بطريرك الإستقلال الثاني … سيد الكلام إن حكى

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1610

بطريرك الإستقلال الثاني … سيد الكلام إن حكى

يوميات ناسك في صومعة بكركي…صلاة وصمت وخبز محمص

 

كان المفروض أن يكون اللقاء في عيده السابع والتسعين هناك، في جناحه الخاص في الصرح البطريركي في بكركي الذي دخله في 15 آذار 2011 بعد تقديم استقالته، ومن حينه تحول إلى صومعة سيدنا البطريرك مار نصرالله بطرس صفير. لكن نزولا عند رغبة سيد الصمت التي نقلها لنا عبر رفيق الدرب الطويلة جورج صليبا بعدم رغبته في الكلام انتقلنا في الجغرافيا وقصدنا منزل شقيقة البطريرك صفير أو قل نحو طيفه الذي يلاحقه في مشوار العمر، ميلاني صفير بريدي.

في منزلها الذي يستقبلك بصور البطريرك صفير ودفء حضورها المكلل بالطيبة والإيمان تحتار من أين تبدأ في الكلام عن الأخ الراهب والمطران والبطريرك على مدى ثلاثة عقود لكن الكلام يبدأ وينتهي عن سيد الصمت وسيد الكلام الذي يحفر على رغم ندرته.

ومن عيده السابع والتسعين يبدأ الحوار والحكايات المغمسة بالذكريات ووقارالصمت يبدأ الكلام.

“كيفو سيدنا”؟ نسأل. وببسمة لا تفارق ثغرها تماما كما شقيقها البطريرك صفير تبادرنا “سيدنا منيح نشكر الله. اليوم طالعا لعندو لأنو مبارح الأحد ما قدرت زورو… خبرني جورج (صليبا) إنو اتصلتوا فيه وطلبتوا موعد لزيارة سيدنا…”. وتستطرد: “سيدنا بيستقبلكن ساعة اللي بتحبوا.. بس إذا بدكن تاخدوا منو حديث ما راح تاخدو منوا شي. أساسا حكيو قليل وكان بس يحكي يكون حديثو مختصر مفيد… هلق بدو يحكي؟…”.

سيدنا، سيد الصمت. هي الحقيقة غير القابلة للجدل. صحيح أنه قليل الكلام لكن متى تكلم كانت تهتز عروش الإضطهاد والذل والعبودية. ولا يزال. كان يكفي أن يطل من شرفة بكركي ويصرخ بإسم الشعب اللبناني الحر ومسيحيي لبنان والشرق حتى لا يعود للخوف مبرر ويجد الإيمان صخرة يُتكأ عليها. “سيدنا ما غيَّر عادتو بعدو سيد الصمت”. تقول شقيقته ميلاني ورفيقة أيامه في صومعته في بكركي التي لا تنفك عن مناداته بعبارة “سيدنا” “كل يوم بزور سيدنا. وإذا شي نهار مرق من دون ما شوفو بحس إنو في شي ناقص”.

إلى صومعته تحمل له ميلاني بعضا من الملابس والقليل القليل من الطعام: “أساسا ما بيطلب شي. استحليت شي مرة يقللي جيبيلي معك هالغرض أو طالع ع بالي هالأكلة. بتذكر إمي كانت كل مرة يكون البطريرك جايي من الدير بزيارة تسألو شو بدك اطبخلك؟ شو ع بالك تاكل؟ وكل مرة كانت تسمع نفس الجواب. “باكل أيا شي. أنا جايي زوركن وإطمن عليكن وراجع ع الدير. هيك كان البطرك وبعدو إنسان مش متطلب وقليل الكلام. وما تغير. كل مرة بزورو بسألو: كيفك؟ بيجاوبني بكلمة واحدة: الحمدالله. موجوع من شي؟ لأ. تعبان؟ لأ. بدك جبلك معي شي بوكرا؟ لأ. هيدا هوي البطريرك صفير. صامت ويا جبل ما يهزك ريح. ولا مرة شفتو زعلان. ولا مرة اشتكى أو تذمر من شي. دايما البسمة على وجو وبس تسألو عن صحتو بيجاوب نشكر الله حتى لو كان مزعوج أو موجوع”.

عندما فتحت ميلاني صغيرة البيت عينيها على الحياة كان كبير البيت البطريرك صفير يرتدي ثوب الكهنوت. ذكريات الطفولة مع سيدنا نادرة لكن ما حفر ولا يزال في ذاكرتها هي عظاته التي كانت بمثابة دستور. هذا الدستور الذي طالما تمسك به لعدم سحب البساط بساط الحق من تحت أقدام المسيحيين “كان يقول الدستور أقرّ بـ64 نائب للمسيحيين ونحنا بدنا 64 نائب مسيحي”. وهل لا يزال البطريرك صفير سيد الصمت أمام زواره من السياسيين وسواهم الذين يدخلون صومعته لنيل البركة والإطمئنان إلى صحته والتزود بالإيمان؟ تجيب ميلاني: “كتار اللي بيجوا يزورو بس ما بيحكوا سياسة. سيدنا بيقول إنو اليوم في بطريرك (مار بشارة بطرس الراعي) وبوجودو أنا ما بحكي. وإذا حكي كم كلمة فبالمختصر المفيد والشاطر يفهم… وتستطرد: “أساسا سيدنا بيشبه بيي مارون. كان متلو كتوم وما بيحكي ولا بيتذمر من شي”.

عند انتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية لمست ميلاني كما بعض المقربين منه علامات الرضى والراحة على ملامح وجهه. لكن حتى أمام هذا الحدث الوطني لم يخرج عن صمته: “هلق صار عنا رئيس. والبلد بلا رئيس ما بيمشي”. وسكت بطريرك الكلام عن الكلام.

بطريرك الإستقلال الثاني كان يتكلم ويقفل الباب ويصلي. ولم يضطر طيلة ثلاثة عقود من توضيح أي موقف ولا تبرير ما يقوله، لذا اعتاد عند كلّ محطة تكرار عبارة “لقد قلنا ما قلناه”…. لكن متى تكلم كان لا بد من أن يتغير شيء ما في المشهد السياسي. “قصر المهاجرين؟ أين يقع هذا القصر لا أعرفه لم أسمع به من قبل؟” بهذه العبارات أجاب بطريرك الكلام مار نصرالله بطرس صفير عندما ساله أحد الصحافيين عما إذا كان سيزور قصر المهاجرين. كسر شوكة النظام السوري ولم يستسلم لإغراءاته. وقف صمد، عاند، دافع، ساند الحق اللبناني. في اختصارصفير جعلنا نستمر ونصمد ونتعاضد… فعلا كان بطريرك لا يفسر تقول شقيقته التي لا تتمايز كثيرا عن شقيقها في مسألة الكلام المقتضب”بس أعتبر حكواتية قدام سيدنا.

غالبا ما تقصد ميلاني صومعة شقيقها البطريرك صفير في بكركي صباحا. تغدو باكرا لتلاقيه عند الساعة السادسة والنصف في الغرفة المجاورة لغرفة نومه والتي حولها إلى كابيللا صغيرة. ومع رفيق الدرب جورج صليبا يدخلون الصومعة للصلاة.. تصمت قليلا وتستطرد بضحكة تعيدك إلى وجه البطريرك صفير: “أساسا حتى جورج ما بيحكي. فكرك بقدر آخذ منو شي كلمة عن سيدنا؟ في إيام بكون معجوقة بالشغل بالمؤسسة وما بروح لعندو ع بكركي. بتصل بجورج وبسألو عن سيدنا. كيفو؟ منيح؟ متضايق من شي؟ بدو أخدلو شي بس إطلع لعندو بوكرا؟ ويجيب جورج: لأ أبدا”. 60 سنة مع بعضن ما بيفترقوا. وأساسا لو ما اتفقوا ما التقوا”… وتغرق في ضحكتها التي تنضح طيبة ومحبة.

يوميات البطريرك مار نصرالله صفير لم تتغير منذ دخوله جناحه الخاص في بكركي بعد تقديم استقالته في 15 آذار 2011. بعد القداس يعود سيدنا إلى غرفته لتناول الترويقة. “الله وكيلك ترويقة نساك. تقول شقيقته وتضيف: “شو ما جابولوا بياكل. ما في مرة تذمر من الأكل أو طلب شي معين. بس بالعادة بيتروق زيت وزعتر وحبتين زيتون مع خيارة وحبة بندورة وأوقات لبنة وجبنة أو منقوشة جبنة أو صعتر. بس ما بياكل إلا ربع قطعة من المنقوشة. أكلو قليل. دغري بيقول الحمدالله شبعت”.

وحدها القراءة لا تشعر البطريرك بالشبع. لعلها الملاذ الوحيد الذي يترجم من خلاله صمته او لعله يخاطب السطور وما بينها. والقراءة لا تقتصر على كتاب الإنجيل أو الكتب التي تروي سيرة القديسين إنما أيضا الصحف والمجلات اللبنانية والأجنبية التي يدأب على قراءتها يوميا بعد الترويقة ولمجلة “النجوى – المسيرة” حصة واسعة في مساحة قراءات سيدنا بحسب شقيقته ميلاني. بعدها يبدأ بين الساعة التاسعة والنصف والثانية عشرة في استقبال زواره الذين يؤمون جناح البطريرك صفير وفق مواعيد مسبقة.

أما أطباق مائدة الغذاء فلا تقل تواضعا وتقشفا. أطباق يحملها إليه في فترة النهار ممرض وافق البطريرك صفير على إقامته معه في الجناح بعد محاولات حثيثة ونقاشات طويلة مع شقيقته. ولموقفه الرافض أسباب تشرحها ميلاني: “أول شي رفض إنو يكون معو ممرض على اعتبار إنو جورج موجود معو وإذا ما كان حاضر بيجي لمجرد الإتصال فيه. وبعد نقاش طويل اقتنع سيدنا إنو يكون في ممرض معو لفترة النهار وآخر بفترة الليل”. لكن جورج يلازمه كطيفه “تصوري إذا بدو يطلع من بكركي ما بيروح إلا مع جورج بسيارتو. واساسا ضهراتو كتير قليلة أو بيطلع ع حريصا أو بيزورنا بمؤسسة البطريرك صفير ب ريفون. وهل يزورها في بيتها، نسأل؟ ولا مرة شفتو بالبيت من 2011 لليوم. بس وقت كان بعدو بسدة البطريركية كان يزورني فجأة من دون ما حدا يعرف بالحي. وإذا عرفوا ما كان يلحّقوا يتصلوا بصحافي او يطلعوا لعندي لأنو زيارتو ما كانت تستغرق اكتر من 10 دقايق. يعني يجي يرش مي مصلاية ويرجع ع بكركي”.

بعد القيلولة يعود البطريرك صفير إلى كتاب صلاة باللغة الإنكليزية دأب على القراءة فيه يوميا. هو ليس بكتاب إنجيل لكنه حتما كتاب يمت إلى الصلاة والإيمان وفلسفة الوجود بصلة” قد ما بيقرا فيه اهتروا وراقو”.

ليست حياة الزهد والتنسك وسط الناس بجديدة على سيد الصمت. فحتى في مرحلة توليه سدة بكركي كان البطريرك صفير يعيش حياة النسك والزهد لكن ضمن جماعة. حتى الموت ما كان يهزه لأنه يؤمن أن الحياة ليست إلا مجرد رحلة على هذه الأرض وكلنا سائرون على هذه الدرب ومن دون سابق إنذار. “هذا لا يعني أنه لم يتأثر او يحزن يوما عند انتقال أحد الأحباء إلى جوار ربه، أو امام قوافل الموت والشهداء الذين كانوا يسقطون يوميا خلال الحرب اللبنانية وما بعدها بس متل ما كان يقول المطران…. أبو جودة: البطرك صفير يا جبل ما يهزك ريح”.

وحدها الرحلات إلى وادي القديسين ما عادت مدرجة على برنامج الحج الذي كان يقوم به سنويا سيرا على الأقدام وباتت “مشاوير” البطريرك صفير تقتصر على الباحة الخارجية للصرح البطريركي وصولا إلى حاجز الجيش عند بوابة الصرح أو في رواق جناحه وأحيانا يطلب من رفيق دربه جورج ان يصطحبه بسيارته إلى مقام سيدة لبنان في حريصا أو إلى مؤسسة البطريرك صفير في ريفون.

الثامنة مساء. بطريرك الإستقلال الثاني ما عادت تشده نشرات أخبار المساء. هو يكتفي بزوادة الصحف الصباحية.

بعد تناول عشائه يختلي سيدنا في غرفته ويقرأ في كتاب الإنجيل وينتقل بعدها إلى كتاب آخر. طبق وحيد يصر عليه البطريرك إلى مائدة العشاء. طبق الحساء. أما ماذا يتضمن؟ “ما بتفرق معو. شو ما تكون الشوربا. ماجي، عدس، دجاج، خضرا بصل… المهم شوربا مع الخبز المحمص. بيحب الخبز المحمص. هيك سيدنا لا بينق ولا بيتذمر ولا بيطلب شي”. وإلى الحساء الطبق الأساسي هناك حبة بطاطا مشوية أو سمك مشوي أو شريحة بيتزا “بس من تاني لقمة بيقول شبعت. استحليت شي مرة يقللي أختي طالع ع بالي هالطبخة أو أكلة حلو. حتى الفواكه إذا حضرت بياكل وإذا لأ ما بيسأل. أوقات بقللو ليش بتضل ساكت، احكي شي. بيطلع فيي بيبتسم وبيقللي ما في شي كتر خير الله”.

15 أيار 2017.ستتوجه ميلاني صفير بريدي إلى بكركي لزيارة شقيقها البطريرك مار نصرالله صفير. لكن في هذا اليوم لن تكون الزيارة عادية. هناك ستقف وجها لوجه مع سيد الصمت وبطريرك الكلام لتقول له “كل سنة وإنت بخير سيدنا”. فقط معايدة من القلب إلى أعظم قلب وأكثره جرأة. وبعد المعايدة سينتقلان إلى مائدة بكركي للإحتفال بعيد ميلاده الذي يجمع منذ ثلاثة أعوام في مثل هذا التاريخ إلى ميلاني صفير البطريرك مار بشارة بطرس الراعي ورهبان ومطارنة واعضاء مؤسسة البطريرك صفير وطبعا رفيق العمر جورج صليبا. هو تقليد اتبعته الأخت الصغرى للبطريرك صفير منذ تقديم استقالته ودخوله جناح الزهد والتصوف في بكركي. تقليد يلتقي في خلاله البطريرك صفير بنحو 60 شخصا يأتون لمعايدته. لكن حتى في مثل هذا اليوم الذي ابصر فيه النور في بيت مسيحي في قرية ريفون لا يخرج عن صمته.

هي السنون السبع والتسعون التي تخترق هيبة هذا البطريرك الذي سجل إسمه في التاريخ بطريرك الإستقلال الثاني. هي السنون التي شاخت وبقي سيد الصمت في بكركي سيد الكلام إن حكى.

سيدنا البطريرك مار نصرالله بطرس صفير… العمر كلو.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل