الرئيس ماكرون.. العابر أم صانع التغيير؟

فوز إيمانويل ماكرون بالانتخابات الرئاسية رغم أهميته وحتى استثنائيته، هو نصف انتصار. كل شيء منذ تحوّل ماكرون المجهول شعبياً، إلى «صاروخ» اخترق قبل عام واحد فقط فضاء الحياة السياسية حتى انتخابه رئيساً للجمهورية استثناء. بعيداً من قطعه مسافة تاريخية حتى دخوله رسمياً قصر الإليزيه، فإن أمام الرئيس ماكرون مسافات طويلة ليقطعها ويتحوّل من سياسي استثنائي إلى رئيس استثنائي، ما يمكّنه من الفوز في دورة رئاسية ثانية. أمام الرئيس «امتحانات» كثيرة عليه أن ينجح بها ليقتنع به الناخب الفرنسي الصعب جداً إقناعه.

الخوف وعدم الاقتناع كانا في السابع من أيار الناخبَين الكبيرين:

* الخوف من اليمين المتطرف ممثلاً بالمرشحة مارين لوبن لعب دوراً بارزاً في الاندفاع إلى انتخاب ماكرون. بدت لوبن في المواجهة التلفزيونية مع خصمها كأنها لا تملك سوى خطاب شعبوي ولا تعرف من الإدارة والاقتصاد سوى شعارات لا تُغني عن جوع.

أدركَت من البداية أنها لن تفوز فاختارت تحصين وتعزيز قاعدتها الحزبية والمؤيّدة لها. الآن لم يسقط الخوف. حصول لوبن على حوالى ٣٥ بالمئة من الأصوات بعدما كان والدها جان ماري لوبن قد حصل على ١٧،٨بالمئة، يعني أن خطر اليمين المتطرف يتمدّد ويتعمّق في الأطراف. المواجهة سريعة وذلك في الانتخابات التشريعية المقبلة في ١١ حزيران المقبل، إذا حصلت على هذه النسبة أو أقلّ بقليل يعني أنه سيكون للوبن بين ٤٠ و٨٠ نائباً في البرلمان، مما يفتح أمامها أبواب البلديات والمقاطعات، ومن يدري ماذا سيكون الوضع بعد ولاية الخمس سنوات المقبلة.

] عدم الاقتناع يتمثل أولاً في النسبة التاريخية للممتنعين والأوراق البيضاء. شعار الشباب الذين اقترعوا لماكرون هو «اليوم الأحد نُسقط لوبن وغداً الاثنين نواجه ماكرون». الرئيس المنتخب ردّ بطريقة غير مباشرة في خطاب الفوز «سأعمل كل ما يجب طوال السنوات الخمس حتى لا يوجد سبب للاقتراع للتطرّف». لم يُحدد ماكرون المقصود بالتطرف. البعض يقول إنه ربما كان يقصد اليمين المتطرف واليسار المتطرف الذي حصل مرشحه ميلانشون على ١٩ بالمئة وعلى النسبة الأكبر من الشباب.

أمام الرئيس ماكرون معركة الحصول على أغلبية برلمانية مُطلقة وهو الذي ليس لديه عملياً حزب يسانده. عليه وهو يختار مرشحيه أن يكون مقنعاً ليقتنع به الناخب الفرنسي. خطاب القسم مهم جداً ومن ثم تشكيل حكومته الأولى بعد تسميته لرئيس الوزراء في ١٥ الجاري، ستكون عنواناً بارزاً لاختياراته. يُقال إن نصف الحكومة سيكون من النساء. والأهم معرفة توجهه السياسي بين اليمين والوسط واليسار من خلال هوية الوزراء. أيضاً هو وضع كل ذلك في إطار «سأحارب ضد الأسباب التي تدفعنا الى الانقسام». خلال المائة يوم القادمة سيُمكن تحديد ما إذا كان انقسام القوى منتجاً للجمهورية وللرئيس أم مخرّباً. ذلك أن الحزب الاشتراكي يجب إعادة بنائه من الصفر، وقد يكون ذلك بداية بتغيير اسمه وكامل قيادته، خصوصاً من الـ«فيلة»، كذلك اليمين الجمهوري الممزق بسبب المرشح فيون الذي يعاني من انهيار «منزله» الحزبي والسياسي. يسعى بعض «باروناته» لوقف انزلاقه نحو الانفجار والتمزق، وأمام هؤلاء أقل من ٢٥ يوماً لإثبات نجاحهم أو فشلهم وترك الساحة لغيرهم.

باختصار «الجمهورية الخامسة» ستمرّ بكل الأخطار وهي التي تعيش في حالة الشيخوخة. موقف الرئيس ماكرون سيحدد هل يجب إعلان وفاة هذه «الجمهورية» بشجاعة أم سيتم إنقاذها بعد أن التزم بها؟

الرئيس ماكرون وضع أولوياته التي ستتبلور أكثر في خطاب القسم وهي: حماية الجمهورية أولاً، ولذلك سيزور الجيوش الفرنسية العاملة والمحاربة في الخارج ضد «داعش» (الأرجح أن تكون الزيارة الى العراق وربما الى سوريا). ومن ثم سيزور ألمانيا ويلتقي المستشارة أنجيلا ميركل تأكيداً لاستمرارية الاتحاد الأوروبي وتقويته، ومن ثم لندن للالتقاء برئيسة الوزراء تيريزا ماي، ثم كندا للقاء رئيس وزرائها جاستن ترودو الذي يشبهه كثيراً.

الرئيس إيمانويل ماكرون ليس رئيساً عادياً، بعيداً عن تبني «الرئيس العادي» فرنسوا هولاند له بطريقة غير عادية (برز ذلك بقوة وأمام الكاميرات المسلّطة عليهما)، الى درجة العمل على إحاطته بكل الأسباب والطرق لإنجاحه. ولا شك أن ماكرون الذي يتمتع بذكاء حاد كما يُنقل عن محيطه، قادر على الانطلاق بقوة والعمل لينجح ولا يكون «جسراً» للعبور الى «جمهورية» مختلفة، وإنما صانع التغيير والعبور الى فرنسا جديدة لا يخاف شعبها من المستقبل.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل