للحفاظ على دخولها في النّادي الدّولي. وما من أحد يستطيع أن يحارب كلّ المجتمع الدّولي ولو دخلت إيران في مرحلة الكباش مع الولايات المتّحدة الأميريكيّة في هذا العهد مع الرّئيس ترامب. صحيح أنّها قد ترفع منسوب ضغطها على المجتمع الدّولي انطلاقًا من الأراضي اللبنانيّة والواقع اللبناني المعقّد. لكن طالما يوجد في لبنان من هو مستعدّ للتّضحية مهما بلغت الأثمان، فهذه المشاريع التّخويفيّة لن تمرّ وهي ساقطة بحكم تجارب التّاريخ. ومن لم يتّعظ بعد من التّاريخ بات سقوطه وشيكًا.
وخوف البعض في لبنان وخارجه من غياب ضابط الإيقاع الإقليمي ليس مبرّرًا لأنّ الدّولة في لبنان موجودة والجيش اللبناني هو جيش قادر وقويّ، شاء من شاء وأبى من أبى، ويستطيع عند كلّ مفترق أن يثبت جدارته. فلا يختبرنّ أحد قوّة الجيش الوطني. وهي قوّة مستمدّة بالإضافة إلى جهوزيّته المطلقة، من دعم اللبنانيّين الأوفياء والشّرفاء له.
لقد أثبت لبنان للمجتمع الدّولي بأنّه ـ بعد غياب الوصاية من العام 2005 وحتّى اليوم ـ قادر على إدارة شؤونه فيما لو تمّت مساواة كلّ أبنائه أمام سلطة القانون. لكن المفارقة في وجود فئة تصرّ على أن تكون الوصيّة على البلاد بقوّة سلاحها غير الشّرعي، واليوم تحت وطأة ملفّ النّزوح السّوري أيضًا، وذلك بحجج متعدّدة. وحتّى الفساد دخل في هذا الملف الإنساني، فظهور أغنياء جدد على حساب الدّول المانحة خير دليل.
وفي المجال السّياسي، سيتحرّر لبنان من رقبة هذا السلاح غير الشّرعي عاجلاً أم آجلاً، وما هذه المشادّات حول قانون الإنتخاب إلا لأنّه العنصر الأساس في عمليّة التّحرير الجديد. فالطّائف الذي تسعى الثّنائيّة الشّيعيّة إلى وصايتها عليه وتطبيقه بصورة استنسابيّة كما كانت تطبّقه سلطة الإحتلال السّوري هو ساقط حتمًا، ولا بد أن نشهد تطبيقًا حقيقيًّا لهذا الإتّفاق، لاسيما مع المجلس الجديد المنتظر، إنّما سيخافونه لأنّه سيعمل على تطوير هذا الإتّفاق لما هو لخير تيّار الحريّة والسّيادة والمزيد من الإستقلال. وما هذه المرحلة اليوم إلا مرحلة الصمود والتصدّي والتّحدّي في وجه كلّ من يمنع الدّولة من النّهوض.
من هنا، لا تراجع لـ”القوّات اللبنانيّة” عن مسار محاربة الفساد أينما وجد، حتّى لو كان داخل مكامن السّلطة التّنفيذيّة. ولن يمرّ ما لا يمرّ لو تمّ عرقلة كلّ المخطّطات الإصلاحيّة، فهذه العرقلة لن تدوم.
لذلك سنشهد تراجعًا في حدّة المواقف من قبل المتصلّبين في مسألة قانون الإنتخاب. وما تبديل موقف الرّئيس نبيه برّي من التّمديد للمجلس وقبول “حزب الله” بالبحث في صيغ انتخابيّة غير النّسبيّة، بعد قبول الثّنائيّة المسيحيّة بالبحث فيها، إلا مؤشّر على الانكسار تحت وطأة مسار التّاريخ محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا.
لذلك كلّه، نحن سنكون أمام مرحلة جديدة إذا اقتنع فيها “حزب الله” ومن معه بضرورة الرّكون إلى كنف الدّولة التي ستتمثّل بصدور قانون انتخابيّ جديد. وإذا لم يقتنع الحزب بعد، فهو يحلم بجولة ميدانيّة جديدة تحت رعاية إيرانيّة متجدّدة. لكن هل تنبّه المتشدّقون بالمواجهة الميدانيّة في الشّارع إلى التّغييرات الدّوليّة؟ أم لم يتلقّوا رسائل احتفال معراب الأخير بيوم الطّالب بعد؟