أزمة الكهرباء توازي أزمة قانون الانتخاب​… حاصباني: لن نقبل بأي صفقة مشكوك بأمرها

كتب سيمون سمعان في مجلة “المسيرة” – العدد 1609:

خطة الكهرباء إلى الضوء من جديد، فيما الناس ينتظرون الضوء منذ زمن. وإذا كان ثمّة من يعتبر أن الأولوية الآن لقانون الإنتخاب على ما عداه من شؤون، فإن نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة غسان حاصباني يؤكد أن أزمة الكهرباء توازي بأهميتها أزمة قانون الإنتخاب، مشددا على أنّ رحلة استعادة الثقة تبدأ برفض الأمور الشاذة التي كانت تحصل سابقاً. تحت هذا العنوان يعود الموضوع إلى الضوء، بعدما اقترب فصل الصيف والموسم السياحي، مع ما يعني ذلك من ارتفاع في الطلب على الطاقة وخوف من زيادة التقنين، فيما المواطنون يأملون بالفرج بعد طول انتظار.

عَرَبة مشروع رفع ساعات التغذية وفق الخطة الطارئة للكهرباء، التي كان أعلنها في نيسان الماضي وزير الطاقة والمياه سيزار أبي خليل، يجرّها حصانان: بدء العد العكسي للموعد المفترض لوصول أول باخرة لتوليد الطاقة في نهاية أيار الحالي. وزيادة الطلب المنتظرة على الطاقة هذا الصيف مع الوفادة المتوقّعة للسياح وللبنانيين المقيمين في الخارج. لكن خشية متعاظمة بدأت تظهر من عدم بلوغ الخطة مراحل التنفيذ.

الخشية من تعثّر الخطة، تأتي إستنادا إلى العديد من المؤشرات والعوامل، ما أعاد الحركة من جديد إلى المبادرات والإقتراحات لاستدراك الأمر قبل سقوط الثقة، فيما الحكومة الحالية هي حكومة استعادة الثقة. فالعديد من الخبراء والعالمين بخلفيات الأمور بدأوا يرون أنه ربما لم يعد ممكنا الالتزام بالمواعيد الواردة في الخطة، نظرا لضيق الوقت وتعثّر بعض الإجراءات.

فالخطة التي تقدّم بها الوزير ابي خليل الى مجلس الوزراء في جلسة 28 أذار 2017، والتي أقرت مبدئيا، ظهرت في شأنها تحفظات تتعلق بتفسير موجبات الموافقة المشروطة بالعودة إلى المجلس عند إجراء المناقصات. ويشرح الوزير أبي خليل في الاسباب الموجبة، ان استهلاك الطاقة مقدّر له ان يرتفع اكثر هذا الصيف. وهو ما يتطلب سرعة في المعالجة لتجنّب مواجهة أزمة زيادة ساعات التقنين بدل زيادة ساعات التغذية.

بين الشكوك والتأكيدات

كان الوزير ابي خليل وضمن الخطة الطارئة للكهرباء، اقترح استقدام باخرتين اضافيتين لتوليد الطاقة كخطوة أولى تؤمن مزيدا من التغذية في الصيف. ويقول ابي خليل في مشروعه، إن في الإمكان ان تبدأ الباخرة الاولى توليد الطاقة وتوريدها الى الشبكة في آخر شهر أيار. ويمكن تأمين الباخرة الثانية في آخر شهر آب. لكن، بعد التطورات السياسية التي عرقلت عمل مجلس الوزراء، وبعد الملاحظات العديدة على تفسير الموافقة المشروطة، ثمّة من بات يخشى أن تتعثّر الخطة، وألا يعود بالإمكان الإلتزام بالجدول الزمني المحدد.

فالصفاء الذي ساد مساحة الأمل التي رسمها الوعد الحكومي بتأمين الكهرباء كاملة للبنانيين، عكّره، عدم المباشرة فورا بالآليات التطبيقية لما اتفق عليه في مجلس الوزراء، كسبا للوقت. وكذلك الحديث في حينه، عن أن ما تمّ النقاش بشأنه في مجلس الوزراء هو غير ما دونته الأمانة العامة للمجلس. هذا الأمر الذي أثار الريبة من أمر ما، نفته الأمانة العامة لمجلس الوزراء. لكن وزير المالية علي حسن خليل، أشار إلى أن “المداولات وقرار مجلس الوزراء حول خطة الكهرباء في الجلسة التي انعقدت في قصر بعبدا تختلف عما تم إصداره من قرارات في الامانة العامة لمجلس الوزراء”. وقال “سنقوم بالإجراءات القانونية اللازمة للتصحيح”. الأمر الذي ربما ساهم في تجميد الخطة إلى حين توضيح بعض النقاط.

في المقابل لفتت مصادر متابعة للملف إلى أن ما شاع عن تغيير في الخطة يتضمن حق التلزيم بالتراضي، في حين أن المداولات في مجلس الوزراء لم تتطرق لذلك. وقالت إن ما تم الإتفاق عليه يشدد على استدراج العروض والمناقصات، وكذلك على حق المجلس في المراقبة والتقرير، لضمان الشفافية وطمأنة الرأي العام لمجرى تنفيذ الخطة، فلا تتعرض للتصويب عليها من قبل المتضررين من نجاح الحكم والحكومة. وقد نفى مصدر مسؤول في وزارة الطاقة أي تغيير في ما اتفق عليه الوزراء، واعتبر أن ما حكي عن تزوير لا يمت إلى الحقيقة بصلة، وأن الأيام الآتية ستثبت سلامة وشفافية الخطة وتنفيذها.

لكن وفق ما تشير مصادر أخرى متابعة، فإن ما كان صدر عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء اختلف عن محضر الجلسة وعما جرى التوافق عليه بين الوزراء. وهي تشير إلى أن ما صدر عن الأمانة العامة، يعطي وزير الطاقة سيزار أبي خليل منفرداً حق التقرير في مصير التلزيمات والمناقصات في أي مشروع له علاقة بإنتاج الطاقة الكهربائية. وهذا، بحسب المصادر، يخالف الإتفاق داخل الحكومة على وجوب العودة إلى مجلس الوزراء من قبل الوزير قبل كل خطوة يتم إتخاذها، ليقرر مجلس الوزراء مجتمعاً بشأنها.

نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة غسان حاصباني المتابع للملف، شدد في حينه على أن كل مراحل خطة الكهرباء ستمر عبر مجلس الوزراء ليتخذ القرارات حول دفتر الشروط والشركات التي ستنفذ “وهذا ما طالبنا نحن به.” واعتبر ان الخطة تكمن في تسليم القطاع الخاص إنتاج الكهرباء، ولكن نحتاج الى البواخر لتؤمن الطاقة بشكل موقت ريثما تطلق مناقصات بناء المصانع. وهذا ما أكده كلام الوزير أبي خليل عن أن استكمال بناء المعامل المتوقفة يحتاج إلى سنتين ولذلك فنحن في حاجة إلى خطة طارئة ومستعجلة لتأمين الكهرباء ريثما يتم الإنتهاء من بناء المعامل، مؤكدا أن المعامل التي سوف تنشأ بموجب الخطة ستكون من شركات القطاع الخاص. ولفت إلى أن “إنشاء الشبكة الذكية للكهرباء من شأنه أن يخفف الهدر”.

رسالة و… ملاحظات

بعد هذا النقاش الذي ظل غير واضح حول الخطة، وبعد انقضاء الأسبوع الأول من شهر أيار، ما وضع انطلاق الخطة، المتمثل بوصول الباخرة الأولى لتوليد الطاقة في آخر أيار، في مهب التأجيل، أعلن حزب “القوات اللبنانية” عن سلسلة ملاحظات حول خطة الكهرباء، كان رفعها في نيسان الماضي في رسالة الى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، بواسطة نائب رئيس الحكومة غسان حاصباني.

وقد جاء في الرسالة، أن مضمون القرار الذي يتعلق بالخطة الإنقاذية المقدمة من جانب وزارة الطاقة والمياه، في الجلسة التي خصصت لها في قصر بعبدا بتاريخ 28 آذار 2017، يتطلب بعض التوضيح، لا سيما البند 2، الذي يتضمن وجوب أن تعود وزارة الطاقة والمياه في كل مرحلة من الخطة إلى مجلس الوزراء لاتخاذ القرارات، لا سيما دفاتر الشروط لكل مرحلة من الخطة، وتعديل الأسعار وتمويل أي جزء منها، ونتائج المناقصات.

كما طالبت الرسالة بإدارج دفتر الشروط المتعلق باستجرار الطاقة من المعامل القائمة على جدول أعمال الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء لمناقشته حرصاً على الإسراع في تطبيق المرحلة الأولى من الخطة بشفافية ولتفادي اي تأخير ينتج عن عدم موافقة مجلس الوزراء الحالي على شروط المناقصة بعد استكمالها والتأكيد على أن تكون المواصفات الفنية والبيئية والمالية متماشية مع أولويات الدولة.

وركزت الرسالة على النقاط التالية التي وردت في النقاش حول استجرار الطاقة عبر المحطات العائمة:

  • تحديد المدة الزمنية بثلاث سنوات فقط.
  • توضيح المواصفات التقنية في دفتر الشروط.
  • التركيز على استخدام الغاز في البواخر كونه أسلم بيئياً وأعلى مردوداً من HFO
  • شمول العقد مع الشركات كلفة المحروقات وربطها بمؤشر أسعار السوق.
  • توضيح الشروط الضريبية وشروط الدفع.
  • ضم نسخة من مسودة العقد مع دفتر الشروط.

وإضافة إلى ما ذكر أعلاه، تم التأكيد على ضرورة تكليف الجهات المختصة وذات الخبرة بتعيين إستشاري لتحضير دفتر الشروط الخاص بشراء الطاقة من المعامل المستقلة IPP خلال مدة أقصاها شهران، ومن ثم طرح دفتر الشروط على مجلس الوزراء قبل الشروع بالمناقصات بحسب الأصول.

وطالب حاصباني إدراج دفتر الشروط ونسخ من مسودة العقد المقترحة للطاقة المستدامة، على طاولة مجلس الوزراء عند جهوزها وضمن المهل الزمنية التي حددت في الخطة لإقرارها وخصوصا ان عدداً كبيراً من الشركات أبدى اهتمامه بالتقدم بعروض. ونوّه “بالجهد الذي بذلته وزارة الطاقة والمياه والسرعة التي قدمت بها هذه الخطة”. راجيا إحاطة رئيس مجلس الوزراء، والوزراء بهذه المراسلة.

عناوين ومضامين

أما الخطة التي كان أعلن تفاصيلها الوزير أبي خليل ويجري البحث بشأنها اليوم، فتقضي بأن يتم:

  • استئجار باخرتين لتوليد الطاقة الكهربائية، بقدرة 800 ميغاواط. بحيث يصبح مجموع البواخر المستأجرة لتوليد الطاقة، أربعة.
  • زيادة تعرفة الكهرباء، بنسبة قد تصل إلى 40 في المئة.
  • إنشاء معامل بقدرة 1000 ميغاوات بالتعاون مع القطاع الخاص.
  • إنشاء معامل طاقة فوتوفولتية بقدرة 1000 ميغاوات.
  • إنشاء محطات لاستيراد الغاز الطبيعي المسال.

وتقضي الخطة التي تمتد حتى سنة 2027، موعد إقفال معملي الزوق والجيه وفك المعامل المستحدثة، بأن تنجز على مراحل. وتتضمن مرحلتها الاولى أن يكون استئجار الباخرتين لـ3 سنوات قابلة للتجديد لسنتين (بعدما كانت الخطة تقترح 5 سنوات)، على أن يتم البدء بمرحلة إشراك القطاع الخاص في بناء المعامل في الزهراني وسلعاتا، وبدء الاعتماد على الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة وصولا الى المرحلة الأخيرة القاضية برفع الدعم كليا عن هذا القطاع.

وكانت “القوات” أصرّت على وضعِ دفتر شروط واضح يُصار على أساسه إلى استدراج عروض استئجار البواخر، وإبقاء مجلس الوزراء مرجعية. وتمّ الاتفاق على أن يتولى نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة غسان حاصباني، بالتعاون مع وزيرَي الطاقة والمال سيزار أبي خليل وعلي حسن خليل، متابعة مسألة تمويل استئجار البواخر لجهة عدم تحميل الخزينة أيّة أعباء مالية خلال الفترة التي تسبق الجباية بحسب الخطة، وبالتالي تحميلها للشركات المعنية في انتظار البدء بالجباية المطلوبة، ومن دون إغفال الجانب الأساس للخطة الحكومية التي تبنّت توصية “القوات” لناحية إشراك القطاع الخاص في عملية الإنتاج.

ويرى مراقبون أن “القوات” نجحت في تثبيت موقفها، سواء على صعيد المبادرة إلى الإسراع في إقرار خطة الكهرباء، والأخذ بالملاحظات التي تقدّمت بها، أو على صعيد إدخال بعض الإصلاحات الإيجابية على مشروع قانون الموازنة. وفي هذا السياق يُذكِّر مصدر قواتي بالقرار الذي كانت أعلنت عنه “القوات” ويقضي بالتحفّظ عن إقرار الموازنة، ما لم يتم بحث موضوع الكهرباء واتخاذ قرار في شأن إشراك القطاع الخاص في الإنتاج. وكذلك وضع دفاتر شروط للمناقصات.

وفي السياق، قالت مصادر قواتية أن وزراءها يشددون على 3 نقاط أساسية:

  • الشفافية في المناقصات وإستدراج العروض.
  • إشراك القطاع الخاص في إنتاج الطاقة وتوليدها.
  • عدم تحميل الخزينة في هذه المرحلة أعباء استئجار البواخر، وإنما الشركات المتعهّدة الى حين بدء عملية الجباية التي ستموّل مستحقاتها لاحقاً. وأن تكون ضمن مرحلة إنتقالية واضحة ومحددة حتى إنجاز خطة المعامل.

إستنادا إلى كل هذا المسار وتعليقا على رسالة “القوات” إلى مجلس الوزراء، أوضح حاصباني أن “أبرز الملاحظات المقدّمة هو الحرص على إجراء المناقصة بشفافية تامة وبلا أيّة شوائب أو مغالطات. وتقليص الكلفة على خزينة الدولة. واعتماد وسائل إنتاج جديدة للكهرباء وعدم حصرها بنوع معيّن من الوقود، كذلك عدم حصرها بالبواخر، بل اللجوء الى خيارات أخرى مثل المولدات أو إنشاء معامل جديدة، وبذلك نكون قد استخدمنا وسائل تكنولوجية حديثة”.

ولفت الى انّ الرئيس الحريري “لم يرفض ورقة الملاحظات، لكنّ المناقصة انطلقت وهناك عدد من الشركات تقّدم من أجل الفوز”. وشدّد على “انّ الهدف من هذه الملاحظات اعتماد الشفافية في المناقصات وعدم هدر المال العام”. وأكد أن وزراء “القوات” لن يقبلوا بإمرار أيّ صفقة أو مناقصة مشكوك فيها ولا تعطي النتيجة التي يتوخّاها الشعب، معتبرا أن أزمة الكهرباء توازي بأهميتها أزمة قانون الإنتخاب، لذلك، فإنّ “رحلة استعادة الثقة تبدأ برفضنا الأمور الشاذة التي كانت تحصل سابقاً”، نافياً “ان تؤدي ورقة الملاحظات الى إشكال بين القوات والتيار الوطني الحرّ، لأنّ الملف بات في مجلس الوزراء وليس عند وزير الطاقة”.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل