بعد 15 أيار وقبل 20 حزيران

كتب نجم الهاشم في إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1610:

عندما حدد الرئيس نبيه بري جلسة التمديد للمجلس النيابي في 13 نيسان الماضي لم يكن ذلك عن عبث. لو كانت المسألة تتعلق بالعد لكان بالإمكان القول أن التمديد كان يمكن أن يحصل بأكثرية 33 نائبا فقط. كان الرئيس بري يريد استباق المهل ولكن بدا أن السباق مع هذه المهل لا يمكن أن يتعلق فقط بمجرد تحديد موعد للجلسة وأن التمديد مسألة فيها نظر خصوصا إذا كان الهدف منه تجاوز المطالبة بالتوصل إلى قانون جديد للإنتخابات يؤمن التمثيل الصحيح ويعيد التوازن الوطني.

كادت جلسة 13 نيسان أن تشكل بداية لمواجهة جديدة في الشارع مع اعتراض “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” على التمديد. على رغم تحركات الشارع كان يمكن للجلسة أن تعقد وأن يتم التمديد لأن القدرة على تعطيل النصاب عبر التحركات الشعبية لا يمكن أن ينجح طالما أن المسألة لا تتجاوز حضور 65 نائبا إلى ساحة النجمة معظمهم قد يكون من الذين تتهددهم عملية التغيير الواجبة الحصول من خلال تصحيح التمثيل النيابي. عندما تدخل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بموجب المادة 59 من الدستور طالبا تأجيل انعقاد مجلس النواب كان يؤجل الأزمة ويحاول أن يجد مخرجا آخر غير الإحتكام إلى الشارع. فـ”القوات” و”التيار” كانا يدركان أن الشارع يجب أن يبقى آخر الخيارات وفي الوقت نفسه كان الرئيس بري والمطالبين بالتمديد يدركون أيضا أن فرض التمديد بالقوة وعلى رغم معارضة مسيحية واسعة بمثابة انتحار سياسي لأن الرئيس بري يدرك بطبيعة الحال أن المسألة لا تتعلق بمن سيكون حاضرا داخل القاعة على رغم أن هذا ما كان قاله.

حرَّكت جلسة 13 نيسان التي لم تعقد البحث عن قانون للإنتخابات. الرئيس بري أجلها حتى 15 أيار تحت ضغط المهل أيضا. ولكن موقف الرئيس سعد الحريري الذي رفض أن يتم التمديد بالتصويت جعل موعد 15 أيار يذهب كما موعد 13 نيسان.

ثمة طروحات جديدة تناولت موضوع قانون الإنتخاب ولكن أيًا منها لم يتحول إلى طرح قابل للنقاش العام والقبول. السيد حسن نصرالله الأمين العام لـ”حزب الله” وضع المسألة بين يدي المسيحيين والدروز وأعطى للحزب التقدمي الإشتراكي حق الفيتو على مشروع الوزير جبران باسيل التأهيلي. الرئيس بري طرح سلة جديدة تتألف من قانون للإنتخابات على أساس المناصفة والنسبية مع مجلس للشيوخ على أساس القانون الأرثوذكسي. الرئيس سعد الحريري قال إن ليس لديه أي مشروع خاص. الرئيس ميشال عون أعاد التأكيد على مشروع القانون التأهيلي لاستعادة ما يمكن من التمثيل المسيحي في ظل اقتراحات تذهب نحو قانون على أساس 15 دائرة مع صوت تفضيلي في القضاء.

الرئيس بري أعلن أن ما يطرحه يؤخذ كله أو يرفض كله وأنه لا يسحبه عن الطاولة بعد 15 أيار وأنه قد لا يعقد الجلسة في هذا التاريخ إذا استمر عدم التوافق وحتى لا يتهم بأنه مع التمديد. ولكن ماذا يمكن أن يحصل في 15 أيار وبعد 15 أيار؟

لا يبدو أن هناك اتجاه نحو اتفاق أولي على مبادئ قانون انتخابات جديد. وبالتالي قد يكون المخرج لتأجيل جلسة 15 أيار بالتوافق على أن تكون هناك دعوة من الحكومة لعقد جلسات تشريع بين 15 أيار و20 حزيران حتى إذا تم التوصل إلى صيغة قانون جديد للإنتخابات تعقد الجلسة ويتم إقرار القانون مع التأجيل التقني لأشهر. ولكن إذا كان الرئيس بري سيتحرك تحت ضغط المهل الدستورية ولكي يتم التمديد خلال الدورة العادية لمجلس النواب قبل آخر أيار قد يعمد إلى تحديد جلسة في 22 أيار وبذلك إذا تم التمديد وإذا كان لدى رئيس الجمهورية مهلة خمسة أيام لرد القرار يكون أمام الرئيس بري مجال للدعوة إلى جلسة ثانية قبل آخر أيار يتم فيها التمديد بأكثرية 65 صوتا. ولكن ما هو ثمن التمديد إذا حصل بهذه الطريقة؟ وهل يمكن أن يتكرر ما كان سيحصل من تحركات شعبية في 13 نيسان؟

السيناريو الأخطر يكون في حال لم يتم التمديد ولم يتم التوصل إلى قانون انتخابات جديد وانتهى تاريخ 31 أيار وبعده 20 حزيران من دون نتيجة وبدأ عهد الفراغ. الثنائي الشيعي عبّر علنا عن أن الفراغ في المجلس النيابي يعني الفراغ الشامل في كل المؤسسات. الوزراء الشيعة سيقدمون استقالاتهم ومعهم الوزراء المتحالفين معهم. تصير الحكومة حكومة تصريف أعمال ولا يعود هناك مخرج دستوري للإنتخابات النيابية لأن ما يحكى عن مهل جديدة وعن انتخابات على أساس قانون 2008 أو قانون الستين لا يتعدى كونه خطوات متنازع على دستوريتها، وبالتالي فإذا كان من حق طرف واحد أساسي أن يعطل ولادة قانون للإنتخابات فمن الأسهل ان يعطل هذا الطرف الإنتخابات.

السؤال الذي يفرض نفسه في ظل هذه الرحلة إلى الهاوية هو إذا ما كانت الحرب على تفاهم “القوات” و”التيار الوطني الحر” من أجل تأمين تمثيل نيابي صحيح وعادل ومتوازن تستحق كل هذه المعارضة وكل هذه المحاربة.

أبعد من ذلك. هل يمكن فهم لماذا يتم دفع الأمور في هذا الإتجاه بينما يكثر الحديث عن بداية تقسيم فعلية تحصل في سوريا في ظل استمرار عمليات الفرز السكاني بين المناطق وتحت غطاء خلق المناطق الآمنة التي ستكون خاضعة لحماية أكثر من دولة من تركيا إلى إيران وروسيا والأردن والسعودية والولايات المتحدة الأميركية؟

في ظل هذا المشهد المعقد هل يمكن أن يكون المخرج للجميع بما ذهبت إليه “القوات اللبنانية” من خلال الانفتاح على مبادرة الرئيس نبيه بري على أساس أن فيها مصلحة وطنية تقوم على التزاوج بين مجلس الشيوخ ومجلس النواب على أساس النسبية مع تأكيد “القوات”: “نحن مع النسبية الكاملة على 15 دائرة مع صوت تفضيلي بالقضاء وبالطائفة مع مجلس شيوخ ومجلس نواب تكرس فيها المناصفة الحقيقية. وإذا كانت الظروف غير مهيأة، لولادة مجلس الشيوخ فنحن مع النسبية الكاملة على أساس 15 دائرة وليس 13 دائرة”.

لذلك لا بد من فتح كوة في الجدار ولذلك تبدي “القوات” حرصها على الخروج من المأزق على أساس أخذ هواجس الجميع في الإعتبار ذلك أن القضية تحتاج إلى تنازلات تحت سقف الطائف إلا إذا كان هناك من يريد المغامرة بانقلاب يحاكي التطورات الحاصلة في سوريا على قاعدة أن تحريك الجمود يحتاج إلى مثل هذا الإنقلاب وأن تفاهم الدوحة في أيار 2008 ما كان ممكنا لو لم تحصل عملية 8 أيار في ذلك العام.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل