زار رئيس البعثة السعودية والقائم بالأعمال في سفارة المملكة العربية السعودية في بيروت وليد البخاري جامعة الروح القدس – الكسليك، برفقة المسؤول الإعلامي في السفارة غسان اسكندراني.
وقد التقى رئيس الجامعة الأب البروفسور جورج حبيقة في مكتبه، في حضور النائب السابق فارس سعيد، نائب رئيس الجامعة للشؤون الإدارية الأب طلال هاشم، حافظ المكتبة العامة ومدير مركز فينيكس للدراسات اللبنانية في الجامعة الأب جوزيف مكرزل والكاتب والمفكر اللبناني رضوان السيد ومسؤولين في الجامعة.
البخاري
وألقى البخاري كلمة بالمناسبة حيّا في مستهلها رئيس الجامعة الأب البروفسور جوج حبيقة، وقال: “بِناءٌ يُعانقُ عَنانَ السماءِ في رِفعته ويحملُ الوفاءَ بين جُدرانه، كليّاتُها أغصانٌ يافعةٌ يستظلُّ بظلّها طالبو العلمِ والتميّز، ليلتحمَ الفكرُ والروحُ في عُشق المكان، الذي يسكنُ فينا ونستشعرَ جميعا وجودَنا في هذه الجامعة التي تعبقُ برائحةِ الأُلفةِ وثقافةِ العيش المشترك، هكذا هي جامعةُ الروح القدس – الكسليك.
وأضاف: “إذا كانت مرافئُ الحياةِ كثيرةً ومحطاتُها متنوعةً، فلا أجملَ من أن تقفَ في مِحراب العلم، لنتحدثَ عن ينبوعٍ من ينابيعِه الصافية، عراقةً تصقلُها خبرةٌ وحداثةٌ في سبيل رقي لبنانَ وإنسانه والارتقاء بأجياله المؤتمنة على مستقبل لبنان وروح حضارته. مسيرةٌ مضيئةٌ وهّاجةٌ هذه هي جامعةُ الكسليك، أُنشئت لتكونَ أيقونةَ علمٍ وشعلةً تتوهَّجُ في سماء الوطن لبنان”.
وأكد “أن زيارتنا اليوم لهذا الصرحِ الأكاديمي والروحي العريق تعكسُ أهميةَ دورِ الدبلوماسية السعودية كرسالةٍ وطنيةٍ ومسؤولية دولية من أجل السلم والأمن الدوليين. ما نريدُه اليوم هو البحثُ الدائمُ عن المساحات المشتركة في إطار بناءِ ثقافةِ السلامِ والتسامح التي هي صلبُ المسيحيّةِ والإسلام”.
وتابع: “أنا إذ أقفُ بينكم ومشاعرُ الفخرِ والاعتزازِ تتنازعُني بالشّرف الذي أوليتموني إيَّاه في هذا الاستقبال الحار، من مؤسسة تربوية وروحية وعلمية، أُكرُّر الشكرَ الموصول لهذه الجامعةِ الشامخة التي انبثقت من إيمانِ الرَّهبانية اللبنانية المارونية بأن يكونَ للعلمِ مكانٌ يولدُ فيه ويُزهِّر”.
وختم: “وأشكرُ أعضاء الهيئة التعليمية والإدارية والطلاّبية على ما يبذلونَه من جهدٍ للسعي نحو التألق، لتبقى الجامعةُ قناديلَ تُشعُّ بالنور في دواخلِنا، فتُضيءَ المدى وتنحُتَ في كينونتنا حروفًا نابضةً بالشّكر والعرفان، فلهم جميعًا جزيلُ الشكرِ والتقديرِ ودمتم دائمًا أهلاً للعلم.
الأب حبيقة
كما تحدث الأب البروفسور جورج حبيقة، رئيس الجامعة، معربًا عن سرور الجامعة في استقبال هذا الوفد الرفيع من سفارة المملكة العربية السعودية في لبنان، مؤكدًا “أننا على يقين أن السعودية، في هذا الشرق الذي يختزن طبقات عديدة من ثقافات متنوعة والذي هو مهبط الوحي الالهي ضمن التراث الإبراهيمي، لها دورٌ ريادي، من جهة أولى، في ترميم صورة الإسلام بعدما تشوهت وتخدشت بقسوة على يد الأصوليين والتكفيريين، ومن جهة ثانية، في تلاقي الحضارات وتآلفها في الاختلاف المغني والمثري لثقافات البشرية المتنوعة، من خلال الآية القرآنية الشهيرة في سورة هود “لو شاء ربُّك لجعل الناسَ أُمَّةً واحدة”.
وأضاف: “إننا جدُّ مسرورين بوصول جيل الشباب السعودي المثقف والمتفاعل مع الحداثة والانفتاح على الآخر المختلف، إلى مراكز القرار. إننا على ثقة راسخة بأن الإسلام الجديد والبهي سيولد على يدهم وسيعطون للسعودية، لما تختزن من رمزية كبيرة وموقع ريادي للمسلمين في جميع أصقاع العالم، قوةً تحديثية ليس فقط في التثاقف والانثقاف، ولكن أيضا وخاصة في طرائق تعليم أسس الإسلام الآتي من التراث الابراهيمي وتفسير الآيات القرآنية الكريمة على نحو انسجامي كامل مع تحديد جوهر الله المحبة والرحمة المطلقين في بسملة الفاتحة: “باسم الله الرحمن الرحيم”. وبهذا الأسلوب التفسيري الصارم، قد تتمكن القيادات السعودية الشابّة من تجفيف مصادر الفكر التكفيري والانتحاري الذي يشكل خطرا كبيرا ليس فقط على غير المسلمين بل أيضا وخصوصاً على المسلمين أنفسهم”.
وأشار إلى أنه “في رسم سياساتهم الاجتماعية الواعدة، قد يكون مفيدا للشباب السعودي الصاعد الاستنارة والاسترشاد بالصداقة والتّحاب والتعاضد بين نبيّ المسلمين محمّد والقسّ ورقة بن نوفل وراهب البحيرة وغيرهم من النصارى. إن مسؤوليتهم كبيرة في الحؤول دون إفراغ الشرق من مسيحييه. لا بل عليهم العمل الدؤوب والممنهج لإعادتهم إلى ديارهم التي منها هُجِّروا قسرا. وعليهم أيضا أن يُحصِّنوا وجودَ من بقي من المسيحيين في هذا الشرق، على جميع الأصعدة، السياسية منها والاقتصادية والتوظيفية والمجتمعية وغيرها. وهكذا يصبح بمقدورهم أن يبرهنوا للعالم أجمع بالقول والفعل أن الإسلام دينٌ حضاري ودينُ التفاعل وقبولِ الآخر المختلف ودينُ المحبّة والحرّية. وبهذه الطريقة فقط، يكون بإمكانهم أن يعالجوا بشكل فعّال معضلةَ الخوف من الإسلام في العالم أجمع والتصدي بالأفعال لموجة الإسلاموفوبيا الآخذة بالتنامي الخطير في القارات الخمس”.
وتابع: “وفي طرح نظرياتهم السياسية للمجتمعات العربية المتصدّعة والمتناحرة اليوم، قد يكون أيضا مفيدا ومنوِّرا للشباب السعودي في مراكز القرار أن يعودوا إلى أيام هجرة نبي المسلمين محمّد والمهاجرين المسلمين الأوائل إلى مدينة يثرب في السادس عشر من شهر تموز يوليو سنة 622. وفدوا جميعا إلى مدينة متنوِّعة بأديانها الثلاث، اليهوديّة والمسيحيّة والصابئة. كيف كان عليهم أن يديروا هذا التنوّع مع الدّين لإسلامي الناشئ؟ بوعيه لإرادة الله في إدارة شؤون البشر ولمبدأ الوجود القائم على التعددية، وبرؤيويته وفطنته، وصل نبي المسلمين محمد مع متحاوريه اليثربيين إلى صيغة تحافظ على الذاتيّات المختلفة والذاكرات التاريخية الخاصة وتجعل من مجتمع متعدِّد الأديان والثقافات أمةً واحدة. فكان ميثاق المدينة أو صحيفة المدينة أو دستور المدينة. يعتبره الباحثون أوّل مسوّدة لقانون مدني في التاريخ. ينظّم العلاقات بين مكوّنات المدينة بالتساوي وبالاعتراف بالآخر المختلف كشريك أساسي. بعد مدّة زمنية، سقط ميثاق المدينة. فكان لزاما على شرقنا أن ينتظر أربعة عشر قرنا لكي يرى روحية وفلسفة ميثاق المدينة منبعثةً مجددا في الميثاق اللبناني والصيغة اللبنانية. إنها الصيغة الأرقى في العالم لتقاسم السلطة ومنع احتكارها من مجموعة معينة، وإشراك الجميع على قدم المساواة في إدارة شؤون المجتمع”.
وأكد أننا “اليوم، نحن مستعدون في جامعة الروح القدس- الكسليك أن نتعاون في جميع الميادين حتى نبني حضارة الإنسان في هذا الشرق المعذَّب والمعذِّب، وأن نُدخل في عقول أجيالنا الصاعدة ثقافة الحياة، ثقافة المحبة وقبول الآخر، لأن الآخر هو طريقي إلى ذاتي، بدون الآخر لا يمكنني أن أعي ذاتي، أن أعي غيريَّتي. فإذاً الآخر هو مكوّن أساسي في وعيي لذاتي. وعندما أحاول أن ألغي الآخر المختلف، أكون أعمل على إلغاء ذاتي وعلى تحطيمها”.
واعتبر أنه “في هذا الشرق، كفانا من عبثية الحروب التي حوّلت الزمنَ الذي أعطاه الله للإنسان، لكي يحقق ذاته في السعادة، وفي اللقاء الأخوي مع الآخر، إلى تاريخ مأساوي من التناحر والتذابح”.
ولفت إلى “أننا اليوم في مسيرة معرفية وأكاديمية نريدها واحدة مع الجامعات السعودية العربية التي نحترم ونجلّ، هي مسيرة الإنسان، مسيرة الحب، مسيرة التلاقي ومسيرة اللغة العربية التي نحافظ عليها بكل قوتنا. ونحن مبدعون في هذه اللغة، وقد حافظنا عليها تحت الحكم العثماني، وأنقذناها من التتريك، وبثّينا فيها قوة تجديدية. فإذا نظرنا إلى شعرائنا وأدبائنا وكتّابنا، نرى أنهم متألقون في هذه الحضارة. اليوم مع المملكة العربية السعودية، نسعى إلى أن نكون في مسيرة واحدة من الأنسية ونأمل أن نصل إلى مساحات وواحات من التلاقي والمحبة والسلام ونبني حضارة الإنسان، ضمن التقليد الإبراهيمي الذي يجلّه إخواننا المسلمون ونحن نحترمه، لأنّه كما تعرفون المسيحية واليهودية والإسلام ثلاثة أديان تتشارك في تاريخ حميم. ونحن في هذا اللقاء الحدث بين جامعة الروح القدس الكسليك وسعادة رئيس البعثة الدبلوماسية في سفارة العربية السعودية ببيروت، الأستاذ وليد البخاري مع الوفد المرافق العزيز، كيف لنا ألا نتذكر ما قاله رحمه الله صاحب الجلالة الملك عبد الله في زيارته التاريخية إلى الفاتيكان وما مفاده أننا، نحن كثلاثة أديان اليهودية والمسيحية والاسلام، نتضامن ونتشارك معاً في التصدي للفكر الإلحادي الذي يلغي مساحات الدين، الذي يشوّه معنى الدين، الدين الحقيقي المبني على الحب والتلاقي وإعطاء المعنى لآلامنا وأوجاعنا، لموتنا وللحياة بعد الموت”.
وختم الأب حبيقة كلمته متمنيًا “المزيد من التلاقي والبحث المشترك عن حقائق الوجود، زارعين في عقول أجيالنا الصاعدة قلق المعرفة وعشق التفتيش، بغية تحويل شرقنا العظيم والهش في آن إلى مساحات من التلاقي والمحبة والسلام. “.
ثم جال الزائرون في أرجاء الجامعة، فزاروا المكتبة العامة، حيث تعرّفوا على مختلف أقسامها ومركز فينيكس وبخاصة قسم الأرشيف وترميم المخطوطات وأعمال التوثيق والحفظ فيه. كما اطلعوا على بعض المخطوطات والوثائق القيّمة والنادرة، معربين عن دهشتهم وإعجابهم بالتطور العلمي الذي شاهدوه في هذه الجامعة العريقة.
ثم أقيم غداء على شرفهم في مطعم الجامعة.


