
كلّما اقتربت اللحظات الأخيرة، يتزايد اعتراف جميع الأطراف بأنّ أهمّيّة الإشكاليّة الكبرى حول قانون الإنتخاب تكمن في كونها سياسيّة أكثر منها دستوريّة. وهذا ما لم ننقطع عن قوله في كلّ لحظة منذ مقاطعة العام 1992 وحتّى الإنتخابات الأخيرة. فهل ستقتنع القوى السياسيّة التي تعرقل مسألة الوصول إلى قانون الإنتخاب أن لا مفرّ من الشّراكة السياسيّة الحقيقيّة في لبنان؟ وهل اقتنع “حزب الله” ومن معه بأنّ لبنان لن يقوم إلا بهذه الشّراكة التي تكرّست بالمناصفة الحقيقيّة؟ أم أنّ مسار التّدمير الذي يقود أحد أطرافه “حزب الله” في المنطقة سيفرضه على الواقع اللبناني؟
الموعد الذي حقّقه الرّئيس برّي هو 15 أيّار القادم، وبحسب ما أعلنته جريدة الحياة اللبنانيّة أنّه “يميل إلى تأجيل الجلسة رغبة منه في إفساح المجال أمام مزيد من المشاورات، لعلّها تثمر في نهاية المطاف التوافق على قانون انتخاب جامع يحظى بتأييد المكونات الأساسية والطائفية في البلد”. واليوم بعد تقدّم بورصة النّسبيّة التي طرحت أساسًا في لقاءات بكركي الرّباعيّة على سائر القوانين المطروحة اليوم في هذه المرحلة، وبعد اقتناع “حزب الله” وتراجعه عن مطلب لبنان دائرة انتخابيّة واحدة في ظلّ نسبيّة مطلقة، ينحصر البحث في عدد الدّوائر لمراعاة هواجس كلّ المكوّنات المجتمعيّة اللبنانيّة، وفي موضع الصّوت التّفضيلي الذي بات وجوده في القضاء حتميًّا لضمان المزيد من الإصلاحات في التّمثيل. وهذا ما لا ترفضه الثّنائيّة المسيحيّة لأنّ الهدف الأساسي من علّة وجودها هو تحصين الدّولة وقيامها على الأسس الحقيقيّة وليس الشّكليّة كما قامت عليه في الرّبع قرن المنصرم.
ولن يكون ربط إقرار قانون الإنتخاب مع الإتّفاق على الإقرار بتشكيل مجلس شيوخ عائقًا إضافيًّا لأنّ تطبيق اتّفاق الطّائف كان وسيبقى مطلبنا الأوّل والأخير. مع الأخذ بعين الإعتبار أنّ مناصفة الطّائف لن تبقى لا استنسابيّة ولا شكليّة بعد اليوم بل ستنسحب على كلّ مواقع السّلطة.
ولا يعوّلنّ أحد اليوم على خلاف ما بين “القوّات اللبنانيّة” و”التيّار الوطني الحرّ”، فما كتب في 18 كانون الثاني 2016 في معراب قد كتب ولن يمحوه شيء حتّى انقضاء الدّهر. فعمل “القوّات” في مجلس الوزراء منبثق عن نهج “القوّات” في التّعاطي بالشّأن العام وليس عن نهج شخصيًّ أو كيديًّ يعتمده أيّ شخص بغضّ النّظر عن موقعه الحزبيّ. فمشاركتنا في مجلس الوزراء كانت واضحة من الأساس. لن نكون شهود زور قلناها ونقولها دائمًا. فكما حافظنا على نواة الدّولة أيّام تزاحم الكلّ على قضم خيراتها، هكذا نحن اليوم نحافظ على شرعيّة المؤسّسات فيها انطلاقًا من مبدأ تطبيق الدّستور والقانون من دون مراعاة أحد. فالعمل الوزاري يبقى عملاً وزاريًّا إداريًّا تنفيذيًّا بحتًا، أمّا الموقف السياسي فهو مبدئيّ وواضح. ولن نتخلّى عن موقفنا السياسي خدمة لصفقة من هنا أو لمناقصة من هناك. وهذا التّباين في ملفّ الكهرباء هو صحّي ومنطقيّ ولن ينسحب على أيّ ملف إنمائيّ خدماتيّ آخر، فكيف إذا كان الملف سياسيًّا استراتيجيًّا كقانون الإنتخاب؟
وللتّاريخ فقط، التّمديد لم يسقط إلا بسبب صلابة موقف الثّنائي المسيحيّ وقانون السّتين دفن بسبب تشبّث الثّنائيّة وإصرارها وعملها لإنتاج قانون جديد، منذ لحظة وجودها متباينة في لجنة بكركي، فكيف اليوم بعد اتّفاق معراب؟
من يعمل بالعلن على اطلاق مشاريع قوانين من الوهم تطبيقها، ويعمل في الخفاء على إبقاء الوضع كما هو عليه إمعانًا في ضرب مبدأ المناصفة والتّمثيل الصّحيح، وعملاً لإحلال الفوضى وصولا حتّى تشريعها مرحليًّا للوصول إلى إعادة صياغة كيانيّة الدّولة من خلال مؤتمر تأسيسيّ، هو واهم ولن يصل إلى غاياته طالما هنالك حرّاس للجمهوريّة ساهرون ومصابيحهم مشتعلة.