
كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1610
كانت المهمة التي تولاها البطريرك مار نصرالله بطرس صفير صعبة وشبه مستحيلة ولكنه كان أهلاً لها. لم يأتِ الى سدة البطريركية في زمن فيه بحبوحة وسلام وأمن بل في زمن صعب فيه حروب ومعارك ويأس وهجرة، ولكن دائمًا كان فيه رجاء. وعلى هذا الرجاء عاش سيِّد بكركي، وبفعل هذا الرجاء استطاع أن يعبر برعيته من زمن الحرب الى زمن السلم وأن يحقق الحلم الذي انتظره كثيرون من دون أمل، وكان يحمله فوق كتفيه من دون ملل، حلم استعادة السيادة اللبنانية. وعندما حانت تلك اللحظة كان لها وصرخ في البرية: آن الأوان.
قارن كثيرون الدور الذي لعبه البطريرك صفير بالدور الذي لعبه البطريرك الياس الحويك. الحويك أسس الكيان اللبناني في العام 1920 بعد عامين على انتهاء الحرب العالمية الأولى. والثاني استعاد تأسيس هذا الكيان في العام 2000 بعد عشرة أعوام على انتهاء الحروب في لبنان.
عندما وصل الحويك الى سدة البطريركية في العام 1899 كان “لبنان الصغير” ينعم بوضعه الخاص ضمن نظام المتصرفية، وفي ظل هذا الوضع كان هذا “اللبنان” متميّزًا عن غيره من المناطق التي كانت لا تزال خاضعة لسيطرة السلطة العثمانية، وكان لبكركي دور رائد في رعاية الحضور المسيحي واللبناني على مساحة الانتشار حتى خارج حدود المتصرفية. ولذلك كان الحويك قد أمضى 14 عامًا في كرسيه قبل أن تبدأ الحرب العالمية الأولى ويواجه اللبنانيون خطر الفناء جوعًا. أهوال تلك المجاعة حملت ذلك البطريرك الى باريس ليطالب بدولة لبنان الكبير. أراده وطناً معافى ولكنه في الواقع ظل وطناً جريحًا نازفاً.
قبل أن يعرف الخوري نصرالله صفير رعيته عرف كنيسته. عرف الله وأدرك رسالته ونذوره وعاش فيها ومن أجلها. دخل الى بكركي على أيام البطريرك أنطون عريضة الذي خلف البطريرك الحويك وكان كأنه منذ ذلك التاريخ يأخذ بيده تلك الشعلة التي أوقدها ذلك البطريرك. لم يتسنَ للخوري الجديد أن يعيش طويلاً مع البطريرك عريضة. عايشه في آخر أيامه التي كانت مضطربة كنسيًا واستدعت تدخل الفاتيكان لتعيين لجنة مطارنة لإدارة البطريركية. وهذا الأمر سمح لصفير أن يكون الى جانب البطريرك مار بطرس بولس المعوشي منذ تولى سدة البطريركية في أيار 1955. سيم مطراناً. وبقي في بكركي. بقي أميناً لسر البطريرك ولأسرار البطريركية. ليس أميناً فحسب، بل حاملاً لها مكلفاً بمهام كثيرة لم يعهد بها لغيره.
عندما توفي البطريرك المعوشي في 11 كانون الثاني 1975، كان المطران صفير يدرك أن تلك الساعة ليست ساعته. ولكنه كان ربما يؤمن أن تلك الساعة لا بدّ آتية، وأنه البطريرك المنتظر أو بطريرك الظل. لم تكن الحرب قد اندلعت بعد ولكن مؤشراتها كانت بدأت عندما انتخب المطران أنطونيوس خريش بطريركاً في شباط 1975. لم تمهل الحرب البطريرك الجديد ليوطد دعائم سلطته البطريركية. فاجأته الأحداث الكبيرة والخطيرة الى درجة يمكن معها التساؤل عما إذا كان سيقبل المهمة التي اختير من أجلها فيما لو كانت الحرب قد بدأت قبل انتخابه.
صحيح أن خريش كان صار البطريرك ولكن المطران صفير كان رجل المهمات الصعبة. لم يكن رجل تلك المهمات فحسب، بل عمل كأنه يقوم بمهمة تاريخية نذر نفسه لها. فجال. واجتمع. واجتاز الحواجز. وانتقل في الطوافات. وأخذ. وأعطى. وفاوض. ودخل في صلب الملفات الصعبة والطروحات المعقدة وعاش اللحظات المصيرية. كان عندما يخلد الى الاستراحة الليلية يدوِّن ويكتب كأنه يدرك أنه الأمين على تلك الوزنات التي أعطيت له وألقيت على كاهله. ليس من أجل نفسه بل من أجل البطريركية ومن أجل الأمانة للتاريخ. كان يدرك أن الذاكرة تهمل الكثير من التفاصيل الدقيقة وكان حريصًا على تلك التفاصيل. المطران الذي كان يجول في المهمات الكثيرة كان يتحول صحافيًا في الليل كأنه يكتب تقريرًا أو تحقيقاً ليس للنشر بل للحفظ. ثمة نشرة بطريركية كان يكتبها المطران صفير لم تكن تصدر ولكنها كانت توثَّق. يذكر الأماكن. يسمي الأشخاص. يحدد الساعة. اليوم. الشهر. السنة. إطار المهمة. عنوان الموضوع. التفاصيل. النتائج. هكذا أدرك المطران صفير أن المسؤولية واجب مقدس.
ما عاشه الخوري صفير في آخر أيام البطريرك عريضة عاشه أيضًا مطراناً في العام 1983 مع البطريرك خريش بعد تعيين الكرسي الرسولي في الفاتيكان المطران ابراهيم الخوري مدبرًا بطريركيًا في محاولة لخلق عملية إنقاذ داخل الكنيسة بعد سلسلة الحروب التي دفع المسيحيون ثمناً كبيرًا لها في لبنان، ولكن مع حفظ موقع خريش.
في نيسان 1986 دقت ساعة المطران صفير. عندما وقع الخيار عليه ليكون البطريرك السادس والسبعين، لم يتهيّب. فهو في قلب المعركة. تلقف المسؤولية بهدوء وبرصانة وبكل ثقة، وهو يعرف ماذا ينتظره من أثقال تنوء بها كتفاه، ولكنه هو يعرف ذلك ويعلنه طلب أن “تحملوه معي”.
كثيرون راهنوا على فشله. فمن هو حتى يستطيع القيام بهذه المسؤولية؟
كثيرون قالوا إنه سيتعب. فمن هو حتى يحقق المعجزات؟
كثيرون اعتبروا أنه سيبقى ضعيفاً. فمن هو حتى يكون له دور؟
كثيرون قللوا من أهميته. فمن هو حتى ينجح؟
ولكنه كان مؤمناً بما كان ينتظره وبأنه قادر. ولذلك لم يرتجف أمام هول المعارك والحروب. كان يعرف أنه مؤتمن على ذلك الإرث الكبير، وعلى ذلك الخط التاريخي الذي كانت بكركي مؤتمنة عليه، وقد حان دوره ليحمل الأمانة ويكون في الواجهة لا خلف الكواليس ووراء الستارة.
لم يخف البطريرك صفير عندما اختار أن يكون الخروج من الحرب عبر اتفاق الطائف. كان يدرك مدى أهمية القرار الذي يتخذه ولكنه لم يكن لوحده. لم يتراجع لأنه كان يدرك أيضًا أن لا خيار آخر وأن الموعد مع لبنان جديد سيكون وإن تأخر فهو لا بد سيأتي. اليوم بعد 28 عامًا على ذلك الخيار، ثمة إجماع أنه كان القرار الصح وأن هذا ما كان لبنان في حاجة إليه، وأن الطائف فوق الجميع، ولو لم يكن قد وجد لكان يجب أن يكون. لم يسمح النظام السوري بتنفيذ الطائف. بقي صوت بكركي والبطريرك صفير الوحيد الصارخ في البرية. بعد نفي العماد ميشال عون واعتقال الدكتور سمير جعجع وحل حزب “القوات اللبنانية”، كان يدرك أن مهمته البطريركية لا تتوقف وأن عظته كل أحد أقوى من كل أصوات عهد الوصاية والاحتلال، وأنه بالإبرة سيحفر الجبل.
رفض كل الوساطات ولم يتنازل. وكان التاريخ وفيًا له وأميناً عليه. بحدسه الرهيب أدرك أن وقت التغيير قد آن في العام 2000 وأن في لبنان قوة لو تحركت لزلزلت الأرض تحت أقدام الاحتلال. انسحب الجيش الإسرائيلي من الجنوب. توفي حافظ الأسد. آن الأوان. أطلق ذلك النداء الشهير في 20 أيلول 2000 قبل أن تحصل أحداث أيلول 2001 بعام. عرف أن العالم كله سيتغيّر وأن رياح التغيير ستصل الى لبنان. خرج من صومعته الى العالم كله ولم ينسَ الخروج الى لبنان الآخر الذي هو لبنان الواحد في الوقت نفسه. زار الجبل. كان مؤمناً بأن المصالحة تلك هي التي تنقذ لبنان. فعلها نصرالله صفير. ثمة حاجة الى أن يولد لبنان الرسالة الذي أتى من أجله البابا يوحنا بولس الثاني في أيار 1997 ليرافقه البطريرك صفير في زيارته المقدسة وليتسلم منه تلك المهمة المقدسة.
فعلها البطريرك صفير. أدرك أن البذور التي زرعها في الأرض الخصبة نبتت وعاشت. فعلها البطريرك صفير، منسجمًا مع نفسه. وبعدما لمس في إيمانه بأن العمر بدأ يتآمر عليه، اتخذ القرار بالاستقالة، وفي آذار 2011 سلم الأمانة الى البطريرك مار بشارة بطرس الراعي. ليبقى في ضمير كل منا “سيِّدنا صفير”.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]